لا يمكننا اتخاذ قرار فردي
ويلاحظ هيات إن تصريحات باور المتشددة لا تتوافق مع تصريحاتها في 28 آذار/مارس عندما قالت للصحافيين ‘لا يوجد هناك شيء يمكنني فعله أو يمكننا اتخاذ قرار منفرد من أجل دفع المجلس للقيام بعمل ما نريد، ونحن منخرطون في المشاورات’.
وجاء بعد كلام باور وتصريحاتها ما قاله باراك أوباما نفسه في 28 نيسان/إبريل ‘ألاحظ من كلام الذين ينتقدون سياستنا الخارجية، خاصة فيما يتعلق بسوريا، أنهم هم أنفسهم يقولون لا لا نريد إرسال قوات عسكرية، حسنا، ماذا تعنون بهذا الكلام، نحن نقوم بدعم المعارضة، ونقوم بإخراج الأسلحة الكيميائية خارج سوريا بدون أن نحتاج لأن نوجه ضربة عسكرية، وعليه عن ماذا تتحدثون؟’.
لكن الوضع في سوريا يزداد سوءا وهو ما قالت أموس مرة أخرى في نهاية شهر نيسان/إبريل ‘بدلا من تحسنه، فالوضع يزداد سوءا، وتصاعد العنف خلال الشهر الماضي، مخلفا وراءه خسائر فادحة بين السوريين العاديين.. هذا ليس كلاما. فكلنا شاهد الآثار المروعة: الصور التي تحطم القلب للأطفال الذين يتم اخراجهم من بين الأنقاض وللعائلات التي تختبئ بين البنايات المهدمة’، لكن باراك أوباما ليس مستعجلا أو مستعدا لاتخاذ قرارات فاعلة فقد قال في 28 نيسان/إبريل ‘لماذا هناك حرص من كل شخص على استخدام القوة العسكرية بعد أن مررنا من الحرب التي كلفتنا عظيما من جيشنا وميزانيتنا’.
علينا التحرك
ويذكر الكاتب هنا بما قالته باور عام 2002 في مقال ‘مشكلة من الجحيم’ وجاء فيه ‘ على الولايات المتحدة أن لا تؤطر خيارات سياستها الخارجية من خلال مفاهيم عمل لاشيء أو اتخاذ قرارات من طرف واحد بإرسال وحدات المارينز. فعلى الولايات المتحدة التصرف وعمل أشياء معينة تصلح لكل حالة.
وبمساعدة من حلفائها يجب عليها إنشاء مناطق آمنة تؤوي اللاجئين والمدنيين وتوفر الحماية لهم عبر قوات حفظ سلام مسلحة وقوية وقوات جوية أو كليهما’. لكن كلام باور لا يطبق في الحالة السورية رغم تصريحات أموس التي قالت في 30 نيسان/إبريل ‘أخبرت المجلس (مجلس الأمن) أنه من غير المقبول استمرار الأطراف المتصارعة في حرمان المجتمعات السكانية المحاصرة من الطعام والدواء وحرية الحركة، وليس مقبولا منع تحرك قافلة تحمل موادا تنقذ الأرواح ووصولها للمناطق المحتاجة’، وتضيف ‘وقت الأنتظار قد فات، وكل يوم يفشل فيه المجتمع الدولي بمنع الإضرار بالسوريين لتحقيق أهداف عسكرية، فنحن نمحو انجازات 150 عاما من المبادئ الإنسانية’.
هذا الكلام تتفق معه باور والتي قالت في 7 آذار/مارس الماضي ‘أصبحت سوريا اليوم منطقة الصفر لأفظع كارثة إنسانية في عصرنا’.
ولكن هل تحركت الإدارة الأمريكية لوقفها، يجيب أوباما بالقول ‘ يأتي وقت يشهد فيه العالم كوارث ومصاعب، ولا يمكن حلها بشكل سريع’، هذا ما قاله اوباما في 28 نيسان /إبريل.
لا يريدون التحرك
ولعل ما يجيب على تصريحات أوباما هو ما كتبته باور عام 2002 ‘السبب الحقيقي لعدم قيام الولايات المتحدة بعمل ما يجب عمله لوقف الإبادة ليس نقص المعلومات أو التأثير ولكن عدم توفر الإرادة. فببساطة لم يتصرف القادة الأمريكيون لأنهم لم يريدوا التحرك.. ولعبوا على عبثية ومخاطر التدخل، فسجل الولايات المتحدة ليس فشلا ولكنه نجاح، وما يثير القلق هو الإعتراف، هو أن المسؤولين الأمريكيين استخدموا النظام والنظام نجح’.
ويأتي مقال هيات في وقت تنهي فيه الإدارة إعادة النظر في سياستها السورية، وفي ضوء وصول زعيم الإئتلاف الوطني السوري أحمد الجربا الذي سيطالب الحكومة الأمريكية بدعم فاعل للمعارضة وسيلتقي الجربا مع وزير الخارجية جون كيري ومسؤولين في وزارة الدفاع والبيت الأبيض ونوابا جمهوريين وديمقراطيين.
وسيلتقي الجربا داعمين للقضية السورية مثل النائب الجمهوري جون ماكين، ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس كارل ليفين.
وتقول مصادر المعارضة إن الزيارة ستركز على عدد من المحاور منها تطويرعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد الأسد أو سوريا الجديدة، ومكافحة الإرهاب والجماعات المتشددة ومحاسبة أفراد النظام السوري، ومواجهة الكارثة الإنسانية .
ولم تقدم الإدارة أي إشارات حول توجه سياستها الخارجية تجاه سوريا، لكن ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية كتب في الشهر الماضي حول تدهور سياسة أوباما الخارجية وتحمل الرئيس الأمريكي جزءا من المسؤولية.
تخبط
وكتب هاس ‘السياسة الخارجية الأمريكية تعيش حالة من التخبط، وهذا يعني أخبارا غير جيدة من العالم الذي يعتمد عادة على الولايات المتحة من أجل نشر النظام في غياب دولة قادرة على فعل هذا، وهذه أخبار سيئة للولايات المتحدة التي لا تستطيع عزل نفسها عن التطورات التي تحدث خارج حدودها’.
ويقول إن النجاح إن كان له العديد من الآباء فالتشتت له أيضا آباء وهذا مرجعه لسياسات جورج بوش وإدارته التي قامت بغزو العراق وهو ما أرهق المالية وأضعف الإقتصاد وأثر على سمعة الولايات المتحدة ومصداقيتها وقدرتها العسكرية في العالم.
ولكن لا يعني هذا تحميل إدارة بوش كل المسؤولية فلأوباما حصته من اللوم وجزء منه كان من عمل الذات وآخر مرتبط بغياب السياسة الواضحة والإنسجام والمبادئ لتطبيق السياسة الخارجية المتسقة مع بوصلة واضحة.
وناقش هاس المفهوم الذي ساد الإدارة الأمريكية الحالية وهو إعادة تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية بتركيز أقل على الشرق الأوسط والتوجه نحو آسيا خاصة أن الولايات المتحدة لديها مصالح كبيرة في منطقة آسيا ومنطقة المحيط الهادي.
ويرى الكاتب إن منطقة الشرق الأوسط لن تؤثر كثيرا على مستقبل العالم إن أخذنا بعين الإعتبار غياب القوى الكبرى فيه، لكن أدوات السياسة الأمريكية عادة ما تكون غير ناجحة عندما تحاول إعادة تشكيل الأنظمة السياسية المحلية، أي أن أمريكا في وضع جيد لتشكيل سياسات الحكومات خارج حدود بلادها أكثر من تصرفاتها ضمن حدودها الجغرافية. وإذا كانت السياسة صحيحة فما هي إذا المشكلة.
يقول هاس إن الحكم عليها يبدو متناقضا، خاصة أن إدارة أوباما يبدو أنها تتحرك بعيدا عن الشرق الأوسط، فلا توجد قوات أمريكية في العراق، فيما يبلغ عدد القوات الامريكية في أفغانستان أقل من 40.000 وفي ليبيا اكتفت بالقيادة من خلف للإطاحة بنظام القذافي.
أما في سوريا فقد ظلت عازفة عن التدخل فيها ورفضت تقديم الدعم العسكري للقوى ‘المعتدلة’ وتراجعت عن توجيه ضربة عسكرية لنظام الأسد الذي تجرأ واجتاز ‘الخط الأحمر’ الذي وضعه أوباما حول السلاح الكيميائي.
سياسة طموحة
وهناك مشكلة في سياسة أوباما في الشرق الأوسط، ففي الوقت الذي تراجع فيه التدخل العسكري إلا أن الإدارة واصلت تأكيد سياسة طموحة تدعو لتغيير الأنظمة، أولا مع حسني مبارك ثم معمر القذافي في ليبيا وبعد ذلك بشار الأسد.
وكما أظهر التاريخ فمن الصعب الإطاحة برئيس أو حتى تحقيق وانشاء سلطة بديلة تكون مفيدة ومفضلة للأمريكيين.
ونتيجة هذه الدعوات هي مواجهة الولايات المتحدة وضعا تتراجع فيه عن أهدافها وهو ما يدفع إلى تحدي إرادتها أو المضي في أهدافها من خلال الإستثمار بالمال والدم أي التدخل العسكري.
ولهذا السببب فإدارة اوباما عبرت عن قلق من أي تدخل يعني تورطا والتزاما طويل الأمد ويعني نشر قوات عسكرية على القاعدة التي حدثت في العراق وأفغانستان.
ولعل أهم امتحان لمواقف أوباما يظل في سوريا، حيث طالب برحيل الأسد ولكنه لم يفعل ما يدفع لرحيله، وظل الدعم للجماعات التي اعتبرت مقبولة محدودا وفي أدنى حالاته. وأسوأ من هذا فقد تردد الرئيس باستخدام القوة عندما اقتضى الامر ذلك، وكان قرارا أثر على قدرة الولايات المتحدة ومصداقيتها، وقضى على ثقة الجماعات غير الجهادية بأمريكا وإمكانية الإعتماد عليها. وكانت نتيجة التصرف الأمريكي بقاء الأسد في السلطة وتأثر المعارضة. وأصبحت المسألة مسألة وقت قبل أن تبتلع الإدارة الأمريكية البرشامة المرة وتتسامح مع بقاء الأسد في السلطة.
و الوضع نفسه يقاس على ليبيا التي تخرج عن سيطرة الحكومة وتعيش تحت سلطة الميليشيات والجماعات الإرهابية، أما مصر بعد الإنقلاب العام الماضي والذي أطاح بالرئيس محمد مرسي فقد أصبحت أكثر استقطابا وتعيش عنفا متزايدا، ونفسه الحال في العراق البلد المضطرب حيث لا تمارس الولايات المتحدة إلا تأثيرا قليلا فيه بعد عقد من الإحتلال، حيث أصبح للإرهابيين فيه موطئ قدم أكثر من أي وقت مضى، وفي الأردن يخشى البلد أن يغمره اللاجئون القادمون من سوريا. فقط تونس وحدها التي تعيش وضعا مستقرا مع أن هناك شكوكا حول ديمومته.
وهذا لا يعني دعوة لتغيير الأنظمة بقوة السلاح، فتغيير الأنظمة جلب معه ‘علاجا’ أسوأ من المرض. كل هذا يحتاج من الولايات المتحدة إعادة النظر في سياستها بحيث تجمع بين مصالحها القومية ووقائع السياسة الدولية. مشيرا إلى ان النجاح الوحيد كان مع إيران.