لماذا تعترض واشنطن وإسرائيل على المصالحة الفلسطينية؟

حجم الخط
3

تلح المصالحة بين فتح وحماس منذ انفراد حماس بحكم غزة اثر فوزها في الانتخابات التشريعية في يناير/كانون الثاني 2006 والشقاق الكبير الذي حدث بين المنظمتين، وقطعت الجهود في هذا الاتجاه شوطا كبيراً حتى أصبح ملف المصالحة انعكاساً للحالة العامة التي تجعل التصريحات والملفات في جانب، والواقع في جانب آخر. وطوال هذه المدة التي تربو على سبع سنوات لم يتوقف الصراع بين فتح وحماس، كما لم تتوقف جهود إسرائيل في تبديد أي أمل في هذه المصالحة، بل ان إسرائيل حاولت مرارا أن تدخل على الخط مباشرة مع حماس وحدها، على سبيل المزيد من التمزيق، وحاولت ان تفرض عليها الشروط نفسها التي ترددها والتي تكسب بها إسرائيل بدون أن تقدم شيئاً، مادام مشروعها يتقدم إلى الأمام ويتغذى على هذا الجدل والشقاق، والحوار الفارغ، ومادامت إسرائيل تسيطر على الأرض والسكان ومقدرات الشعب الفلسطيني، ومادام العالم العربي انتقل بالتدريج من دور المساند والحاضن إلى دور الوسيط، والآن إلى دور المساند للموقف الإسرائيلي من حماس.
صحيح أن السعي إلى المصالحة هدف شعبي فلسطيني، ويفترض أنه هدف رسمي لفتح وحماس ومن ورائهما منظمة التحرير الفلسطينية، لكن لا شك أن ظهور الملف في سياق غير طبيعي، وغير مؤات، بعد أن كان الملف جزءاً من الصراع بين الطرفين، لابد أن يثير التساؤل الذي أثارته إسرائيل. وحتى لو كان مناورة من جانب أبو مازن تنتهي بتحقيق أهداف المناورة من إسرائيل، بدون أن تعود بأي نفع للقضية، فلا أظن أن أحدا يستهجنه. ولكن الغريب أن إسرائيل تضلل الرأي العام الدولي وتحاول استغلال هذه اللفتة التي تعلم عدم جديتها وعدم توفر أسباب النجاح لها على الساحة الفلسطينية وتخلي جميع الدول العربية عنها، بدليل أن غزة هي التي استضافت اللقاء وستكون مقر الحفاوة بالحدث الجديد.
تعلن إسرائيل أنها لا تمانع في المصالحة إذا كانت على المذهب الإسرائيلي، بل ترحب بها، إذا كانت المصالحة ستعيد حماس إلى صف السلطة في مفهوم أوسلو تائبة طالبة المغفرة من إسرائيل على سنوات النضال ضدها والصداقة مع إيران، ثم تعلن حماس التزامها بما التزمت به منظمة التحرير أيام عرفات، وهو الاعتراف بإسرائيل وتعلن مع السلطة الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، أي أن عرفات في نظر إسرائيل اعترف بها كدولة أي سلم بالمشروع الصهيوني وبحق اليهود، حتى لو في حده الأدنى، في الأراضى الفلسطينية. وبعد عشرين عاماً من أوسلو وتدهور الساحة الفلسطينية، على فتح وحماس أن يدفعا ثمن هذا التدهور، وهو التسليم لليهود بكل فلسطين من خلال الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، فتسقط كل المطالب الفلسطينية، وأولها حق العودة بل وسحب الشرعية من فلسطيني 1948. هذه الصيغة نبذ العنف (التخلي عن المقاومة) بحيث إذا دخلت إسرائيل غزة يرحب بها الفلسطينيون حتى تنضم غزة إلى بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة جميعاً، والاعتراف بإسرائيل كمرحلة أولى، اي التخلي عن المطالبة بفلسطين من البحر إلى النهر أو فلسطين التاريخية قبل نشأة إسرائيل، ثم الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، فتسلم الملف كاملاً لإسرائيل وتنتظر بعد ذلك معاقبة المقاومة على التصدي لإسرائيل وتجريم كل أفعالها بنفسها، والاستعداد لترحيل الفلسطينيين من أرض أجداد اليهود. وتعلم إسرائيل جيداً ان هذه المطالب مدعومة من جانب بعض الدول العربية. فاذا تحقق ذلك فحرصاً بالمصالحة على التسليم لإسرائيل، فلن يعود هناك سبب للشقاق بين الاخوة في فتح وحماس، مادامت فلسطين نفسها قد سلمت لليهود، وهذا هو السلام الذي تريده إسرائيل حتى يستريح الجميع من هذا الصراع.
اما الموقف الأمريكي، حيث صرح أوباما بأن المصالحة غير مفيدة لأنها ستعرقل هذا السلام المفيد للفلسطينيين، وأعتقد أن واشنطن التي يقوم ممثلها وهو سفيرها السابق في تل أبيب، الذي تجسس على أمريكا لصالح إسرائيل ولذلك تمت ترقيته إلى مساعد مادلين أولبرايت لشؤون الشرق الأوسط، بالوساطة مع الوزير كيري قد فقدت بكل هذه المواقف الأخلاق تماماً، ومع ذلك تعلم أن العرب يريدون هذا الموقف ويتمنون نجاحه حتى يستريح العرب من ‘مصائب’ الفلسطينيين. هذا الموقف العربي غير الشامل لكل العرب يعكس الموقف العربي من إسرائيل وصداقتها، ومن المقاومة والعداء لها، ومن إيران، ومن الملف الفلسطيني الذي احتمل الأباطيل والدجل حول المواقف الحقيقية لزعماء فلسطينيين وعرب أيضاً لا يزالون يرددون بلا كلل أو خجل أن القضية هي همهم الأول. أريد أن أقول للفلسطينيين أن تمسكهم بوطنيتهم ووحدتهم، النواة الأولى لمرور هذه اللحظة الخطيرة، التي يريد المشروع الصهيوني أن يسجل فيها انتصاره التاريخي بعد انتكاسة ثورات الشعوب العربية من جانب كل هذه القوى المتحالفة، ففلسطين ملك لكل فلسطيني في أي مكان، كما أنها جزء من الجسد العربي لا يجوز لأي فلسطينى أن يقتطعه ويلقي به إلى السرطان الصهيوني. إن الموجه الحالية من الحكام العرب سوف تفنى خلال خمس سنوات على الأكثر، وأن الشعوب سوف تكشف الغمة، وكما كان هدف الثورات العربية تحرير الفلسطينيين مع تحرير إرادتها من حكامها الغاشمين، فإن الموجة القادمة ستحقق أوضاعا جديدة تساند حق الشعب العربي في البقاء كريما عزيزا على الأرض العربية، والفجر قادم لا محالة. وحتى لو كانت المصالحة مناورة، فلتتمسكوا بها وتطوروها، فإن حقوقكم أقوى من الظلام والمؤامرات، والله غالب على أمره.
وأخيراً، لم يكن اعتراف عرفات بإسرائيل مقصوداً لأنه في تلك اللحظة من عام 1993 كانت إسرائيل تحتل كل فلسطين، فمرت بمرحلة نطاق قرار التقسيم، ثم بالإضافات بين 1948، 1967، ثم أعقاب 1967 والأرجح أن عرفات سلم بأنه بعد 45 عاماً من قيام إسرائيل، فإن الفلسطينيين يستعدون للقبول بوجود إسرائيل التي يتفق عليها في التسوية، أي أنه موقف سياسي يتبلور في المواقف التفاوضية. أرجو أن يتبع المصالحة رفع الحصار عن غزة، وأن يتكاتف الفلسطينيون جميعاً لهذا الهدف.
إن مناهضة إسرائيل للمصالحة الفلسطينية، وبالشروط الغريبة وتخيير الفلسطينيين بين السلام (الإسرائيلي) والإرهاب (المقاومة) يؤكد أن إسرائيل تريد قبل أن تضم كل فلسطين أن تمزق الصف حتى لا يستحق الفلسطينيون البقاء في أرضهم، وهم إما يتصالحون على التسليم لإسرائيل حتى يكون توقيع هذا السلام مستنداً إلى اتفاق فلسطيني، أو انفراد إسرائيل برئيس السلطة حتى تزداد الساحة احتراقاً، في كل الأحوال فإن إسرائيل مقتنعة تماماً بأن الفلسطينيين هم الغاصبون لأرض اليهود وأن استخلاص الأرض صار قريباً منذ مرحلة قرار التقسيم عام 1947.

‘ مساعد وزير الخارجية المصرية الاسبق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية