الهوية تحت مجهر ست قراءات عالمية: إجماع علي قلق سؤال الهوية

حجم الخط
0

الهوية تحت مجهر ست قراءات عالمية: إجماع علي قلق سؤال الهوية

منتصر حمادة الهوية تحت مجهر ست قراءات عالمية: إجماع علي قلق سؤال الهويةمبادرة ثقافية جادة تلك التي أقدمت عليها مؤسسة شارل ليوبولد مايير بإصدار مشروع مفاهيم عالمية ، الذي يعالج مجموعة مفاهيم وأفكار أساسية تبعا لاعتبار وجهة النظر الثقافية المختلفة، ومقارنة الآراء المتباعدة وتقاطعها حول موضوع واحد، وهو ما اصطلح عليه بـ الكلمة المفتاح .وهكذا تعمل السلسلة التي تشرف عليها نادية التازي ـ بتعاون مع المؤسسة الأم ـ علي تنشيط التحاور بين الثقافات وعلي استقصاء البحث في العولمة انطلاقا من مقدمات أولية حول مواضيع أساسية مثل التجربة و الجنس و الهوية (المفهوم الذي يجسد ضيف هذا العرض) و الطبيعة و الحقيقة . ويتضمن كل كتاب من السلسلة ستة مقالات، فمفهوم الحقيقة مثلا، عالجه كاتب إفريقي وأمريكي وعربي وصيني وأوروبي وهندي، وهكذا، قبل أن تترجم جميع الدراسات إلي أربع لغات: الإنجليزية والعربية والصينية والفرنسية. وقد قام عبد القادر قنيني بترجمة الإصدار الخاص بمفهوم الهوية إلي اللغة العربية (مفاهيم عالمية: الهوية، من أجل حوار بين الثقافات. المركز الثقافي العربي. بيروت/الدار البيضاء. ط. 1. 2005).نفتتح هذا العرض ببعض ما سطره الكاتب الصيني وانغ بين والذي يرفض رفضا مناقشة الهوية الصينية لأن هيمنة اللغة الإنكليزية كانت قبل كل شيء، قد ثبتت مسبقا معني الصيني، وكون هذا المعني صاغ الحقيقة الواقعية وفقا لاستخدام الناطقين بالإنجليزية وحدهم، مفضلين عالما سيمانطيقيا ولسانيا من بين سائر العوالم الممكنة. إذا يبقي الصيني إلي الأبد، هو الآخر وجميع الدعائم السيمانطيقية لا تعكس إلا رغبة الغرب في أن ينشئ هذا الآخر حسب قاعدة الذات واحتياجه إليها. فمناقشة الهوية الصينية في اللغة الإنكليزية أو أي لغة أوروبية أخري ـ بيت القصيد في ورقة وانغ ـ تنتهي إلي نتيجة تقول كل ما تريد، إلا الصيني! والأسوأ من هذا المعطي ـ أو الأسوأ من أن تكون معظم المفاهيم الجاري بها العمل في العلوم الاجتماعية والإنسانية، إنما في الحقيقة مستعارة من الغرب ـ أنه في الحالة الصينية، ومنذ حرب الأفيون، لا تزال تروج الأفكار المتمركزة علي الذات، وذات النزعة الأوروبية التي تختبئ وراء هذه المفاهيم حتي يعاد تأويل وبناء التقليد الصيني، وهكذا، تقدم الصين المشوهة ـ وليس وحدها وحسب ـ وكأنها الوجه الآخر للغرب.يري وانغ بأن بلده دخل في النظام العالمي للهوية، وعلي وجه الضبط في العالم المعاصر الذي وصفه ماكس فيبر، من خلال ورقة التعريف الشخصية، والذي يرمز إلي تغيير ما، لأنه يرمز لإعادة تأسيس الهوية للبلد ذاته. وأمام بطاقة التعريف هذه يطرح الكاتب مجموعة من الأسئلة الهوياتية: بأي معني وإلي أي حد تعبر هذه الورقة عن وجود الفرد، ووضعه وحالته الشخصية؟ وكيف يمكن أن يشعر الإنسان بالراحة إزاء هذا النوع من الهوية حتي لو كانت تيسر الحفاظ علي قواعد العمل الضرورية لاستقرار المجتمع! (مهم جدا التنبيه إلي أن الهوية الرقمية تتعاون تعاونا فعالا مع التشيوء والاتجار المتناميين للعلاقات الإنسانية لغاية التسخير الناجح للأجسام والنفوس).تكفل عزيز العظمة باستعراض وجهة نظر الساحة العربية، وقد كان، متفقا مع الشق الأول من مداخلة وانغ بين، مع فارق أن الأمر هذه المرة يتعلق بالحالة العربية، عندما يشير إلي أن لفظة الهوية لم تفهم في المعجم السياسي والمجتمع العربي إلا حديثا. ويصل الاستخفاف المفاهيمي لدي الكاتب إلي حد التأكيد علي أن الهوية في العالم العربي الراهن ليست شيئا آخر غير الزيف والتدجيل، وقد رُفِعت إلي بلاغة الإيديولوجيا ، مضيفا في فقرة أخري أن التبجح بالهوية ليس من فعل فاعل متقدم في التاريخ يحدّث بفعله المجتمع، إنما هي شعر أو رمز يستخدم في النضال من أجل الهيمنة، وذلك بتعليم المجتمع وإطلاعه علي واقعه المفترض وإرشاده إلي التشكيل السابق علي الاختلالات التي أحدثتها قوي الحداثة، ونتيجة لذلك فالهوية منتزع منها وجه النمو والمطمح التاريخي . مطالبا في نهاية مبحثه بأن تنحو الدراسات الأنثربولوجية حول مسالة الهوية نحو إنتاج أبحاث موضوعية وليس أحكام فردية.ونأتي لإحدي أهم المداخلات الواردة في الكتاب، وتعود للباحث محمود ممدني (كاتب من أصل أوغندي يدرس الأنثروبولوجيا السياسية بجامعة كولومبيا في نيويورك)، حيث اشتغل علي المجازر الجماعية التي تمت في رواندا في سنة 1994، ولكن قبل الخوض المستفيض في الحدث الدموي، يحدد ممدني مجموعة منطلقات منهجية بالدرجة الأولي، منها استنكاره لتقسيم العالم إلي حداثيين وما قبل حداثيين. الأولون ينتجون الثقافة، في حين يعيش الآخرون في ثقافة خارج الزمان! مطالبا أيضا بضرورة فهم إنسانية المجرم، بأن نتقمص شخصيته، لا لنبرئ ساحته هو وقتيله، ولكن لنجعل هذا الفعل قابلا للتفكير ، حتي نفهم شيئا عن وجودنا ذاته ككائنات إنسانية .يفرق ممدني بين الهوية القانونية والهوية السياسية والهوية الثقافية، وهذا ما أفرز قوانين التمييز العنصري مثلا، لأنه عندما يفرض القانون تمييزا ثقافيا فإن هذا التمييز يصبح شيئا قائما. وبالنسبة للكتّاب الذين يشتغلون علي حقوق الأقليات، فإنهم، برأي الأنثروبولوجي الأوغندي، يميلون غالبا إلي أن يسلموا بوجود الأغلبية والأقلية كمعطي، ويفترضون أن الهوية الثقافية يجب أن نجد لها تعبيرا سياسيا. وإذن فإن الأقليات الثقافية ( أي الأقليات الجماعية الإثنية) ينبغي أن تصبح لا محالة أقليات سياسية. وبدلا من أن نعتبر الهويات الجماعية كمعطيات، فقد اجتهد ممدني في أن ينظر إلي عملية تكوين الجماعات من الوجهة التاريخية، وقد أتاح له هذا المنظور أن يقيم فارقا بين الهويات الثقافية والهويات السياسية وهو فارق يربط هذه الأخيرة بعملية تشكيل الدولة.أما الفصل بين الهويات الثقافية والهويات السياسية، فهو فصل جوهري، وكقاعدة عامة، فإن الهويات الثقافية مجمع عليها بالاتفاق والتراضي طوعا لا كرها ويمكن أن تكون متعددة. مداخلة إيمانويل رينو (من جامعة ليون الفرنسية) كانت سفرا مفاهيميا وتاريخيا مع أهم الأدبيات العالمية التي عالجت مفهوم الهوية ، حتي أن الورقة ضمت أكبر عدد من المراجع مقارنة مع باقي الأوراق (33 مرجعا بالضبط، عرجت علي أسماء مرجعية كآلان باديو وبورديو وهرابرماس وفرويد ولاكلو ونيكري وتايلور..)، ولعل أهم ما جاء في ورقة رينو، تأكيده علي أن الهويات لا تنفك عن عملية تسييس الذات، بحيث أن بواعث الصراعات الاجتماعية (من صنف الصراع الإثني الذي فككته ورقة محمود ممدني) يجب أن نبحث عنها دائما في الشعور بالظلم الناتج إما عن إحساسنا بنكران كرامتنا العامة كبشر، وإما عن الوعي بالنيل من القيم التي نضفيها علي مظهر من مظاهر ذاتيتنا. وكل هوية خاصة لا تصير موضع صراع مجتمعي أو سياسي إلا عندما تتعرض لأذي ما.من جهته، يشتغل الباحث الأمريكي دافيد أ. هولينجر علي تصريح/نموذج صدر يوما عن لاعب الغولف الشهير تايغر وودز، والذي صرح في سنة 1997 علي قناة وطنية بأنه يعتبر نفسه خليطا من الأجناس أكثر من كونه إفريقيا أمريكيا ، مما فتح نقاشا وطنيا حول هويته الحقيقية. والمثير في ورقة هولينجر، إقراره الصريح بخطورة النقاش الدائر حول مفهوم الهوية في الولايات المتحدة، مؤكدا في آن بأن الهوية ليست حالة سلبية حيادية، ومادامت توحي وتبعث علي سلوكات مجتمعية، فقد أصبحت موضع نقاشات تتنافس فيها المطالب المتضادة علي الطابع والواجبات المجتمعية للفرد.تتقاطع مداخلة ن. جايرام (أستاذ علم الاجتماع بجامعة غوا بالهند) ـ ودون أن يطلع علي ورقة وانغ بين ـ مع مداخلة هذا الأخير، في نقاط عدة، منها الاتفاق علي كثرة تداول لفظ الهوية خلال السنين الأخيرة، وإذا اعتبرنا أن هذا المفهوم لم يكن حينئذ موضوع تحليل عقلي ـ والتقييم لممثل الورقة الهندية ـ فإن الدلالة التي كان يتخذها سواء في الإنجليزية أو فيما يستعار له من الألفاظ الجديدة من اللغات المختلفة في الهند، قد ظلت غامضة، والصحافيون والباحثون في العلوم الاجتماعية يجمعون علي كونه إجرائيا علي الأقل عند تناول المسائل التي تطرحها تحولات ضروب السلوكات الجماعية. ويورد جايرام في هذا الصدد رؤية ثاقبة، لا يبدو أنها تهم فقط شبه القارة الهندية، عندما يخلص إلي أن البلد عاش لقرون طويلة علي فكرة السيادة المادية والمعنوية للجماعة علي الفرد، فإن التناقضات الناتجة من لقائه واتصاله مع الليبرالية الغربية والفلسفة الفردانية قد زادت من تعقيد دينامية الهوية.ومن ينكر أن هذه الرؤية تنطبق بشكل ملفت علي ثقافة الهجنة ـ بتعبير الراحل إدوارد سعيد وترجمة كمال أبو ديب ـ المميزة، مثلا، للثقافة الكوسموبلتية في الحالة الأمريكية، أو لعرب الغربة والمهجر والاغتراب؟مشروع مفاهيم عالمية ، مشروع جاد وقيم يستحق التشجيع، وإن لم يصنع عالما، فعلي الأقل كتابا.كاتب من المغرب0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية