جبهة التحرير البريطانية من الاحتلال الإسلامي!

في إطار حملة الانتخابات الأوروبية التي تعقد يوم 22 من هذا الشهر، ألقى مرشح ‘حزب الحرية’ البريطاني (المهووس، مثل ‘حزب الاستقلال’، بقضية واحدة هي طرد المهاجرين والانسحاب من الاتحاد الأوروبي) قبل أيام خطابا في منطقة هامبشير شرح فيه ما يتعرض له المجتمع البريطاني المسكين من الويلات بسبب كثرة الوافدين عليه من الأجانب.
وبما أن الإسلام هو الملح الذي لا يغيب عن مثل هذا الطعام العنصري، فقد اغتنم بول وستون الفرصة الديمقراطية ليحمل على المسلمين وعلى ‘عاداتهم في الإسراف والتبذير، وأنظمتهم الزراعية المتخلفة، وطرائقهم التجارية الخاملة الواهنة وعدم الأمان عندهم على الممتلكات’، باعتبار هذه ظواهر ‘موجودة حيثما عاش أتباع النبي أو سادوا’.
‘فالآلاف منهم سرعان ما يصبحون جنود العقيدة الشجعان الصادقين: جميعهم يعرفون كيف يموتون، ولكن تأثير هذه الديانة يشل التطور الاجتماعي لأتباعها ويمنعه. إذ ليس هناك في العالم قوة أكثر رجعية (من هذه الديانة).
ولكن المحمدية أبعد ما تكون عن الهجوع والاعتلال، بل إنها عقيدة تسعى وتجاهد في سبيل تكثير الأتباع’.
عند هذا الحد، فاض الكيل بأحد أفراد الجمهور، فاستدعى الشرطة التي لم تمهل ‘المرشح الأوروبي’ حتى يكمل خطابه، بل اقتادته من الساحة العامة بتهمة ‘الاشتباه في تعمد المضايقة الدينية أو العرقية’.
ويبدو أن الشرطة تعتزم إحالته للقضاء الذي قد يحكم عليه، في حالة الإدانة، بالحبس مدة قد تبلغ العامين.
الطريف في هذه الحادثة هو أن مرشح ‘حزب الحرية’ (لو توخوا الدقة لسموه ‘جبهة التحرير من الاحتلال الإسلامي’) لم يأت بشيء من عنده في هذا المقطع من خطابه. بل إن كل ما قاله عن المسلمين هو مجرد اقتباس طويل من كتاب ‘حرب النهر’ الذي دوّن فيه الضابط العسكري الشاب ونستون تشرشل عام 1899 مشاهداته وملاحظاته أثناء الحملة العسكرية البريطانية ـ المصرية لإعادة السيطرة على السودان. أي أن ما فعله وستون هو أنه استشهد بأقوال رجل يجلّه البريطانيون ويعظمونه باعتباره قائدا عسكريا وزعيما سياسيا من أكبر شخصيات القرن العشرين، إضافة إلى أنه كان رجل قلم غزير التأليف في الصحافة والتاريخ.
بل إن من أطرف ما قرأته أخيرا أن فايولت آسكويث ابنة هربرت آسكويث، الذي كان رئيس وزراء بريطانيا من منتصف 1908 حتى نهاية 1916، كتبت في مذكراتها أنها ذهبت مع والدها عام 1912 في نزهة بحرية في المتوسط كان من ضيوفها آمر البحرية ونستون تشرشل. كان آسكويث من خريجي أوكسفورد في الكلاسيكيات، متقنا للاتينية واليونانية القديمة (أو اليونانية الفصحى مثلما كان يقول زميلنا الباحث اللغوي العراقي نزار الملائكة، شقيق الشاعرة المجددة نازك الملائكة). ولهذا فإن تشرشل أراد أن يشاكسه (لماذا؟ من منطلق الغيرة الصبيانية، حسب قول بنت أبيها، لأن تشرشل لم يكن، على واسع ثقافته، مختصا في الآداب أو الكلاسيكيات)، فقال له: ‘تالله إنكم لتبالغون وتغالون في تعظيم أولئك الأقوام من الرومان والإغريق. كل ما فعلوه أنهم كانوا الأوائل في القول. والحال أني، أنا نفسي، قد أتيت بما يضاهي أقوالهم بيانا وسحرا. ولكنهم سبقوني’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية