كلود ليلوش: فرانسوا تروفو احتضن السينما الكلاسيكية بعد أن هاجمها بشراسة

حجم الخط
1

هوليوود ‘القدس العربي’ ـ من حسام عاصي: قام مهرجان لوس أنجلس للأفلام الفرنسية، الذي يعتبر اكبر مهرجان للسينما الفرنسية خارج فرنسا حيث يعرض في دورته ال18 هذا العام 61 فيلما، بتكريم احد رموز السينما المخرج فرانسوا تروفو، الذي توفى قبل 30 عاما، حيث تم عرض فيلمه الكوميدي ‘الرجل الذي كان يحب النساء’ (1975). الذي يسرد قصة ملاحق نساء يدعى بيرنارد يدفع ثمن مغامراته مع الجنس اللطيف بحياته.
كما اعتدنا ان نرى في كثير من افلام تروفو، فإن ‘الرجل الذي كان يحب النساء’ يحوي مضامين ذات صدى من سيرته الذاتية، ففي تسلسل ‘خطف خلفاً’، يستحضر برنارد قصة طفولته الصعبة وعلاقته الفاترة مع أمه التي لم تعره أي اهتمام. وهذه القصة مستلهمة من طفولة تروفو المضطربة التي كانت يتيمة الحب ومليئة التحديات والمشاكل، كما جسدها بشكل مفصل في فيلمه الأول ‘400 ضربة’، الذي حازه بجائزة أفضل مخرج في مهرجان كان للأفلام عام 1959.
الغريب هو ان طفولة تروفو الصعبة هي التي دفعته الى اللجوء لصالات السينما ليهرب من الواقع المر عندما كان يعيش مع والديه ولاحقا اصبحت منبع الهام لعديد من افلامه. ففي الحوار الذي تلى عرض الفيلم، كشفت ابنته لورا تروفو انها التقت مع جديها مرة واحدة فقط في الثامنة من عمرها لأنهم كانوا لا يرغبون الأطفال.
بدأ تروفو حياته المهنية كناقد سينمائي في مجلة ‘كراسات السينما’، حيث انتقد السينما الكلاسيكية بشدة واتهمها بالرجعية و الكسل والاعتماد على الانفعاليات والنجوم.المخرج الفرنسي الحائز على الاوسكار، كلود ليلوش، الذي شارك في الحوار، قال ان كتابات تروفو كانت غالبا تزعجه لانتقادها اللاذع للمخرجين الفرنسيين الكلاسيكيين المفضلين له.
وبسرعة تحول قلم الناقد الشاب الى كاميرا وكلماته الى صور، حيث اصبح تروفو واحد من ابرز رواد الموجة الفرنسية الجديدة، التي تحدت نظام صنع الافلام التقليدية وتبنت اساليب تعتمد على التصوير خارج اطار الاستوديو واستعمال الضوء الطبيعي. وفي عام1959، قام تروفو بإخراج فيلم ‘400 ضربة’ الذي يعتبر نقطة تحول من الكلاسكية الفرنسية إلى الحداثة واللبنة الاولى للموجة الجديدة.
ولكن ليلوش يصر على ان الموجة الجديدة تمكنت من النشوء بفضل التطور التقني في تلك الوقت، خاصة ظهور الفيلم الخام السريع ASA 400 الذي مكّن التصوير في الضوء الطبيعي، كما كان مكّن انبوب الالوان الفنانين الانطباعيين من الرسم في الهواء الطلق في نهاية قرن ال19. ‘هذه لم تكن سينما جديدة وانما اسلوب تصوير جديد،’ يقول ليلوش.
ولكن الموجة الجديدة شملت ايضا ابتكارات في نمط سرد رواية الفيلم وصنعه كما كان واضحا في فيلم جون لوك غودار ‘انقطاع النفس’ (1960)، الذي حوى عناصر سينمائية مستحدثة ثورية في التصوير والمونتاج منها القفز والتقطيع، الحديث الجانبي مع الكاميرا والتغيير المتكرر لسرعة ومزاج المشاهد والتصوير بالكاميرا اليدوية. الجدير بالذكر ان تروفوا كان كاتب سيناريو الفيلم .
‘غودار، وليس تروفو، جسد الموجة الجديدة،’ يقول ليلوش الذي لا يبدو معجبا بغودار. ‘أنا تعلمت كيف استعمل الكاميرا من تروفو وكيف لا استعملها من غودار. تروفو يتعامل مع الكاميرا وكأنها ممثل رئيسي في الفيلم، أما بالنسبة لغودار فالكاميرا هي ممثل هامشي’ يقول ضاحكا.
حقا انه رغم صداقتهما الحميمة ومساهمتهما المشتركة في الموجة الجديدة فأن أسلوبيهما السينمائيين اتجها للاختلاف جذريا في أواخر الستينيات. فبينما استمر غودار بصنع افلام تجريبية متحديا السينما السائدة، تراجع تروفو بعد الفشل التجاري لفيلمه ‘اطلق النار على عازف البيانو’ 1961) وصارت افلامه اكثر شبها بالسينما الكلاسيكية، مما دفع غودار لاتهامه بترويج الأكاذيب في أفلامه. ومن جهته رفض تروفو بشدة استغلال غودار للسينما لبث أرائه السياسية الراديكالية. وتفاقمت الأمور بينهما بعد انطلاق فيلم تروفو ‘الليلة الاميركية’ (1973) وانقطعت علاقتهما للابد.
‘أفلام ابي كانت حقا انفعالية،’ تعترف لورا. ‘إنها تدور حول اشخاص عاديين، حياتهم اليومية، علاقاتهم مع الاخرين والحب.’
ليلوش يهزّ رأسه موافقا. ‘ما يثير الانتباه انه في النهاية حضن تروفو السينما الكلاسيكية التي كان هاجمها بشراسة.’
كان بود تروفو ان يصنع 30 فيلما ولكنه حقق 21 منها وذلك بسبب موته المبكر عن عمر 52 عاما من ورم دماغي. و هو يعتبر احد أكثر المخرجين براعة في تاريخ السينما وما زال منبع الهام لصانعيها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية