مساعدات إنسانية
ويرى الكاتب أن التركيز في الهجمة الدبلوماسية الجديدة سيكون على تطبيق قرار مجلس الأمن لإيصال المساعدات للمناطق المحاصرة وتهديد بفرض عقوبات جديدة عل النظام، وتعمل الولايات المتحدة، بريطانيا وفرنسا على خطة تكون مقبولة قدر الإمكان لروسيا التي أصبح من الصعب التعامل معها بسبب الأزمة الأوكرانية.
ومما يثير الدهشة أن الأسد نفسه تحدث هذا الأسبوع عن تسهيل إيصال المساعدات الإنسانية بدون ‘التأثير على السيادة الوطنية’، وربما جاءت تصريحاته لتجنب الشجب لسياسته القائمة على ‘تجويع أو استسلام’.
وأيا كان الحال فالمجال الإنساني يمكن التحرك فيه كما يقول مسؤول غربي ‘ نريد التأكيد على ما يمكننا عمله وليس على ما لا نستطيع القيام به’.
ويشير التقرير الى أن تقدما حصل من خلال إحالة الأسد على محكمة جرائم الحرب، حيث استطاعت فرنسا إقناع الولايات المتحدة بهذا، وهو تطور رمزي مهم في ضوء العداء الأمريكي التقليدي للمحكمة، مع أن الصين وروسيا لا تزالان تعارضان كما هو متوقع لخطوة كهذه.
ويعتقد بلاك أن أهم شيء، ومن منظور المعارضة هو التأكيد على موقف الدول الغربية ـ الخليجية من أن ‘لا دور للأسد ومن حوله ممن تلوثت أيديهم بدماء السوريين’ في مستقبل سوريا. ومن التطورات الأخرى تلك المتعلقة بمستقبل الأخضر الإبراهيمي المبعوث الدولي لسوريا والذي أجل استقالته من المهمة حتى نهاية حزيران/يونيو المقبل، وهو تأجيل يساعد كل طرف على تحديد خطواته القادمة والإئتلاف الوطني السوري لاختيار رئيس جديد له يحل محل الجربا.
وكذا ترتيب من سيخلف الإبراهيمي، فقد انضم اسم السويدي يان إلياسون، نائب الأمين العام للأمم المتحدة إلى الأسماء المطروحة وهي كيفن رود، رئيس الوزراء الأسترالي السابق، وخافيير سولانا مفوض الشؤون الخارجية السابق في الإتحاد الأوروبي، وكمال مرجان وزير الخارجية التونسي السابق والبريطاني مايكل ويليامز، وأي شخص يقع عليه الإختيار فعليه التفكير مليا بالخطوة القادمة، وإن كان الحل الدبلوماسي أو عملية جنيف يمكن إحياؤها وفي النهاية لاتزال الأزمة السورية الدموية تقدم أسئلة كثيرة ولكن بدون إجابات مقنعة. ولعل مصدر الأزمة نابع من غياب الإجماع الدولي وعجز مؤسساته.
عجز مجلس الأمن
فقد كتبت مراسلة صحيفة ‘نيويورك تايمز’سوميني سينغوبتا المهتمة بشؤون الأمم المتحدة عن مظاهر الفشل في تعامل مجلس الأمن مع المسألة السورية، وجاء في المقال أن ‘المجلس ومنذ بداية العام الحالي ناقش ‘سوريا’ ليس أقل من 18 مرة فيما خصص 13 جلسة لأوكرانيا’، ولكن المسألة تظل باقية فالمجلس لم يقدم خارطة طريق دبلوماسية واضحة حيث استخدمت روسيا ‘الفيتو’ ثلاث مرات ضد ثلاثة مشاريع قرار في السنوات الثلاث الأخيرة وهي عمر الحرب الأهلية السورية.
وتقول الصحيفة إن ‘المجلس ينظر إليه كمؤسسة بلا أسنان، خاصة فيما يتعلق بحق الأعضاء الدائمين فيه باستخدام حق النقض او الفيتو’ لكن ‘الشلل حول سوريا وصل درجة عالية، كما يقول الخبراء مما أعطى مبررا للذين يدعون لإعادة ترتيب المجلس وشكله وقواعد الإشتباك فيه’.
لا طعام ولا دواء
وتضيف الكاتبة أن المجلس لم يفشل فقط بوقف الحرب الأهلية في سوريا بل ولم يكن قادرا على إيصال المساعدات الإنسانية من الطعام والدواء لملايين السوريين الذين هم بحاجة ماسة لها.
وعوضا عن ذلك ‘قضت روسيا ومنافسيها الغربيين أشهرا في تبادل اللوم حول من يقوم بعرقلة المساعدات، في الوقت الذي فشلوا في إقناع حلفائهم على الأرض فتح معابر إنسانية’.
ونقلت سينغوبتا عن يان إيغلاند، وهو مسؤول سابق في الأمم المتحدة ومنسق للعمليات الإنسانية يدير الآن مجلس اللاجئين النرويجي ‘عدنا للأيام القاتمة والسوداء للمجلس أيام الحرب الباردة’. و مظاهر الإحباط واضحة في مواقف الدبلوماسيين العاملين داخل مجلس الأمن. ونقلت سينغوبتا عن عضو في المجلس قوله ‘علينا أن لا نكون ساذجين حول حماية الأرواح، ولكن ماذا عن تقديم المساعدة وإن كانت قليلة؟’، مضيفا ‘كل ما نقوم بعمله هو الكلام، وهو ما يثير الإحباط’.
وتضيف الكاتبة هنا أن مجلس الأمن ناقش موضوع سوريا في العام الماضي 33 مرة وهو ما يظهره تقرير المجلس السنوي والذي يقوم برصد المداولات فيه. وأدى تهديد روسيا باستخدام الفيتو بتعطيل القرارات ذات الصيغة العملية والقوية. فمنذ عام 1990 استخدمت الولايات المتحدة الفيتو 16 مرة، فيما استخدمته روسيا 11 مرة، ودعت فرنسا لتحديد استخدام الفيتو لكن أيا من الدولتين لم تعلق على المقترح علنا.
خيبة أمل وإحباط
وتشير الكاتبة لقرار بريطانيا هذا الأسبوع التي قالت إنها ستحدد دعمها المالي للمنظمات غير الحكومية التي تستطيع دخول سوريا بدون إذن من الحكومة السورية بدلا من المنظمات التابعة للأمم المتحدة في ايماءة منها لطيش المجلس وعدم جديته.
وتنقل عن ديفيد ام مالون الدبلوماسي الكندي الذي نشر كتابا عن مجلس الأمن، حيث قال فيه إن هذا لا يعني فشل المجلس، مشيرا لنجاحه في إرساله قوات حفظ سلام لجمهورية إفريقيا الوسطى ولكنه ‘ظل عديم الفائدة في سوريا لحد الآن’، مضيفا أن المجلس يعمل بشكل نشيط أكثر مما كان عليه في أثناء الحرب الباردة ولكن بدون اعتراف أو حمد قليل.
وكصورة عن شلل المجلس وأعضائه الـ 15 ما دعت إليه مفوضة الشؤون الإنسانية فاليري أموس التي اتهمت الأطراف المتحاربة في سوريا بتجاهل القرار الصادر عن المجلس والذي هلل له الجميع ويدعو لفتح الباب أمام مرور المساعدات الإنسانية.
فيما استمرت الحكومة في رمي البراميل المتفجرة مما أدى لمقتل المدنيين، ويتم نزع المواد الغذائية من قوافل الإغاثة، وترى أموس أن القرار الداعي لتوزيع المواد الإنسانية فشل. وكان الدبلوماسيون الغربيون قد حذروا أن خطوات سيتم اتخاذها في حل فشل أي طرف الإلتزام بالقرار ولم يتم التحرك في هذا الإتجاه.
ويعتقد دبلوماسيون مثل السفير البرازيلي أنطونيو دي أغوير باتريوتا أن فشل المجلس نابع من عدم قدرة الدول الخمس دائمة العضوية على ‘التواصل’ مشيرا إلى أن الجو بين هذه الدول يتسم بغياب الثقة والتخندق والخلافات بدون محاولة أي طرف منها لتحقيق الإجماع والمناخ المحفز على النقاش.
قرار 2139
وكمثال عن الصعوبات التي تواجهها دبلوماسية المجلس تشير لقرار 2139 والذي حاول تسهيل عمليات الإغاثة التي تقوم بها الأمم المتحدة ولكن بدون شمل القرار الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يشرع استخدام القوة حالة فشل الأطراف الإلتزام بالقرار.
وقد تقدمت بفكرة القرار كل من استراليا ولوكسمبرغ اللتان شغلتا مقعدا في مجلس الأمن لمدة عامين، وظل المقترح يراوح حول نفسه لشهور، حتى جاءت مذبحة الغوطة في آب/أغسطس العام الماضي التي قتل فيها أكثر من 1400 جراء استخدام السلاح الكيميائي، ومن ثم تركزت الجهود الدبلوماسية على نزع سلاح سوريا الفتاك، وهو ما أثمر عن اتفاق بين روسيا والولايات المتحدة في أيلول/سبتمبر العام الماضي، وحاول الدبلوماسيون استثمار الموضوع والضغط باتجاه فتح المعابر الإنسانية لكن روسيا رفضت الفكرة، ويعرف المسؤولون في الأمم المتحدة أنه بدون دعم روسي فلن تسمح الحكومة السورية لمرور القوافل الإنسانية للمناطق التي تحتاج الدعم الفوري.
والمهم في الأمر أن موضوع المساعدات وتسهيلها ظل محل نقاش حتى شباط/فبراير الماضي وولد ميتا، يحمل عناصر فشله إذ أنه أعطى الحكومة السورية الحق بمنح إذن لقوافل الأمم المتحدة وهو ما لم تفعله الحكومة السورية.
ويلاحظ إيغلاند أن الدبلوماسية كانت ناجحة في بعد واحد وهو موضوع السلاح الكيميائي فيما فشلت في الموضوع الإنساني. وهذا العجز أدى لتشويه سمعة المؤسسة الدولية كما يقول دبلوماسيون، فبحسب سفير ليخسنتاين فالموضوع ‘يمت جوهر ما يريده الناس من الأمم المتحدة’، ‘وهناك شعور بالإحباط لم يكن موجودا من قبل، حيث يتساءل الناس عما يفعلونه’.
غير مرحب بهم
وفي الوقت الذي يواصل فيه مجلس الأمن مناقشاته يعيش السوريون حالة من الترقب والخوف سواء كانوا من المشردين داخل سوريا أم من اللاجئين في الخارج.
ومن هم في مخيمات الخارج بدأوا يشعرون بخفوت الترحاب بهم الذي لقوه عندما هربوا من بلادهم ومن الدول التي رحبت بهم وأقامت لهم المخميات وأتاحت لهم حرية الحركة مثل تركيا التي يعيش فيها اليوم أكثر من 700.000 وهو إضعاف ما كان في تركيا مع بداية عام 2013 وهو 200.000 لاجيء، وهذا مصدر قلق الأتراك الذي يراقبون الأزمة ولا أمل في نهايتها. فبالنسبة لتركيا تحولت الأعداد القليلة التي كانت تحضر مع بداية الأزمة في آذار /مارس 2011 إلى ‘فيضان’ بشري.
وتتوقع الحكومة التركية وصول 750.000 لاجئ مع نهاية العام إضافة للعدد الحالي وهو كما تقدمه الإدارة الرئاسية لمواجهة الكوارث والطواريء 736.000 لاجئ. ويعيش في المخيمات على الحدود والبيوت التي أقامتها الحكومة في البلدات الجنوبية 220.000 لاجئ أما البقية وهم حوالي 500.000 لاجئ فيعيشون خارجها في أوضاع من الفقر ويبحثون عن فرص للعمل، وبحسب تقرير لمنظمة الأزمات الدولية في بروكسل فنسبة 86′ من أطفال اللاجئين السوريين يعيشون خارج المخيمات، وأجبر الكثيرون مثل آبائهم على العمل بطريقة غير قانونية وبدون ضمان اجتماعي ويحصلون على أجور أقل من تلك التي يأخذها الأتراك، ومن لا يعمل منهم يتسول.
وتقول مجلة ‘تايم’ الأمريكية إنه وسط تقارير تتحدث عن زيادة التوتر الطائفي في المناطق الحدودية، والتنافس على فرض العمل، فقد بات السوريين غير مرحب بهم. ففي كانون الثاني/يناير أظهر استطلاع أن نسبة 55′ من الأتراك تطالب بإغلاق الأبواب أمام السوريين الفارين من الحرب.
ومن بين هذه النسبة قالت نسبة 30′ إن على تركيا إعادة السوريين من حيث أتوا. وحتى هذه اللحظة لم تبلع الاحزاب السياسية الطعم وابتعدت عن الخطاب الشعبوي والمعادي للمهاجرين. ورغم أن الحوادث عن المشاكل مع اللاجئين تظل قليلة إلا أن احتمالات تطورها تظل قائمة. ففي يوم الأربعاء قام عدد من الأشخاص بإشعال النار في بناية يسكنها اللاجئون السوريون بعد مشاجرة.
ويرى التقرير أن تركيا لم تكن تتوقع تطور الحرب بالطريقة التي تحولت لها في سوريا، فقبل ثلاثة أعوام وعندما اندلعت التظاهرات السلمية في عام 2011 وبدأت أعداد اللاجئين تتدفق على تركيا توقعت أنقرة أن لا يصمد الأسد إلا أشهرا، واليوم وقد سقط في الحرب أكثر من 150.000 ألف شخص لا يزال الأسد في السلطة ولا نهاية في الأفق للحرب، ومن هنا يواجه رئيس الوزراء طيب رجب أردوغان ‘الحقيقة المرة’: اللاجئون هنا ليبقوا.
وتنقل المجلة عن كمال كرسيكي، مدير برنامج تركيا في معهد بروكينغز قوله إن أنقرة ليس لديها خطة طويلة الأمد من أجل دمج اللاجئين السوريين ‘ وحتى هذا الوقت فقد تمت معالجة التحديات وبناء مدخل تدريجي’ وبدون خطة شاملة توفر لهم الملجأ المناسب، والطعام، التعليم ، محذرا من تحول السوريين الذي يعيشون خارج المخيمات إلى طبقة مسحوقة.
ومع ذلك فتركيا تحاول التصدي لاحتياجات اللاجئين، فقد وسعت الخدمة الصحية لتشمل السوريين، وبدأت باستيعابهم في سوق العمل، ولديها خطط لفتح المجال أمام أطفالهم للدراسة في المدارس التركية، لكنها تضع خطا أحمر تحت منح ‘المواطنة’ للسوريين حيث يقول مسؤول ‘منح الجنسية ليس في أجندتنا’، وقال إن الدعم الأجنبي كان ‘أقل من توقعاتنا’ فمن الـ 3.5 مليار دولار التي تقول تركيا إنها أنفقتها على اللاجئين جاء 200 مليون من الدول الخارجية.
وكمثال عن حالة السوريين الذين يعيشون في خارج المخيمات تشير المجلة إلى فريد وزوجته غادة اللذين فرا من حلب بعد اندلاع القتال فيها ويعيشان مع أولادهما في غرفة صغيرة متواضعة في حي أينونو في اسطنبول، ويشكو فريد وزوجته من قلة العمل وضيق الحال.