من المعلوم أن الدقيقة التلفزيونية في الأوقات المعروفة بأوقات الذروة التي تشهد اجتماعا عائليا وارتفاعا في نسب المشاهدة ليلا أو نهارا تكلف الشركة المعلنة مبالغ طائلة لا تكون في متناول الكثير من المؤسسات والمشاريع الصغيرة والفتية. ومن المعلوم أيضا أن فن الدعاية والإعلان مغرق في استخدام المرأة استخداما مهينا على الأغلب، يتلاعب بها كدمية للعرض تجتذب العين كلما زادت ألوانها وحركاتها! ولذا كان لا بد لنا أن نتساءل لماذا التكرار والإصرار الممل في شهر رمضان في موعد الإفطار، وأغلب العائلات تفتح التلفاز بانتظار الأذان، على بث دعاية الحملة الوطنية لتنظيم الأسرة ‘حياتي أحلى’ الممولة من قبل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، التي تستهدف في رسالتها المعلنة تنظيم الأسرة بالمباعدة بين الأحمال مع التركيز على إيجابيات الأسرة الصغيرة وتوفير الاستشارة والنصيحة حول وسائل التنظيم المناسبة! والأمر لم يقتصر على التلفاز فقد غزت دعايات الحملة جميع وسائل الإعلام والشوارع وأماكن التجمعات والأسواق، بل وحرصت الدعايات على أن توفر الغطاء الديني للحملة، وتبين أن الإسلام حرص بل وأوصى بالمباعدة بين الأحمال باستخدام آي القرآن ومنها قوله تعالى في سورة الأحقاف ‘وحمله وفصاله ثلاثون شهرا’ أي المدة بين كل حمل وحمل ما يقارب السنتين ونصف السنة لكي يحصل الطفل على الرعاية والمحبة التي يحتاجها من الأبوين، وتكون الأم أكثر قدرة من الناحية الصحية والذهنية على الإنجاب والعناية بمولود جديد. وهذا حق وصدق نزل من لدن رب العالمين بشرط أن يكون أمرا مرحليا لا خيارا دائما ونظام حياة يريد تقليل الإنجاب، فالله الخالق الذي علم المسلمين أن يباعدوا بين الأحمال طلبا للمصلحة هو أيضا الله الرازق الذي علمهم أن لا يقتلوا أولادهم خشية الفقر، بل وافتخر رسولنا بأمته وأنها أمة ولود تنجب الخيرين والصالحين والعلماء والقادة، وجعل النكاح بقصد إنجاب الولد الصالح عملا مأجورا مستحبا، وجعل لكل نفس رزقها الذي يكتب لها وهي تتخلق في رحم الأم. وهذه الحملات المرتبطة بمؤسسات دولية لا تحمل نفس توجهات المسلمين وقيمهم وهي بذلك تبعث على التوجس وتستدعي الحذر، خصوصا عندما تستخدم الدين في تسويق أغراضها وكأنها توجه رسالتها الى جمهور بعينه، لذا كانت المشاركات اللواتي يمثلن دور الأمهات الجديدات في الدعايات محجبات بينما الطبيبة التي تعالجهن وتنصحهن غير محجبة! فهل العلم مثلا يرتبط بالسفور بينما عامة المجتمع من النساء ما زلن محجبات وجاهلات بما يصلح حياتهن من أمور الثقافة الإنجابية؟! أصبحنا نتكلم عن وسائل تنظيم الحمل أو منعه والأمور النسائية والاستشارات الطبية والعلاقات الزوجية على التلفزيون الرسمي، وكانت أمهاتنا وجداتنا في زمن الحياء يبكين دموعا حرى عند البلوغ، وتظل الواحدة تستحي شهورا من والدها واخوانها بعد زواجها، وأنجبن بالخمسات والعشرات وكانت الأحوال المادية في أسوأ أحوالها بعد الحروب والنكبات والهجرات، وأصبح أولادهن أطباء ومهندسين ومتعلمين، فهل كانت حياتهم بشعة وهل ستصبح حياتنا أحلى عندما نتنكر أو نتلاعب بديننا وثقافتنا وعاداتنا النبيلة؟! نعم نعاني الفقر وعدم توفر الوظائف والحاجة والعوز، فهل هذا سببه الزوجان اللذان بدل أن يتطلعا لإنجاب أطفال يملؤن حياتهم سعادة ورضى وامتدادا، يشغلهم التفكير بالحبوب واللوالب والعدِّ والعزل، مما يفقد العلاقة الزوجية الحميمية والتلقائية، والحياة الأسرية المودة والرحمة؟ أم أن الدولة لا تقوم بدورها في تحسين الأحوال الاقتصادية وتوزيع الثروة والموارد وتوفير الفرص، بل وتزيد الفقير فقرا والطين بلة لدرجة أن إنجاب طفل وتعليمه أصبح يعادل تكاليف مشروع استثماري؟! وبما أن الوكالة الأمريكية محسنة لهذه الدرجة ونواياها خيرة فلماذا لا تستخدم هذه الأموال والهبات في إقامة مشاريع توفر فرص عمل ودخل للشباب، وبالاخص للمقبلين على الزواج، بدل أن تلعب بعقولهم وتلبسهم الهم والغم والخوف من إنجاب الأطفال؟ أين الوكالة الأمريكية وحملاتها لتنظيم الأسرة من واحة الديمقراطية والتقدم وربيبتها في الشرق الأوسط إسرائيل، التي تعتبر أمريكا حمايتها في المرتبة الأولى، والاسرائيليون يدفعون مبالغ سخية لكل أسرة تنجب طفلا جديدا غير حوافز السكن والتعليم والصحة؟! أين الوكالة الأمريكية من نصح الوزير اليميني السابق ديفيد ليفي الذي أنجب ثلاثة عشر ابنا؟ بمقاييس الوكالة الأمريكية لا بد أن حياته جحيم وهو يستحق الإنقاذ ما دامت الحياة الأحلى لا تتحقق الا بالأسرة الصغيرة والتنظيم! ولكن ربما هم وعوا أن الزيادة السكانية هي احدى وسائل القتال والتجذر في الأرض وإثبات الأحقية، فكيف لو وعينا الدرس وعملنا على الزيادة الكمية والنوعية بإنجاب وتربية وتعليم الأطفال حتى يكونوا أفرادا صالحين لمجتمعاتهم والأمة؟ يخافون مما يسمونه القنبلة السكانية! فكيف لو أنجبنا على بينة ومنهج سليم يرى في الإنسان أداة لإعمار الأرض لا خرابها أو نهايتها؟ صدق القدماء: لا يأتيك من الغرب شيء يسر القلب! وحياتنا لن تكون أحلى الا باتباع سنن الله في الكون، الله الذي حبب إلينا الذرية وجعل البنون زينة الحياة الدنيا، وجعل أبناءنا أكبادنا التي تمشي على الأرض. د.
ديمة طارق طهبوب