المرأة العراقية: القصص غير المروية من عام 1948 الى الوقت الحاضر’ لنادية صادق العلي’

حجم الخط
0

المرأة العراقية: القصص غير المروية من عام 1948 الى الوقت الحاضر’ لنادية صادق العلي’ ايمان احمد خمّاسكانت الحقيقة هي اول ضحايا غزو العراق واحتلاله. وهذه واحدة من سخريات عصر تقنية المعلومات، او ربما هي من لوازمه، فالمعرفة والقوة صنوان لا يفترقان. الاقوياء الذين يمتلكون ادوات انتاج المعرفة يفرضون ‘ الحقيقة’ كما يريدونها. ومن هنا فإن التصدي لكتابة تاريخ العراق في المرحلة الراهنة، اذا لم يمتلك الكاتب ارادة الخروج على هذه اللعبة ويحمّل المشروع الامبريالي مسؤولية دمار العراق، فإنه ينطوي على خطورة التحول الى شهادة محلية تبرر الاحتلال، وتمنحه مشروعية ضمنية. ولقد صدرت خلال العقد الاخير اطنان من الكتب والدراسات عن العراق وبمختلف لغات العالم خاصة الانكليزية، وكان لموضوعة المرأة فيها نصيب الاسد. وهذا ليس جديدا ولا غريبا في الواقع. فقد كانت قضية تحرير المرأة العربية والمسلمة من سطوة الثقافة الباترياركية ومن قمع الانظمة الدكتاتورية حصان طروادة استخدمه الخطاب الغربي الامبريالي عبر التاريخ. وكانت الصور النمطية للمرأة تخدم هذا الخطاب: الاميرة المسلمة التي تعشق الفارس الصليبي وتتنكر لقومها في رومانس العصور الوسطى، الملكة التي تتمسك بقضية شعبها فتؤسر وتجعل امثولة مثل زنوبيا او تذبح ويباد شعبها مثل السلطانة كما قدمهما تشوسر، الجارية الفاتنة في قصور الامراء والملوك، الحريم حبيس جدران اللذة كما قدمه الاستشراق، الضحية المغلوبة على امرها المهزومة والغائبة عن التاريخ والمتخلفة… الخ. اما صورة المرأة في خطاب ما تسمى ‘ الحرب على الارهاب’ او حرب الارهاب كما سمّاها تشومسكي محقا، فانها المرأة الذكية الدؤوب المتطلعة الى الحرية والمناضلة من اجل حقوقها ولكن جهودها تصطدم بجدران الانظمة القمعية والثقافة الرجعية، ولذلك لا بد من مساعدتها والاخذ بيدها لتلحق بركب اخواتها اللواتي سبقنها في كسر قيود التبعية والاستلاب ازاء الهيمنة الذكورية، في تفعيل ما بعد كولونيالي للخطاب الاستعماري العنصري القديم. وسواء شئنا ام ابينا فإن هذا الخطاب يصب في خدمة الاحتلال ‘ المنقذ’ للمرأة بدأ باللورد كرومر حتى بوش. بعض الكتب تصدى لهذا الخطاب الملتوي منها على سبيل المثال لا الحصر: ‘ النسوية والحرب: مواجهة الامبريالية الامريكية’ و ‘ دراسات المرأة على الحافة’ و ‘ المرأة سلاحا في الحرب’ و’ مدينة الارامل’ وغيرها كثير في الواقع. ومن جانب آخر ثمة كم هائل من المنتوج الثقافي الذي يتبنى الخطاب النسوي الامبريالي وهي لا تحصى. غير اننا نعرض هنا كتاب نادية العلي ‘ المرأة العراقية’ لانه نموذج مختلف عن الاتجاهين. نلاحظ اولا ان الكتاب الذي تقول الاستاذة نادية في المقدمة ان الناشر طلب منها شخصيا كتابته، موضوع بالانكليزية، اي انه يلبي حاجة السوق الناطقة بها وهو ليس موجها الى القارئ العربي موضوع الكتاب. ونلاحظ ثانيا ان نادية وان وضعت كتابها بمحبة وفخار بأصلها العراقي رغم انها تتحدث أحيانا من منطلق ‘ الاخر’ اذ تعبر عن اعجابها بالكرم العراقي والاطباق العراقية وانبهارها بالمستوى الثقافي للعراقيين واحترامها لعزيمة المرأة العراقية… الخ، ولكن الكتاب ينطوي على خلل منهجي واضح فهو يؤرخ للاحداث السياسية الفاصلة في العراق خلال اكثر من نصف قرن عبر سرديات نساء اختارتهن المؤلفة دون ان تشرح لنا معيارها او منهجها في الاختيار. لماذا مثلا: ان جميع الشهادات لنساء لا يعشن في العراق بل في لندن وديترويت وسان دييغو وعمان وليس في بغداد والبصرة والسليمانية والموصل؟ ولماذا هنّ ممن اصطلح على تسميتهم المعارضة العراقية في الخارج؟ ولماذا تصرّ المؤلفة بلا كلل على تحديد الهوية الطائفية والاثنية للمتحدثات، كما فعل الدستور العراقي الجديد، وكل نصوص الاحتلال؟ ولماذا عندما تقتبس من باحثة عراقية خارج هذا التوصيف وهي امل الشرقي، تسارع الى القول اننا ينبغي أن لا نأخذ كلام الشرقي على محمل الثقة، دون ان تقدم ما ينقض ما ورد في الاقتباس؟ باجتهادي المتواضع اعتقد ان كتابة التاريخ ينبغي ان تسرد ما حدث فعلا بكل خلفياته واسبابه وتداعياته وبموضوعية لا تسمح للقارئ بأن يعرف موقف المؤلف من الحدث. ولكن كتاب ‘ المرأة العراقية’ واضح الانحياز تماما من خلال منهج السرد وحتى استخدام المفردات وبطريقة تدفع القارئ الى التساؤل، خاصة ان ‘ سرد الاحداث’ يأتي دائما مبتسرا ومجزوءا عن اطاره الموضوعي، وغير مدعم بأية محاججة او بتوثيق لازم، فضلا عن ان الكاتبة تقدم قراءتها الخاصة للاحداث، ولو انها اكتفت بسرد الحدث وتركت للقارئ حرية التقويم… تقول مثلا: ان النظام البعثي انفتح على القيادات الكردية وعيّن ثلاثة وزراء اكراد عام 1968، وعقد اتفاقية معهم عام 1970 تعترف بحقوق الكرد وبهويتهم القومية وبلغتهم ( كانت الكردية تدرس في الوسط والجنوب ايضا) فضلا عن الاصلاحات الزراعية والمشاركة السياسية والحكم الذاتي، ولكنها تضع هذه الحقائق في خانة ‘ قلق النظام البعثي من عدم القدرة على السيطرة على الحركة القومية الكردية عسكريا’ ( ص124)، دون ان تقدم ما يدعم هذه القراءة، والشيء نفسه في الفقرة التالية اذ تقر الكاتبة بان الخطة الانفجارية في السبعينيات شملت البنى التحتية والتعليم والصحة والاقتصاد وانعكست ايجابيا على قضية المرأة، الا انها تقول: ‘ ادركت ان الدولة لم تعتمد آلية السيطرة القمعية والقسرية في السيطرة على البلاد فحسب، بل ان النظام تمكن من اسكات المعارضة بتوفير خدمات اجتماعية واقتصادية’ ( ص 128). وكذلك في قراءتها لقيام الجبهة بين الحزبين الشيوعي والبعث في السبعينيات اذ تقول ان البعث اراد من ورائها استثمار شعبية الحزب الشيوعي العريضة لصالحه، بينما استجاب الشيوعيون بسبب ضغوط سوفييتية. والواقع ان نادية تقدم الحزب الشيوعي في الخمسينيات بكثير من الرومانسية الناعمة: فالتقدم حثيث والجماهير تلتف حول الحزب والنساء يجالسن الرجال في المقاهي في شارع الرشيد ( كمرة وربيع) كما يقول المثل العراقي. واذا كان الجو العام بعد ثورة تموز (يوليو) 58 مفعما بالتفاؤل الا ان الاستاذة نادية تقرأ جميع الاحداث من منطلق توجيه تحية للحزب الشيوعي العراقي، وهذا شأنها شرط ان تكون مقنعة. كيف تبرر مثلا قولها ان البعث تبنى خطابا عروبيا فقط لكي يقوّض الاساس الايديولوجي للشيوعيين ( ص 122)؟ المأخذ المنهجي الاخر هو اطلاق تعميمات غير موثقة. تقول مثلا ان جميع المنفيات العراقيات اما ناشطات سياسيا او شيعيات او كرديات او زوجات لسياسيين. ولكنها لم تذكر لنا مصدر هذا التعميم. الا توجد منفيات لاسباب ثقافية او اقتصادية او شخصية؟ وما هو عددهن؟ هنا تميّز المؤلفة بين الشتات والمنفى وتقول ان المنفى ليس حالة جسدية ومادية فقط بل هو حالة نفسية وعقلية مما سمته ‘ ازمة المعنى'( ص17) وهذا صحيح. ولكن في هذه الحالة كيف لنا ان نقرأ التاريخ كما سردته المنفيات اللواتي يقتصر الكتاب على شهاداتهن اذا؟ هل هي صور من ‘ ازمة المعنى’ هذه؟ وماهي الحقيقة في سرد غير مأزوم مثلا؟ ومن جانب ثان ان هذه السرديات هي تجارب فردية لصاحباتها، ويخلّ تعميمها بالحقيقة الموضوعية، ايّا كانت. إحدى السيدات مثلا تقول ان التشكيليين الرواد كانوا يشعرون بأنها تشكل تهديدا لهم!! والصورة التي تقدمها الشيوعيات مغرقة في ‘ رومانسيتها الثورية’. وعن الاتحاد العام لنساء العراق، فعلى الرغم من الاشواط التي قطعها في نهضة المرأة العراقية، كما تقول الكاتبة، الا انه كان يستخدم حملة محو الامية مثلا في التلقين الحزبي، وان هناك توترا بين خطاب الاتحاد وخطاب صدام النسوي، لان الاخير قائم على ما سمته الكاتبة ‘ نسوية الدولة’ وهو منهج براغماتي يناور مع تغير الظروف، وهذا واقعي. وبينما تفرد الاستاذة نادية صفحات من الكتاب للمهاجرات اليهوديات والمعاناة التي تعرضن لها من قبل اليهود الاشكناز في اسرائيل، على الرغم من ان عددهن محدود، تتجاهل موضوعات اكبر واكثر تأثيرا في تاريخ المرأة العراقية مثل واقعها الاجتماعي والاقتصادي في تلك الفترة!! بينما تقول انه بعد حرب الخليج 1991 اخذ العراقيون المسلمون يربطون بين المسيحيين والسياسة الامبريالية الامريكية ( ص 31) !! وهذا شيء لم نسمع به. وبسبب من الخلل في منهجيته يقع الكتاب في تناقضات اخرى. مثلا تؤكد الكاتبة ان الصراع في العراق كان طبقيا اكثر منه اثنيا او طائفيا، ولكنها تقول في مكان آخر انها لا تتفق مع من يقول ان الطائفية كانت مشروعا احتلاليا ( ص232 ). ولكن تنفيذ المخطط الطائفي بدأ مع العدوان الامريكي على العراق عام 1991 وأخذ شكل التصفيات الدموية بعد الاحتلال وخاصة منذ عام 2005 عندما سيطرت الميليشيات الطائفية على الاجهزة الامنية. وكان الناس مدركين تماما لهذا المخطط القذر. كانت المظاهرات تهتف ( اخوان سنة وشيعة، هذا الوطن ما نبيعه)، وكانت الصلوات المشتركة تقام في الجوامع وتخرج المظاهرات من الاعظمية والكاظمية لتلقي على جسر الائمة منددة بجرائم الاحتلال. يقول الاستاذ طارق اسماعيل ان الطائفية وان كانت موجودة في العراق الا انها كانت فولكلورية او شعبية وانها سيّست مع الاحتلال من خلال المؤتمرات التي سبقته ومن خلال مجلس الحكم والدستور… الخ. الحقيقة ان محاولة سرد كل التفاصيل غير ممكنة في هذا المجال ولكنّ بعضها يفقأ العين مثلا: ان الاحتلال تسبب في مقتل عشرات الالاف من العراقيين بينما تقول اغلب التقديرات ان عددهم تجاوز المليون، او قولها ان المنظمات النسوية التي اسسها الاحتلال فشلت بسبب الظرف الامني… الخ. لا تختلف نادية في ‘ المرأة العراقية’ عن الكثير من الكتابات اللبرالية وحتى اليسارية التي وان سئمت من الخطاب الامبريالي الا انها ما زالت تعتقد ان ‘ العالم الثالث’ لا بد من ان يتخلص اخيرا من انظمته القمعية ويسمح للديمقراطية ان تدخل اليه، بمعنى آخر انهم يبررون ضمنا خطاب الاحتلال ويخلون مسؤوليته وان كانوا يعارضونه مخلصين. فالنتيجة التي يخرج بها القارىء من كتاب ‘ المرأة العراقية’ هي ان النظام العراقي السابق يتحمل مسؤولية كل مآسي العراقيين، وهذا هو بالضبط خطاب الاحتلال. اسأل اي مدافع عن الاحتلال عن سبب الدمار والقتل الذي تمارسه القوات المحتلة يجبك فورا: هل تريد ان يعود الصداميون؟ فلا يقلق نادية مثلا ان الاحزاب التي تحيي انجازاتها قد تعاونت مع الاحتلال، الذي ترفضه هي وتعتقد انه عاد بالمرأة العراقية عقودا الى الوراء. ولا يقلقها ان السيدات اللواتي التقت بهن ووضعت كتابها على اساس سردهن ينتمين الى احزاب سياسية مكّنها الاحتلال من السلطة ومن قمع المرأة مثلا. فكيف توفق بين الموقفين؟ وكيف تقنع القارىء بذلك؟ ‘ كاتبة عراقية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية