في تشبيه الحاضر بالماضي

إنّ تشبيه الحاضر بالماضي أو رؤية هذا في ذاك أو من خلاله، ليس وقفا على ‘الأدب العربي الحديث’ هذا المصطلح الذي يحتاج إلى قدر كبير من التدقيق، بسبب من هذه الأنواع الأدبيّة الوافدة على ثقافتنا، منذ أن برح أدبنا مداراته المألوفة خلال الثلث الأوّل من القرن الماضي؛ وإنّما هو قديم جدّا في أدبنا. ولعلّه صورة كبرى لعلاقة المشابهة من حيث هي عند القدماء، ركن لا غنى عنه في بناء الصّورة بشتّى أنواعها؛ بل لمفهوم ‘القرب’ ونوع من الحنين إلى ‘الوحدة الأزليّة’ تواؤما مع المنظور الديني.
ومن هذا الجانب فإنّ القضيّة المطروحة في قراءة المحدث الشعري عند العرب قديما تكاد تكون هي نفسها عندنا نحن عرب اليوم. فهي قضيّة بلاغيّة في الظاهر؛ ولكنّ خلفيّتها دينيّة عميقة الغور. وقد يتسنّى لنا أن نلمّ بها إن نحن جرّدناها من مشكلاتها الخاصّة، وأحكمنا الفصل بين شكل القضيّة ومحتواها، على نحو ما نفصل في الرّياضيّات بين قالب المعادلة ومكوّناتها.
وهذا منحى تقوم في وجهه عوائق، من أظهرها أنّ هذه القراءات القديمة، ما كانت لتنهض إلاّ على أساس من السّجال بين النّموذجين: القديم والمحدث ومواجهة هذا بذاك، أو البحث عن تماثل بينهما، وما أفضى إليه ذلك عند بعضهم، من تصوّر الشّعر بعقل أعدّ للماضي، والعودة به إلى ‘نقائه الأوّل’ وإلى مرحلة ما قبل ‘ظهور الخلاف’ بين أنصار القديم وأنصار المحدث؛ أي مرحلة ما قبل ظهور التّفكير البلاغي الذي أرسى ركائزه متكلّمو المعتزلة وغيرهم من علماء العرب وفلاسفته. وكان من نتائج ذلك أنْ جُعل زمن الشّعر ‘يتحرّك’ في ثوابت ودوائر هي بمثابة قواعد وأحكام وسمات مستدمية. وكأنّ الأمر يتعلّق كما يُقال، بدائرة تشدّ إلى وسطها مختلف الأشعّة المنبعثة منها، دون أن تبرح محيطها، أو بمصباح يشدّ إلى مركزه جميع تموّجات الضّوء المندفعة نحو مختلف الاتّجاهات. فكان أن اعتبروا الشّعر واحدا جاء على بناء الجمع، وسمْتا تنتهي إليه كلّ القصائد أو ينبغي أن تنتهي إليه، وليس جمعا لا واحد له، على ما نرجّحه ويؤكّده تاريخ الشّعر، حيث الأشكال تولّد أشكالا مضادّة وتؤدّي إلى تركيب جديد قد يكون أشدّ تعقيدا أو تجريدا، على نحو ما نجد عند أبي نواس أو أبي تمّام أو ابن الرّومي في الصّيغ والتّراكيب المستلهمة من النّموذج، وقد صرفوها عن وجهها وحوّلوها عن حالتها وحمّلوها ثقيلا، لم تكن لهم به طاقة ولا هم كانوا منه على أنس وإيلاف. غير أنّه يظلّ بالإمكان تجريد القضيّة البلاغيّة المطروحة من مشكلات القدامى الخاصّة وأحكامهم المعياريّة، وما وقر لدى بعضهم من أنّ المحدث انقلب بالشّعر من درجة أعلى إلى درجة أدنى، وتذليل الصّعوبات التي تعوق عن هذا التّجريد، ما أدركنا أنّ قراءاتهم، على ‘اختلافها’، تدين كلها لمنظومة الإحداثيّات وأساليب التّفكير وقواعد التّحليل التي تشكّلت خلال عصر التّدوين، وحدّدت علاقتهم بالنّصّ الأنموذج (الجاهلي حتى الثلث الأوّل من القرن 2 هـ) من حيث هو مصدر من مصادر المعرفة لا غنى عنه ولا بديل. ولم يكن هذا النّصّ قضيّة محتاجة إلى برهان لإثبات صحّتها، فقد نفى الظّنّة عنه، اعتقادهم في أنّ أهله ‘جدّوا بالتّقدّم’ و’أنّهم القدوة والأعلام والحجّة’ بالرّغم من أنّ القارئ يجد ـ والعبارة للقاضي الجرجاني ـ ‘كثيرا من أشعارهم معيبة مسترذلة، ومردودة منفيّة، لكن هذا الظّنّ الجميل والاعتقاد الحسن ستر عليهم…. فذهبت الخواطر في الذّبّ عنهم كل مذهب، وقامت في الاحتجاج لهم كل مقام. فهل القاضي الجرجاني صاحب هذا الرّأي ‘ناقد نقليّ’ أو هو’يخلع القيمة على المتشابه مع الماضي، ويسلبها من المخالف له’ في قراءة الأستاذ جابر عصفور ‘الإيديولوجيّة’. أليس في كلام القاضي ما يدلّ على أنّ القيمة نسبيّة مرتهنة بالنّصّ من جهة، وبأوضاع اللّغة من أخرى؟
ناقد تونسي

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية