إقليم كُردستان العراق يسعى لتكريس إستقلال قطاعه النفطي عن الحكومة المركزية

حجم الخط
0

لندن ـ ‘القدس العربي’:
يستعد إقليم كُردستان العراق للبدء ببيع نفطه المتدفق في خط أنابيب جديد، إستُكمل تمديده نهاية العام الماضي، حتى لو لم يتمكن من التوصل إلى إتفاق مع الحكومة المركزية في بغداد حول آلية التصدير وكيفية تقاسم ريع المبيعات النفطية.
وإدراكاً من القيادة الكردية بأن إستحقاقات الإنتخابات النيابية، التي جرت في العراق في 30 نيسان/أبريل الماضي، قد لا توفر فرصة سريعة للإقليم لأن يناور لإنتزاع تنازلات من بغداد ضمن المساومات السياسية التي ستلجأ إليها الأحزاب الفائزة لتشكيل حكومة عراقية جديدة، فقد أعلن رئيس وزراء الإقليم، نجيرفان بارزاني، عشية الإنتخابات أن الإقليم سيبدأ بيع النفط الذي تم ويتم ضخه إلى ميناء جيهان التركي، بغض النظر عما إذا تم التوصل إلى إتفاق مع بغداد بهذا الشأن أم لا.
خط الأنابيب الجديد الجديد يصل حقول كُردستان المنتجة بخط الأنابيب الحكومي العراقي عند نقطة فيشخابور على الحدود مع تركيا، والذي يمتد بعد ذلك داخل الأراضي التركية، حيث لا سيطرة للحكومة العراقية المركزية عليه، بل تديره شركة ‘بوتاش’ التابعة للحكومة التركية.
وقد إنتهت حكومة كُردستان من إنشاء خط الأنابيب الجديد داخل أراضي الإقليم في أواخر العام الماضي، وبدأت عمليات الضخ التجريبي فيه بكميات قليلة منذ بداية العام حيث جرى العمل على تذليل بعض المصاعب التقنية.
الحكومة التركية صرحت في حينه أنها لن تسمح ببيع الكميات التي يتم ضخها، وقالت انه سيتم تخزينها في صهاريج مخصصة لهذا الغرض في ميناء جيهان لحين حصول إتفاق بين بغداد وأربيل حول تصدير النفط المستخرج من حقول إقليم كُردستان.
وقد عقدت بالفعل أكثر من جولة مفاوضات بهذا الشأن أواخر العام الماضي وأوائل هذا العام بين بغداد وأربيل. كما أن وزير الطاقة التركي، تانر يلدز، زار بغداد للتباحث مع نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة، حسين الشهرستاني، ووزير النفط العراقي، عبد الكريم اللعيبي. كما أن الأخير زار تركيا للتباحث في سبل التعاون في مجال الطاقة، لكن كل ذلك لم يسفر عن أي إتفاق بين بغداد وأربيل حول تصدير النفط من كُردستان العراق وكيفية تقاسم الإيرادات النفطية.

تركيا أكبر شريك
تجاري لكردستان

وعلى النقيض من التوتر القائم بين سلطات تركيا والأكراد (داخل تركيا)، فإن علاقات أنقرة مع كردستان العراق جيدة جدا. كما ان تركيا تعتبر أكبر مستثمر أجنبي في كردستان العراق. وتجدر الإشارة إلى أنه بينما يتراوح حجم التبادل التجاري السنوي بين العراق وتركيا بين 12 و13 مليار دولار، فإن معظم ذلك المبلغ ( 8-9 مليارات دولار) يتم حقيقة بين إقليم كُردستان وتركيا.
كما ان حكومة الإقليم لعبت دوراً مهماً في الإتفاق الذي تم التوصل إليه بين الحكومة التركية وحزب العمال الكُردستاني لإنهاء المعارك التي دارت لسنين بين الطرفين في جنوب شرق تركيا.
ولهذا يعول إقليم كُردستان على علاقاته المتنامية سياسياً وإقتصادياً مع تركيا للبدء بتصدير النفط الخام المنتج في حقوله بواسطة خط الأنابيب إلى جيهان بشكلٍ مستقل عن الدولة العراقية.
تركيا من جانبها ترغب بشدة أن يبدأ تصدير نفط كُردستان العراق عبر أراضيها إلى ميناء جيهان المطل على البحر المتوسط. ويتناسب ذلك مع طموحها وتخطيطها لأن تصبح ممراً رئيسياً للنفط والغاز، سواء لإستعمالها الداخلي المتزايد أو للتصدير. ولكن أنقرة واقعة بين المطرقة والسندان، إذ أن بغداد حذرتها مرارا من أن السماح بتصدير نفط الإقليم عبر خط الأنابيب العراقي إلى جيهان وبيعه لشركات دولية بدون موافقة الحكومة العراقية يشكل خرقاً للإتفاقية العراقية-التركية الخاصة بالخط، مما قد يدفع ببغداد لإقامة دعوى قضائية ضد تركيا. كما أن سماح أنقرة للسلطات الكردية بتجاهل مطالب بغداد بهذا الشأن سيعرض علاقات تركيا مع حكومة العراق المركزية للتأزم من جديد، بعد أن تمكن الجانبان من إزالة الاحتقان في علاقتهما الثنائية وتطبيعها العام الماضي.
نقطتا الخلاف الأساسيتان بين بغداد وأربيل تكمنان في هوية الجهة التي ستقوم بتسويق وبيع النفط المنتج في إقليم كُردستان، وأيضا الجهة التي ستكون مسؤولة عن تسلم وإدارة العوائد الناتجة عن ذلك. الحكومة العراقية تصر على أن الجهة الوحيدة المخولة بتسويق وبيع أي نفط أو غاز يتم إنتاجه في أي بقعة في العراق – بما في ذلك إقليم كُردستان – هي الشركة العراقية الحكومية للتسويق ‘سومو’، لأن ذلك النفط والغاز ملك لكل الشعب العراقي بموجب الدستور، ولا يحق لأي مناطق منتجة أن تتصرف منفردة بالكميات المنتجة في الحقول الواقعة ضمن أراضيها.
كما أن الحكومة العراقية تصر على أن عوائد بيع النفط العراقي برمتها يجب أن تدخل إلى صندوق تنمية العراق – وهو حساب مصرفي موجود في الولايات المتحدة بقرار دولي بعد احتلال العراق عام 2003 وما زال يخضع للمعاينة الدولية. والجهة الوحيدة المخولة بسحب المبالغ من ذلك الصندوق هي وزارة المالية العراقية لأغراض تمويل موازنة الدولة وتمويل الإنفاق الحكومي.
وتشير الحكومة العراقية أيضاً إلى أن العراق ملزم بقرار أممي أن يدفع 5’ من عوائده النفطية التي تدخل إلى صندوق تنمية العراق إلى الكويت لتعويضها عن الخسائر الناجمة عن إحتلاله الكويت عام 1990. وتلك العوائد تشمل أيضا ريع مبيعات نفط إقليم كُردستان.

السيطرة على النفط
مسألة سيادية

والأهم من ذلك كله أن الحكومة المركزية تعتبر أن السيطرة على بيع نفط الإقليم مسألة تقع في صميم سيادتها على كامل أراضي العراق. وهي تخشى، ولو بشكل بشكل غير معلن، من أن فقدانها تلك السيطرة في إقليم كُردستان قد يشجع السلطات المحلية في محافظات أخرى منتجة – خاصة محافظة البصرة الجنوبية التي تنتج معظم النفط العراقي – على المطالبة بالسيطرة على مصادر النفط فيها.
وهي محقة في هذا لأنه لو حدث ذلك ذلك سيضعف الحكم المركزي في البلاد بدرجة كبيرة، وقد يمهد لتقسيم العراق على المدى الطويل. وقد إرتفعت بالفعل بعض الأصوات في محافظة البصرة للمطالبة بإعتبارها إقليماً أسوة بإقليم كُردستان، وكذلك طالبت بعض الأصوات بسيطرة أكبر على القطاع النفطي في المحافظة، إلا ان تلك الأصوات ما زالت أقلية.
من جهتها تعتبر حكومة الإقليم أن الدستور العراقي، الذي تمت صياغته إبان الإحتلال الأمريكي للعراق ودخل حيز التنفيذ عام 2005، يعطيها الحق في تطوير مصادرها النفطية وبيع نفطها بدون إذن الحكومة المركزية.
ومعروف انه خلال عملية صياغة الدستور، والتي شهدت الكثير من المناورات وعمليات الشد والجذب، تمكن أكراد العراق الذين كانوا أكثر تنظيماً وتطوراً وحضوراً على الساحة من القوى السياسية العراقية الاُخرى، التي كانت ما زالت في حال التشكل، من التأثير الفاعل على الصياغة والتأكد من أن نظام حكم العراق سيكون فدرالياً، مما يعطي قدراً واسعاً من السلطات للأقاليم على حساب سلطات الحكومة المركزية.
ومع ذلك، فإن الدستور لا يعطي الأقاليم حرية مطلقة في إدارة ثرواتها الطبيعية، بل ينص على أن ذلك يجب أن يتم بالتعاون والتنسيق بين السلطات المركزية والسلطات المحلية.
وتصر حكومة إقليم كُردستان على أن تكون مؤسسة التسويق الخاصة بها مسؤولة عن بيع النفط المنتج في الإقليم، وترفض بشكلٍ قاطع أن يتم ذلك تحت إشراف ‘سومو’. كما تريد أن تكون هي المسؤولة عن استلام ريع تلك المبيعات، وتتعهد بأنها لن تحتفظ للإقليم بأكثر من 17′ من ذلك الريع – وهي النسبة المخصصة دستورياً لإقليم كُردستان من مجمل الريع النفطي العراقي بالاعتماد على كثافته السكانية – وأنها ستقوم بتحويل النسبة الباقية للحكومة المركزية. كما أن حكومة الإقليم تصر بإستمرار أن كُردستان جزء من العراق، وأن الإقليم لا ينوي الإنسلاخ عنه، رغم أن رئيس وزرائها، نجيرفان بارزاني، وزير نفطها آشتي هورامي، قد هددا في بعض المرات بأن إجراء استفتاء داخل الإقليم حول الانفصال عن العراق قد يكون أمراً وارداً إذا إستحال الإتفاق مع بغداد.
وقد تمكنت حكومة كُردستان العراق من السيطرة المستقلة على إنتاج النفط في الإقليم وذلك عن طريق إبرام أكثر من خمسين عقد مشاركة في الإنتاج، منذ عام 2004، مع شركات نفط أجنبية لتطوير بعض الحقول المكتشفة مسبقاً والتنقيب عن حقول جديدة، وذلك بدون موافقة الحكومة العراقية المركزية أو حتى التنسيق معها. بعض هذه الحقول دخلت في الإنتاج ، وازدادت طاقتها الإنتاجية إلى ما مجموعه 365 ألف برميل في اليوم في آخر 2013، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 580 ألف برميل في نهاية العام الحالي (أنظر الجدول).
وتعتبر الحكومة العراقية كل عقود الإنتاج تلك منافية للقوانين العراقية التي تشترط موافقة وزارة النفط في بغداد عليها قبل توقيعها. ومما يزيد الطين بلّة أن قوات البشمركة التابعة للإقليم إحتلت في عام 2009 حقل خرمالة بعد طرد عمال شركة نفط الشمال العراقية الحكومية منه، وكاد الأمر أن يتطور إلى اشتباك مسلح مع القوات الحكومية العراقية لولا تدخل الولايات المتحدة التي لم تكن قد انسحبت بعد من العراق.
حقل خرمالة هو الجزء الشمالي لحقل كركوك العملاق الذي تديره شركة نفط الشمال الحكومية. وقد طورت شركة كار الكردية حقل خرمالة وأدخلته في الإنتاج، وطاقته الحالية تفوق 100 الف برميل يومياً بقليل.
وبما أن حكومة الإقليم والشركات الأجنبية المنتجة للنفط فيه قد ضربت بإحتجاجات الحكومة العراقية عرض الحائط، فإن هذا يعني نجاح حكومة الإقليم بإنتزاع إستقلاليته عن بغداد في عمليات إنتاج النفط، ولم يبق أمام بغداد إلا التأكد من أنها تسيطر على بيع النفط المنتج في الإقليم.
حقول إقليم كُردستان تنتج بحوالي نصف طاقتها الإنتاجية الكلية الآن، وذلك لغياب إمكانية التصدير عن طريق خط أنابيب النفط العراقي المتجه إلى ميناء جيهان. وحاليا يتم تصدير 50 ألف إلى 70 ألف برميل في اليوم بالشاحنات إلى موانئ تركية اُخرى، حيث يباع للمشترين الدوليين بحوالي 10 دولارات أقل من سعر السوق العالمي، مما يوفر بعض الدخل للشركات الأجنبية المنتجة في الإقليم لتتمكن من الاستمرار في الإنتاج وزيادته، كما أنه يوفر بعض الدخل لحكومة الإقليم التي تتهم بغداد بقطع مخصصاتها المالية في الشهرين الماضيين كوسيلة ضغط.
وبما أن التصدير بالشاحنات عبر تركيا يتم دون موافقة الحكومة العراقية، فإن بغداد تعتبر ذلك تهريباً وقد هددت بمقاضاة الجهات التي تشتري ذلك النفط.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية