كانت تصل الى دارنا في السابعة من كل صباح، وكأن ساعة بيغ بن قد ربطت انضباطها الوقتي، لتجدني انتظرها بفارغ الصبر عند باب المطبخ. وصول تلك المرأة الفقيرة المناضلة، التي علمتني اكثر بكثير من كل أساتذتي في جامعة كامبردج حيث قادتني الأيام، كان يملأ قلبي الصغير بالفرح اللا متناهي.
ربما كانت ـ ابنة عائلة من عوائل طرطوس السنية، التي نزلت من الساحل السوري لكي تسكن في ضيعة جوبر في ريف دمشق ـ تتصور ان فرحي ارتبط بسخاء وتنوع الهدايا التي كانت تحملها لي كلما حضرت. لم تعرف ان حبي لها كان لشخصها، لا لصوص اصفر جلبته مرة في كيس من الورق، مع القنبز الذي أكل منه اثناء الرحلة؛ ولا لتوت شامي قطفته وهي تنتظر باص ‘يذهب براكبيه الى شارع بغداد حيث كنا؛ ولا لقبقاب خشبي ‘دق دق’، شبيه بقبقابها الضخم. لبست قبقابي فوراً لكي اشطف ارض غرف البيت معها، كما كانت العادة في بنايات القرن الماضي، و بمكانس القش التي فاحت منها رائحة صابون الغار المبروش، المخلوط بماء الفيجة لكي يذوب، بسطل الألمنيوم الذي كنت أصر على حمله. كان السطل يزن اقل بقليل من وزني، ولكنها كانت تقبل مني هذا بمسرة، لانها أرادتني ان أكون مثلها، قادرة على حمل أعباء كانت بذكائها الفطري تعرف انها ستقع على عاتقي، لأن عالم ‘الخانم’ المرفهة، الذي ولدت جدتي سلوى غزي لتكون منه، قد ذهب مع الريح، والى الأبد.
بعد قبلاتها الكثيرة على خدّي (اللذين كانا قد تدورا اكثر من اللازم من كثرة قشطة الحليب الطازجة التي اطعمتني منها، مع السكر والسمن البلدي الآتي من دير الزور عبر حي الميدان)، كانت تخلع ملاية الشيفون الأسود ومعطفها، لتلبس بنطالها المزركش بأزهار ريف بلادنا، و’سركس’ البيت، و تلف شعرها الشائب بشاش ناصع البياض، من حرصها على النظافة عند تحضير الطعام. فيبدأ نهارنا بإشعال غاز ‘البريمو’، قبل ان يصل اول بائع وهو الحلاب، مع المعزة التي كانت تصر دادتي ان يحلبها أمام عينها، لكي لا يغش حليبها بماء، رغم حلفانه الف يمين انه ليس فلان الفلاني، غشاش الحارة!
لم اعرف انها صدقت كلام رجل كائناً من كان، فقد زُوجت صغيرة وهي في الرابعة عشرة من عمرها، لتكتشف ان زوجها الاول كان كذاباً وكسولاً، مثل زوجها الثاني والثالث، الذي قضى عمره نائماً في اعلى أغصان شجرة الجوز في حديقتها، لكي يتفادى ضربها لو شمت عليه رائحة العرق البيتي، الذي كان يصنعه من وراء ظهرها، من عنب داليتها المقدسة.
كانت تخرج لتنادي اللحام من على البلكون، فيترك محله فوراً ليأخذ طلبها، وقلم الكوبياء وراء أذنه ومريوله ملطخ بدم الخرفان المذبوحة، والمعلقة امام عين الشراء، فتطلب منه ما تطلب. الحديث بينهما كان يدور على مسمع الجيران، الذين كانوا يشاركون بتفاصيل أصول تطبيق الطبخة. جار ارمني يشجع الإكثار من دبس الرمان، وجارة من أنطاكيا تقول ان حمض الليمون أفضل، فتزيد الساخرة نصيحة من عندها، وتقول: ‘الطبق الذي يجب إرساله لوزير الزراعة البعثي الجديد — الذي زاد أسعار الخضار بغطرسة مخزية منذ ان استلم منصبه، وهو يدعي مساندة ‘العامل والفلاح و الكادح’ ضد ‘إقطاع’ أمثال جدتي الأرملة (التي كانت، مع بنات طبقتها، توزع المونة على فقراء الحي، قبل ان تجعلها التأميمات واحدة منهم).
كانت فاطمة نشرة اخبارنا اليومية، لانها وصفت وبدقة، كيف بدأت تتحول سوريا الى دولة فقر وقهر. ‘هالخنزير الوزير الفلاني’، كانت تبدأ مثلا بالقول، لتصف حماقات الحزب الواحد الذي سرّح بظرف أشهر من سنة1963 ، كل موظف في كل دائرة او وزارة يعرف مهنته ويجيد اللباقة والرصانة بالتعامل مع المواطن، لكي يستبدلهم بالرجل الغلط في المكان الغلط.
حين أصابني مرض الريقان ولم أعد أستطيع بلع الحساء الذي كانت تحضره لي، جلست بقربي وحكت قصة جارتها الفقيرة، التي كانت تطعم ابنتها المريضة حساء مريراً، لأنها فقدت قدرتها الشرائية بالكامل. فكنت انظر اليها والرعب يملأ عيني، وابلع حساء مرق الدجاج بسرعة، فتقول: ‘كلي حين يصح لك الطعام، وتذكري دوماً ان هناك من يعاني من الجوع’.
رحمها الله، تلك الملكة السورية، بنت طرطوس وجوبر ودمشق.