عمر الخطيب
لا مفر من انفصال جنوب السودان عن شماله، ولا امل في حدوث معجزة تجنب البلاد خطر الانشطار والتشظي.
هكذا يقول الواقع وهكذا تمضي الترتيبات خاصة من جانب الحركة الشعبية لتحرير السودان التي انكفأت على نفسها وجنوبها متخلية من اطروحة ما كان يعرف بالسودان الجديد.
سودانان جديدان بدا يلوحان في افق الجغرافيا والتاريخ والثقافة، فسودان الاول من يناير عام 1956 سيختلف حتما عن سودان يناير 2011.
سودانان سيولدان من رحم واحد، وسيفترقان لحظة الميلاد التي ستكون عسيرة جدا جدا، مولادان مختلفان ليسا تؤام، وان اعتبرهما البعض كذلك، فلن يكونا متطابقين على اي حال.
،
خارطتان ستعرفان طريقهما الى الاطالس، كلاهما مشوه لن يستطيع اهله ان يجملوه او يجنبونه احتمالات الصدام والدخول في الدوائر المفرغة وما اكثرها.
يصعب على السودانيين تخيل خريطة لوطنهم غير تلك التي الفوها متبوعة بعبارة اكبر اقطار افريقيا مساحة، يصعب وفق حسابات الوجدان والمشاعر التماهي مع خريطة سترسم رغم انف التاريخ والتداخل القبلي والمصالحي، ولعل هذا ما يبرر تعثر عمل لجنة ترسيم الحدود فالجغرافيا تخسر معاركها دائما في اوقات التعصب والشحن القومي الزائد عن الحد.
سودان مبتور هكذا سنراه نحن الشماليون او قل من يؤمن منا بوحدة هذا البلد.
سودان كسيح بلا اقدام يقف عليها بلا عمق يقربه من منابع النيل وجيرانه الذين كانوا.
ويكفي انه سيكون سودانا تخلى عن ثلث سكان او تخلوا عنه لا يهم طالما ان الحقيقة المرة ستفرض نفسها على الجميع قريبا.
في المقابل سيرى المواطن الجنوبي وطنه الجديد من زاوية مختلفة وبشعور ملئه الفخر والانتصار، لكن عن اي انتصار نتحدث وحال الجنوب كما الشمال لا يبعث على الاطمئنان وكلاهما واقع تحت قبضة حزب واحد.
وكلاهما يستعد لمرحلة جديدة في تاريخه حددت ملامحها اتفاقية نيفاشا الموقعة بين هذين الحزبين فقط دون سائر اهل السودان وقواه الفاعلة.
فشل الاتفاق او فشل الطرفان في جعل الوحدة جاذبة ولن يجدي بعد الان السؤال عن من الذي جعل الوحدة غير جاذبة، يكفي التمعن في اتفاقية نيفاشا والنظر بين متونها لنكنتشف مدى استحالة الوحدة في الحالة السودانية بكل خلفياتها الثقافية والسياسية وما جره ذلك من حرب اذهقت ارواح مئات الالاف وشردت الملايين.
كيف تكون الوحدة جاذبة والذاكرة الجنوبية هي من يحرك عجلة السياسة ويرسم حدود المواقف والخيارات امام صانع القرار وعامة الناس على حد سواء، فهل يمكن لوم المواطن الجنوبي اذا اختار الانفصال في هذه الحالة.
يستبطن المواطن الجنوبي حقيقة انه نشا وتربى في بلد يعتبره مختلفا ومتخلفا وعليه فمن السذاجة التفكير في احتمال تصويته لبقاء السودان وطنا موحدا.
نضجت الطبخة اذن وحانت لحظة التهامها جنوبيا بينما يستعد الشمال لعض اصابع الندم، صحيح ان مشكلة الجنوب اتسعت وتعمق، ت بالتراكم وبفعل الوعود والسياسات غير الرشيدة منذ الاستقلال وما قبله، لكن ما تراكم بعد سنة 2005 يكاد يعادل او يفوق تاريخ المشكلة.
نقول ذلك وفي الخاطر تصلب الحركة الشعبية وعملها للانفصال منذ ذلك التاريخ، وفي الخاطر ايضا اصرار المؤتمر الوطني بلع توقيعه على الاتفاقية وتحويله تطبيق بنودها الى جحيم استغله الطرف الاخر وحوله الى برد يعتقد انه سينعم به بعد التاسع من يناير المقبل، لكن هيهات فالسودان ليس تشيكوسلوفاكيا ولا حتى يوغسلافيا السابقة والايام ستثبت ذلك بكل أسف.
صحفي سوداني – الدوحة