مستويات الدهشة الجمالية

حجم الخط
0

إن كل قراءة نقدية تتوخى الموضوعية ملزمة بالإنصات إلى النص والانطلاق منه للعودة إليه باعتباره قطبا مركزيا لا يتحقق التفاعل المطلوب مع القارئ إلا به مع العلم أن القارئ له ذخيرته المكتسبة وتجربته الخاصة حول نوعية الجنس الأدبي الذي ينضوي تحته النص المقروء فيعمد بعد القراءة إلى تعضيد أفق انتظاره أو تعديله.
ولا شك أن ديوان (رماد اليقين) للشاعر محمد بلمو يغني الرصيد المعرفي والشعري للقارئ لأنه يأتي بعد ديوانه الأول (صوت التراب) سنة 2000 وديوانه الثاني (حماقات السلمون) المشترك مع الشاعر عبد العاطي جميل سنة 2007، والديوان الجديد من الأعمال الشعرية التي تستفز القارئ وتدهشه، فالجديد يخلق الدهشة دائما، والدهشة من منظور نظرية جمالية التلقي صفة جمالية إذا ما امتلك النص نظاما داخليا يؤطره أي إذا كانت هذه الدهشة مبررة داخليا، لأنها تحفز القارئ على إثراء أفق توقعه القبلي، وفي الديوان المقروء مستويات متعددة للدهشة الجمالية سوف تحاول هذه المقاربة تحيين أهمها على مستويات فكرية وفنية وجمالية مختلفة.
دهشة العتبات المؤشرة:
تنشأ دهشة القارئ بمجرد قراءته لعنوان المجموعة (رماد اليقين) والذي يشكل مركبا إضافيا أضيف فيه المركب الاسمي الأول (رماد) وهو خبر لمبتدأ محذوف للمركب الاسمي الثاني (اليقين) وإذا كان الرماد ما يتبقى من الشيء بعد احتراقه مما يرمز إلى الموت والنهاية والعدم وكل ما هو سلبي فإن اليقين يدل على الثبوت والحقيقة والوجود وكل ما هو إيجابي، ويندهش القارئ للدلالة المباشرة المفارقة التي تنشأ عن الربط بين المركبين ورغبة في تحقيق الفهم يلجأ إلى البحث عن دلالة أخرى تحقق للعنوان انسجاما عن طريق التأويل. ويراهن الشاعر محمد بلمو على القارئ في الكشف عن أسرار رماد اليقين يقول متسائلا في قصيدة تحمل نفس عنوان المجموعة وقد جعلها مسك الختام :
أمتيقن/ أن الذي يقرأ هذا الرماد/ سيمضي إلى أول الحريق؟
وتدهش لوحة الغلاف للفنان محمد المنصوري الإدريسي القارئ نظرا لطابعها التشكيلي التجريدي الذي يضمر الموضوع ويراهن على تقنيات جديدة، فدلالات اللوحة غير محددة بشكل مباشر كما هو مع لوحات الفن الواقعي التي تكشف عن موضوعات تحيل عليها في الواقع الخارجي، وعلى الرغم من أن لوحة غلاف الديوان على خلاف ذلك فإنها تثير إعجاب القارئ لتقاطع أبعادها وتناسق ألوانها وانسجام عناصرها وجمالية محتوياتها.
يمكن للقارئ في سياق البحث عن تحقيق فهم أولي للوحة الغلاف أن يتبين العلاقة بينها وبين عنوان المجموعة فيلاحظ حضور اللون الرمادي الذي يحيل على الرماد واللون الأحمر المفتوح الذي يؤشر على النار كما تتفاعل داخل اللوحة ألوان متعددة كالأبيض والأزرق والأصفر والأسود والأخضر والبني والبرتقالي لتحدث تشكيلا متداخل الألوان تتخللها خطوط نصف دائرية ومنعرجات ملتوية تعكس في أبعادها شبه رسومات لكائنات ووسائل وفضاءات غير مكتملة الهوية، كما تتخلل اللوحة شبه عيون لأشكال حيوانية ترمز إلى الرؤيا والحقيقة واليقين في صراع مع الرماد الذي تؤشر عليه اللهيب الأحمر في الجزء العلوي من اللوحة. وهكذا يراهن الشاعر محمد بلمو على القارئ في الكشف عن أسرار رماد اليقين التي تسكن جميع عتباته.

دهشة البناء المشكل:

يضم ديوان (رماد اليقين) عشرة نصوص شعرية وهي على التوالي: ‘غياب’، ‘سيشْمَتُ الزرنيج في الوردْ’، ‘لو بمقدوري’، ‘حلمْ’، ‘هل أنا الريح أيها المداد’، ‘لا موطئ قلم لي’، ‘ورشات مرتبكة ضد..الموت’، ‘تعريفات بدائية جدا’، ‘هل يحدث أنْ’، ‘رماد اليقينْ’.
ويعمد الشاعر إلى التصرف بحرية في توزيع سواد الكتابة على بياض الصفحة فتجنح جل النصوص الشعرية نحو اليمين فتطول وتقصر غالبا وقلما تشرد الكلمات عن اليمين وتنزاح إلى الوسط كلمة كلمة لتؤشر على مدلولها كما في آخر نص (غياب) حيث يوزع الجملة الشعرية على خمسة أسطر: لكنه/ غاب/ بلا هوادة/ في كتاب/ الحزن.
كما يندهش القارئ لبنية النصوص من حيث تعدد أشكالها وخاصة النصوص الشذرية القصيرة جدا وغالبا ما يقحمها الشاعر تحت عنوان مركزي يكون بمثابة الأصل الذي تتفرع عنه الشذرات مثال ذلك في الديوان نص (ورشات مرتبكة…ضد الموت) الذي ينبني على ثمانية مقاطع شعرية وهي (خياطة، لم تدر، عدد، عشق، شهيد، غربة، شجرة، أسئلة غابة، لكَ، أنتِ).
أما نص (تعريفات بدائية جدا) فتندرج تحته ثلاث وأربعون شذرة بدورها مختلفة الطور والقصر وتأتي عناوينها على الشكل التالي: (الحمام، القطيعة، الشعر، السياسة، الظلم، اليأس، السعادة، المرأة، التاريخ، الرجل، التطبيع، الجلباب، القناع، الإنترنيت، الزهرة، الفوضى، النجوم، الحب، العدل، الأرض، الكتاب، اليسار، الحزب، الجريدة، الجاران، الشجرة، الحلم، القلم، الجنس، الحصار، القهوة، الإنسان، المثقف، العامل، الكرسي، المقاومة، الحكمة، الشمس، القمر، السجن، الصبا، الحقيقة، الصحراء).
وفي نصوص شعرية أخرى في الديوان يعمد الشاعر محمد بلمو إلى التأشير على المقاطع بفراغات البياض الصامت البليغ الذي يقرأ في ظل ما هو مذكور من ذلك النص الشعري الجميل (هل أنا الريح أيها المداد) حيث تتقلص بنية المقاطع لتشكل شذرات شعرية قد لا تتجاوز بضع كلمات موزعة على أسطر قليلة. يقول مثلا في شذرة تحت عنوان (عدد) من قصيدة (ورشات مرتبكة…ضد الموت) السابقة الذكر: مرتان بكيتْ/ حين ولدتْ/ ويوم أحببتْ.
بالإضافة إلى المؤشرات السالفة الذكر، العنونة، والبياض، والتشذير، هناك مؤشر مركزي يلاحظه القارئ في أغلب النصوص الشعرية في الديوان وهو التكرار كمؤشر خطابي الذي غالبا ما يأتي بنبرة استفهامية حيث تتكرر جمل تؤشر على بداية المقاطع والشذرات في كثير من النصوص الشعرية في الديوان من هذه المتواليات ما تُوج عنوانا للقصائد التي وردت فيها. من أمثلة ذلك النص الشعري (رماد اليقين) الذي يتكرر فيه المؤشر الخطابي الاستفهامي ‘أمتيقن’ ليشعر القارئ ببداية الأحد عشر مقطعا. وكذلك النص الشعري المعنون بعبارة (هل يحدث أن) التي تتكرر سبع مرات أي مع بداية كل مقطع بنبرتها الخطابية الاستفهامية وبأبعادها الفلسفية، ونفس الشيء يسري على نص (لو بمقدوري) حيث تتكرر عبارة العنوان في بداية كل مقطع من المقاطع السبعة، أما نص (ورشات مرتبكة..ضد الموت) فينبني على تسعة مقاطع تتصدر بعناوين فرعية لمقاطع شعرية شذرية تخضع بدورها إلى تشذير أدق، وقد تحضر جل هذه المؤشرات مجتمعة في نص شعري واحد كما يلحظ القارئ ذلك في (هل أنا الريح أيها المداد) الذي يتوزع إلى عشرين مقطعا شعريا.
دهشة المدلول المقلق:
تحقق مختلف قصائد الديوان مستوى عاليا من الدهشة على المستوى الدلالي لان النصوص لا تقول ما يفهم بقدر ما تفرض على القارئ أن يفهم ما يقال نظرا لخصائص الكتابة الشعرية عند الشاعر محمد بلمو التي تنبني على تكثيف الدلالة وتركيب الأسلوب التصويري الفني والمراهنة على الانزياح المفارق وعلى الاستفهام كأسلوب بنائي أساسي يعلن عن القلق والمعاناة والحنين، ويمكن أن يستدل في هذا السياق بنماذج كثيرة تعكس تشظي المدلول الشعري بموازاة تشظي الرؤية الفنية للتعبير عن الموقف الرافض لعالم يحفل بالمتناقضات؛
يا جذوة الكروم/ ما جدواي/ أنا الذي حلقت في أحشائي/ حقول المرارة/ في كتاب الحزن انكفأت شمسي/ في رأسي انهمر/ سيل الخسران) ‘لو بمقدوري’.
تسكن النصوص عدة هواجس وإحساسات سلبية ومخاوف غامرة بالحزن وفي سياقات كثيرة يستحضر الشاعر حالات القسوة والتشرد والتهميش التي تتفشى في المجتمع فتفقد الإنسان راحته وطمأنينته وسكينته وآماله وأحلامه. فالشاعر هو الصوت النشاز في المجتمع وهو يوزع فضائله على العالم؛ (تسألني/ من أين جئت/ بكل هذه الطيبوبة/ إلى عالم أجلف/ يوزع النكبات والقتلى مع كل باقة ورد) ص22.
يعتمد الشاعر أسلوب الاستفهام بنية اساسية تتحكم في توزيع المقاطع وهيكلة أهم نصوص الديوان، ويقوم بوظائف متعددة تختلف من سياق نصي لآخر بل قد نجد مقاطع بعض القصائد تخضع كليا لبنية الاستفهام مثال ذلك قصيدة (رماد اليقين) مسك الديوان وخاتمته حيث تتكرر صيغة الاستفهام ‘أمتيقن؟’ التي تتصدر بداية المقاطع الشعرية (أمتيقن/ أن الذي سيقرأ هذا الرماد/ سيمضي إلى أول الحريق؟)ص74.
ونفس الملمح يطبع قصيدة ‘هل يحدث أن’ التي تتألف من ثمانية مقاطع كلها تبتدئ بصيغة العنوان وتنتهي بعلامة استفهام ونبرة حزينة تنم عن الاحساس بالوحشة والخيبة والاغتراب؛ (هل يحدث أنْ/ تتزاحم الصُّورُ/ والكلماتُ/ على باب قلمكْ/ فينسد عنق الكتابةِ/ على الكآبةْ؟) ص6
ونفس الملمح ينسحب على (هل أنا الريح أيها المداد) حيث يصور الشاعر حالات نفور المداد وعدم مطاوعة الكتابة له إذ يصور الشاعر المداد وقد أصيب بعزة الترفع والتعالي والكبر ويتمادى في تهوره ونفوره وجحوده كلما ازدادت حاجته إليه؛ (هل أنا الريح/ كي تدير طاحنة زيتك/ أيها المداد/ بأوجاعي/ ورفات الضحايا/ كي تزعم أن الحروف/ عبيد نزواتك/ والكلمات تسمح لها باستراحة حين تشاء/ وحين لا تشاء/ تحشرها في القبو المظلم/ في صفوف الضرورة) ص25.
دهشة الصورة المركبة:
تستمد الصورة الفنية مقوماتها التركيبية من الذاكرة في أجل استحضاراتها والأمل في أرقى تجلياته والطفولة البريئة في أبهى أحلامها ومن الطبيعة الجميلة في بساطتها ومن الواقع اليومي بمفارقاته الغريبة ومن الأسطورة بدلالاتها وأبعادها العميقة، وتتحقق للصورة مميزات الدهشة الجمالية لانسجام عناصرها التركيبية على الرغم من اختلافها ومفارقاتها أحيانا.
الصورة في ديوان محمد بلمو شبكة من العلاقات تنسجها مختلف مقاطع القصيدة وتتناسل عبر سيرورتها وتتلبس مختلف مقوماتها الفنية والفكرية والجمالية ذلك أنها في الغالب تأخذ طابعا تشكيليا لأن اللغة في الديوان تصويرية تقوم بوظيفة نقل الأحاسيس والمواقف والرؤى متجاوزة وظيفتها التواصلية البسيطة والمباشرة كما هو الشأن في الكلام اليومي واللغة العادية فالصورة في الديوان هي العنصر المركزي والثابت في الشعر كله؛
لو بمقدوري/ أن أطيرْ/ أن أصير حقول بهاءْ/ أو فواكه روح/ أو حنين تفاحْ/ أو نشوة عنبٍ/ أو نكهة سماءْ/ لو بمقدوري/ أن أموت على شجرة توتْ/ أن أصيرَ ضوءَ أسيرْ/ أوحياة قتيلْ/ أو ماء نخيلْ/ لو بمقدوري/ أن أسرج خيول زِئبقْ/ أن أركب عواصف عنقاءْ/ أن ألوذ بالضياءْ ، ص15.
في هذه المقاطع الثلاثة المقتبسة بشكل متتابع من قصيدة (لو بمقدوري) تعين للقارئ خصوصيات الصورة الشعرية الجزئية وكيفية حضورها واستحضارها في علاقتها بالصورة الكلية التي تؤطرها القصيدة في مختلف مقاطعها.
وتأخذ الألفاظ اللغوية التي تشكل الصورة أبعادا دلالية مغايرة عن معناها العرفي المتفق عليه بل غدت دالة على دلالات سيميولوجية يقصدها الشاعر في النص؛ تقول لي:/ اكتب/ وانثر جسدك رمادا/ على الأغاني/ وزع غضبتك على القوافي/ وثورتك على المنافي/ أكتب مصيرك/ المجنون، ص20، هاهنا صورة مركبة من جملة صور جزئية. تحدو الشاعر الرغبة في إثبات الذات وتحقق الحلم عبر الكتابة الشعرية في بعدها النفسي والحمالة لمعاني الحزن والغضب والثورة والمصير.
تنتقل الكلمات المشكلة من مجال الاستعمال العادي أي الدلالة المباشرة إلى المجال الشعري أي دلالة تأويلية قائمة على الإيحاء والرمز، وسنلاحظ لو تتبعنا القصيدة تناسل الصور وتوالدها عبر صيرورة الكتابة وهي سمة تسم الصورة الشعرية في كثير من التجارب الحديثة إذ يمتلك التصوير الشعري قيمة إذا كان منسجما مع سياق النص.
كما يقول في قصيدة ‘ورشات مرتبكة ضد..الموت’ في مقطع تحت عنوان (خياطة)؛ كما يحلو لإبرة قلقة/ تخيط أزقة الحي/ وحين تدهمها دروبٌ/ بجلابيب متعبةٍ/ تنسى الأزرارَ/ وبرد الشتاءِ/ يقيم مراسيم الدخولْ، ص37. تتناسل خيوط الصورة على شكل حكاية ترتقها خيوط الكلمات الموحية والرمزية عالم المحكي القائم على توليف صورة تستند إلى تشبيه ضمني للحي القديم بالنسيج أو القماش فكما تخترق الإبرة الثوب تجوب الذات الشاعرة الدروب على قلق وقد تشابهت السبل وتفرقت وأمَّها أناس غرباء تائهون فقراء لا يقدرون على شيء وقد أوشك البرد أن يقيم مراسيم الدخول.
وتتشكل الصورة في كثير من قصائد الديوان فتتلبس طابع المحكي وذلك عندما يعمد الشاعر إلى نقل مشاعره ووجدانه إلى القارئ عن طريق الحكاية ومن ذلك قول الشاعر: على هذه العتبات كنا نلعب/ وحين داهم الليل قريتي/ تسلل الفقدان يخلع ثوب الباب العتيق/ نسيان شرس عرى البيوت القديمة/ من الحب. ص35 يستحضر هذا المقطع الشعري عبر الحكاية صورة للماضي الجميل ولذكريات الطفولة بالقرية التي سرعان ما حل بها ظلام الليل وطالها النسيان والإهمال والخراب وهجرها الحب إلى الأبد. وتكشف هذه الصورة عن إحساسات الشاعر الحزينة المسكونة بالحنين والشوق إلى ما مضى والقلق على الحاضر بخيباته.
وقد تتشكل الصورة عبر الموروث والمحفوظ في الذاكرة بتجلياته المختلفة التي تأتي موظفة بإحكام في سياقات مختلفة، كما يحتفي الشاعر بالرموز الأدبية والفنية والأسطورية. وقد تتشكل الصورة من خلال توظيف القناع عبر اتخاذ بعض الشخصيات والأحداث التاريخية والحيوانات أقنعة يتوارى الشاعر خلفها ليمرر مواقفه ويعبر عن انتقاداته الساخرة ويكشف عن تصوراته ورؤاه الضمنية بعيدا عن المباشرة واعتمادا على الوسائط الفنية. يقول الشاعر في مقطع من قصيدة (هل أنا الريح أيها المداد): لما تنسى دائما/ أني صديق الحقول/ وأن لي ذكريات مرح/ مع الضفدع/ النملة/ النزهة/ البيدر/ الفيافي/ وأني لم أمدح قط/ غير الربيع رفقة حماري الأشهب، ص27.
وقد تتزاحم الصور والكلمات في ذهن الشاعر وتتعسر ولادتها الطبيعية ويصعب جمع عناصرها المتباعدة والقبض على تلابيب أطرافها ولا تسعف الكلمة ولا العبارة الشاعر عندما ينسدُّ عنق الكتابة وتتسع الرؤيا فلا يملك الشاعر بعد أن يتملكه هذا الشعور المشحون بالقلق الفكري والشعري إلا أن يتساءل مع القارئ؛
هل يحدث أن/ تتزاحم الصور/ والكلمات/ على باب قلمك/ فينسد عنق الكتابة/ على الكآبة ص68.
تركيب:
ترفد نصوص الشاعر محمد بلمو من معين مرجعيات مختلفة تتفاعل داخل الديوان فتكسبه الثراء والغنى والانفتاح على التراثي والحداثي والذاتي والاجتماعي والتاريخي واليومي والفلسفي والعابر والفني والجمالي، وتصدر نصوص الشاعر عن حس تصويري وتأشيري وأيقوني ورمزي ملحوظ يجمع بين النفسي والعقلي، والبصري والسمعي، والذوقي والحركي وتسبح بالقارئ في رؤى تمزج بين المختلف والمؤتلف في انسجام تام وتسعى إلى الاقتصاد اللغوي والإيجاز فينتقي ما قل ودل موظفا أدق الكلمات تعبيرا وأجودها وقعا وأنبلها رسالة.
وتغدو الذات الشاعرة بسعة تجربتها تنم عن خبرة واسعة كما تحضر بقوة بإحساساتها وقوة حنينها وغيرتها العميقة على الزمن الجميل المفتقد وعلى الواقع المختل الذي لا يملك الشاعر أمامه إلا أن يحتمي بالسؤال والتأمل والتفكر في المستقبل في زمن يدعو إلى الحسرة والحزن، زمن أصبح اليقين فيه شكا والحقيقة رمادا.
تقرأ نصوص الشاعر محمد بلمو فتحس بصدق فني أصيل منبعه الإحساس بعمق وصدق اللحظة الشعرية لحظة الإبداع لحظة الولادة العسيرة للقصيدة ولحظة انفراج الضائقة الشعرية حيث تتضافر كل الحواس لبناء صرح القصيدة بكل مظاهرها ومستوياتها الفكرية والفنية والجمالية.

*ناقد مغربي

مصطفى الشاوي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية