‘الرجل الغامض بسلامته’، يعلن الحرب على الحكومة والأحزاب ويؤيد فتيات البكيني!

حجم الخط
0

صناعة البهجة في سينما مليئة بالكوميديا والسياسة و’الإفيه’.. القاهرة ـ ‘القدس العربي’ من كمال القاضي: كثير من الكتاب والمخرجين يصنعون فنا للفن ولا يزايدون على أحد في المسألة السياسية، ومن ثم فما يطرحونه من كوميديا في أفلامهم يقبل كما هو ويمر مرور الكرام كأنه لم يكن، أما من يمزجون الكوميديا بالسياسة والجنس فهؤلاء يمارسون باحتراف مهمة التسطيح ولا تصيب أفلامهم ايا من القضايا الثلاث، فلا هم يناقشون السياسة بعمق ولا يقدمون الجنس في إطار درامي وفني مقبول ولا معنى أيضا لكوميدياهم المفتعلة، بيد أنهم يكررون ذلك في كل المواسم من دون كلل أو ملل وبغير حرج من الهوة الشاسعة بين أفكارهم المكتوبة في الصحف المعارضة ونزقهم المعلن في الأفلام التجارية، وهذا بالطبع ما يوحي بالتناقض ويضع من يتعرضون للكتابة عن تجاربهم لحيرة بالغة، إذ لا يمكن أن يستوعب العقل انقسام المبدع على هذا النحو، خاصة أن هناك إصرارا على تبني القضايا الاجتماعية والتلويح بوجود فساد داخل الأروقة ‘السيادية’ وانعدام مبدأ الشفافية، الشعار الذي يتاجر به النظام، أي أن نية النضال مبيتة ولكن على الطريقة ‘الهندية’، وهذه واحدة من الطرق الواقية من التكدير والصدام المباشر مع السلطة، ففي الأفلام الهندية يتولى البطل مهمة إنقاذ البطلة من الأوغاد ومجابهة القوى الغاشمة ويظل في معارك ومطاردات على مدى ثلاث ساعات كاملة، وفي النهاية تتوه البطلة ويظل للبطل شقيق توأم ويتحد الاثنان على الخير والمقاومة والعمل الفدائي الفردي وهكذا ينتصر الخير على الشر وتتوافر مكونات الطبخة الفنية الدرامية الهندية بمذاقها الخاص ويخرج المشاهد ‘مبسوط ومنشكح’ بعد عملية تخدير استمرت زمنا طويلا نسي خلاله كل مشكلاته وعاش الوهم اللذيذ مقابل ثمن التذكرة، هذه هي الوصفة الهندية السينمائية التي قدمتها السينما المصرية في فيلم ‘الرجل الغامض بسلامته’ فضلة خير السيناريست بلال فضل والمخرج محسن أحمد، فالأول صانع البهجة وموقظ العقل الجمعي من غفوته باستشعار الخطر عن بعد والتنبيه للفساد القابع خلف المكاتب الرسمية في المؤسسات الحكومية الكبرى، فالهدف هنا مزدوج تقديم الكوميديا في قالب سياسي عميق، ولا مانع بالمرة من كشف فساد المعارضة لاستكمال الإفيه وخلق خط مواز لكيلا يكون الكلام عن الفساد موجها للحكومة فقط، لاسيما ان الذين ينادون بالتغيير يخلعون ملابسهم ويدبجون الخطب الرنانة داخل أحزابهم وهم عرايا إلا من ملابسهم الداخلية فتلك هي الهيئة اللائقة بهم والصورة الكاريكاتورية الساخرة هي صورتهم الراهنة فلا فرق بينهم وبين حكومتهم غير السعي الى التغيير وخلع الملابس، حول هذه النقطة المحورية تدور الأحداث وتتخلق المواقف او تختلق ونبقى طوال مدة الفيلم نتابع مسيرة ‘الرجل الغامض’ هاني رمزي ونشهد تحولاته من موظف شريف يرفض التواطؤ والتستر على الفساد ومشتقاته من رشاوى واختلاسات الى شخص عاطل عن العمل مهزوم شهواني يتعقب الفتيات والسيدات في الشوارع والفنادق الكبرى والمدن الساحلية ـ السياحية ويدمن الكذب ويأكل البسكويت على السلالم في مدخل العمارة، غير أنه أي السيد هاني رمزي أو ‘راضي’ أو ‘عبد الراضي’ وكلها أسماؤه وانتحالاته يخترق دوائر رجال الأعمال متكئا على بلاهته وتطفله فيصل بصنعة لطافة إلى شخصيات اقتصادية وسياسية مهمة وتربطه على هذه الخلفية علاقة عاطفية ـ انتهازية بالبطلة نيللي كريم ويلتقيان في شرم الشيخ لنرى عادة البطل كما هي لا تتغير، حيث يقتفي أثر السائحات العاريات على حمام السباحة وهو لا يزال يعيش حالة من الجوع الجنسي، حتى انه يحمل في حقيبته صورا لفتيات ‘البلاي بوي’ يخرجها سهوا بدلا من أوراق البيزنس كلما التقى بمسؤول أو وزير كأن السيناريست لم يجد طريقة لتفجير الضحك والكوميديا غير تلك الطريقة القديمة الساذجة، وإن دل ذلك على شيء إنما يدل على الهواء الدرامي والكوميدي في السيناريو، حيث الرغبة في أن يقول الكاتب كل شيء في عمل واحد بدون وجود رابط بين الحدث والإسقاط غالبا ما تؤدي إلى فراغ، فراغ من المعنى والمضمون والشكل ولا تفلح حينئذ حيل الفهلوة والتذاكي وخفة الظل وإقحام الإفيهات الجنسية وحشرها المستمر في قاموس البطل ‘راضي، عبدالراضي، عبدالمرضي، الموظف بشركة ‘الألبان’، الطبيعية والصناعية والمبسترة والشاملة كل الأنواع المقوية والمغذية والمرطبة!

في تقديري أن تعدد المحاور وتشتيت الحدث وغياب المنطق أعجز المخرج محسن أحمد عن التأثير الكوميدي واضطره الى تعويض الكوميديا بالصورة السياحية المبهرة بوصفه مصورا محترفا قبل أن يكون مخرجاً، فقد أتحفنا بمجموعة لوحات طبيعية تنوعت بتنوع المشاهد ما بين المناظر الخلابة والمايوهات الساخنة للحسناوات الشقراوات وهذه ميزة فنية تجب ما قبلها لو تم التعامل مع الفيلم في نفس السياق السياحي التجاري، واعتقد ان تلك كانت رؤية السيناريست والمخرج وجهة الانتاج بعيدا عن المزايدات السياسية والادعاء المضحك بنقد أكبر رأس في الحكومة طبقا لما جاء في مشهد رئيس الوزراء حسن حسني الذي أخذ يلهو مع الموظف الشهواني في مكتبه بالصور العارية في إشارة لتوجيه نيران السخرية إليه وعدم استثناء رموز حكومة الحزب الحاكم من الهجوم وهي المراوغة التي ظل يمارسها بلال فضل طوال الأحداث فقد مسك بالعصا من المنتصف من أول مشهد الى آخر مشهد، وحرص على أن يقوم بالدورين ويرتدي القناعين، فتارة معارض يوجه لكمات سريعة للنظام، وتارة أخرى ينقلب على المعارضة ويوجعها لطماً وسخرية متصورا أنه يقف بذلك في المنطقة المحايدة أو بمعنى أدق المنطقة الآمنة.

وهو يعلم تماما ان الحياد لا يجوز في الإبداع طالما ان المبدع اختار لنفسه طريقا ومنهجا ودخل بمحض إرادته حقل الألغام وارتضى ان يكون في المواجهة، لا سيما ان له آراء لا تخفى على أحد وهو مصنف بالضرورة من المعارضين مهما حاول المناورة للفصل بين ما يقوله في السينما وما يكتبه في الصحف، حتى وإن كانت السينما هي نقطة الضعف بوصفها باتت عملا أساسيا تقوم عليه حياته، المهم ان تكون هناك حدود للعب مع الكبار لا يتنازل معها المثقف عن ثوابته ولا يخضع لشروط اللعبة كلها حتى وإن استلزم الأمر الخروج من ‘التراك’ نهائيا، نعود لـ’الرجل الغامض بسلامته’ والمأخوذ عنوانه من الأغنية الشهيرة للشاعر الكبير صلاح جاهين، تلك التي غنتها سعاد حسني أمام حسين فهمي في فيلم ‘خلي بالك من زوزو’، وهو الالتقاط الذكي من بلال الذي قدم تنويعاته الدرامية على مقطع من الأغنية مستغلا خلودها الفني وبقاءها في أذهان الجماهير مرتبطة بالثلاثي جاهين وسعاد وفهمي وما خلفوه من أثر إيجابي يجدر بأن يلعب دورا في إنجاح فيلم آخر بنفس الاسم وإن اختلف المكان والزمان والأشخاص والموضوع، لكن شيئا ما سيبقى من عطر السندريلا وطعم الشعر بنكهة ومذاق صلاح جاهين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية