حال اعلان وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي ترشحه للانتخابات الرئاسية المرتقبة في مصر، انطلقت الكرنفالات في القنوات التلفزية المصرية، تؤدي التحية العسكرية للمشير، وتفنن اعلاميون في استدعاء المرجعيات المصرية المختلفة للتهليل بالقادم الجديد، منقذ البلاد والعباد وقاهر الظلام والمحارب الهمام وفاتن النساء ومحبوب الجماهير وحفيد ناصر والسادات وسليل الفراعنة وابن الشعب والمتدين الورع المواضب على صلاته في اوقاتها. وظهرت صورة السيسي يرد التحية باحسن منها شعارا على شاشة احدى قنوات الارتزاق الاعلامي، مع انغام مصاحبة بعنوان ‘تسلم الايادي’ و’بكرة السيسي رئيسي’. فعلا رئيس مصر القادم هو عبد الفتاح السيسي، اذ تبدو الطريق سالكة امام المشير ليكون رابع عسكري يسكن ‘قصر الاتحادية’ بفضل آلة اعلامية حكومية خاصة قادها حملة المباخر، صحافيون واعلاميون يبشرون بالرئيس الجديد ويوزعون عطاياه السخية على احلام شعب فقير يتوق الى الخبز والحرية والكرامة.
لقد قطع الاعلام المصري خطوات مهمة في اتجاه حسم نتائج الاستحقاق الانتخابي المنتظر في البلاد لصالح العسكري عبد الفتاح السيسي امام المرشح اليساري حمدين صباحي، ولعبت الفضائيات دورا حاسما في تهيئة اسباب النجاح لتكون ورقة المشير هي الغالبة في صندوق الاقتراع اواخر مايو/ايار الجاري، عبر خطاب اعلامي لم يكن أمينا في نقل الوقائع، ولم يراع معايير العمل المهني قبل واثناء الحملة الانتخابية التي تقتضي الالتزام بقواعد الحياد والانصاف والنزاهة.
بعد سقوط نظام مبارك لم تنجح القوى الثورية والمنظمات المهنية ولا حتى الحكومة المنبثقة عن الانتخابات في استثمار اللحظة التاريخية التي اتاحتها الثورة واطلاق مشروع للاصلاح الاعلامي، وفق مقاربة تحصنه من التدخل الحكومي وتحميه من الخضوع لاصحاب المصالح المالية والسياسية.
وبقيت المنظومة الاعلامية على حالها حتى احتد بها الاستقطاب السياسي ودخلت مرحلة ما بعد 30 يونيو/حزيران 2013 وقد استفحل بها هذا الداء وانتشر في كامل جسدها، مما ادى الى عمليات استئصال لكل صوت اعلامي يساند الاخوان، اجراها الفريق السياسي الغالب الذي يقود المرحلة الانتقالية الان في مصر. وتشكل تدريجيا مشهد احادي يتكلم بلغة واحدة وينتصر لرأي واحد، من خلال مواد اعلامية دعائية غابت فيها ابسط قواعد المهنية وسيطرت فيها برامج ‘المرشد السياسي’ او ما يعرف ببرامج ‘المذيع الخطيب قائد الرأي’ وهو المذيع المتبصر، الحكيم، العارف الذي يهدي الناس سبيل الرشاد في شؤون الدنيا. ويؤشر تعدد هذا الشكل الاعلامي في الفضائيات المصرية، الذي لا نجد له مثيلا في كل دول العالم، الى بنية تنظيمية موجهة للمشهد الاعلامي تهدف الى ترسيخ فكرة ما لدى المتلقي وهي في الحالة المصرية: عبد الفتاح السيسي رئيس مصر القادم. ورغم التراجع عن تلميع صورة المشير وترديد خصاله المحمودة بصورة صريحة في فترة الحملة الانتخابية او الدعاية الانتخابية، كما يطلق عليها في مصر، فان السيسي سيكون رئيس مصر القادم.. والدليل عندما تدخل رئيس تحرير في احدى القنوات التلفزية الخاصة لحذف سؤال طرح على المشير في حوار خاص بمناسبة الحملة الانتخابية وكان السؤال المحذوف: ‘هل تنوي مواصلة العمل السياسي في حال هزيمتك في الانتخابات القادمة’. فرضية هزيمة عبد الفتاح السيسي وانتصار حمدين صباحي غير مطروحة في ذهن حملة المباخر، لذلك كان السؤال بلا معنى مثله مثل الانتخابات المنتظرة في مصر اواخر مايو الجاري.
‘ صحافي من تونس
ثامر الزغلامي