برنامج الجزيرة: ‘من واشنطن’.. ما الفرق بين بلير وعمرو موسى؟

حجم الخط
0

عبد الستار العياري على هامش انعقاد القمة العالمية لمكافحة الفقر في جلستها الـ65 التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك تحت عنوان (بإمكاننا إنهاء الفقر)، استضاف برنامج ‘من واشنطن’ الذي تبثه قناة ‘الجزيرة’ كلا من توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق ومهندس تدمير العراق، والسيد عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية و(الناطق الرسمي باسم قادة بعض دول هذه الجامعة ‘الموقرة’….) والسيد اكمال الدين إحسان أوغلو أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي، التي لا علم لي شخصيا بما يقوم به أعضاء هذه المنظمة ‘العتيدة’ الحاضرة في المشهد السياسي الدولي بالغياب شبه الكلي، أو تدخلاتها المحتشمة حتى في قضايا تهم الدين الإسلامي كمحاولات حرق القرآن الكريم ومن قبل تدنيسه في أكثر من مكان على غرار العراق وسجن غوانتنامو… وتهويد المقدسات الإسلامية والاعتداءات المتكررة على نبينا الكريم عبر الرسوم الكاريكاتورية من معتوهين غربيين تحركهم جهات صهيونية بـ’الروموت كونترول’ وينفذون أكبر حملة على الدين الإسلامي ومعتنقيه واعتبارهم إرهابيين، في الوقت الذي يمارسون هم فيه أبشع أنواع الإرهاب المقنن والمنظم…. توني بلير مبعوث الرباعية للشرق الأوسط وثاني منفذي تدمير بلد الحضارات العراق، الذي علّم أجداد أجداده معنى قيم الإنسانية ومعاني الحضارة، لم تختلف أجوبته عن أسئلة عبد الحليم مقدم البرنامج، فقرا، عما نفذه منذ سنوات وأقنع معظم قادة أوروبا بضرورة الحرب على العراق وتسبب في قتل قرابة مليون عراقي بريئين لا ذنب لهم سوى أنهم ابناء أرض النفط والخيرات ومطمع القاتل ومجرم الحرب جورج بوش الابن الذي رحل غير مأسوف عليه، تاركا وراءه ارثا ثقيلا من النكبات والأزمات لكل بلدان العالم، بما فيها بلاد العم سام التي تتخبط في مستنقع شر أعمال قادة الحروب وتجار السلاح والموت.

وحمّل توني بلير مسؤولية ما يجري في العراق إلى جهات يدعيها إرهابية وإلى التدخلات الخارجية، مثل إيران، التي فتحوا لها الباب وطلبوا منها عدم الدخول (وهي قمة الغباء السياسي) وقال بوقاحة: ‘قتلنا من العراقيين أقل مما قتل صدام حسين، وكأنهم (هو وأمثاله) يتسابقون نحوى تحقيق ‘قمة مجد القتل’ هذا أولا. وحمّل كذلك الحركات الجهادية، ضد ظلمهم وطغيانهم، عبء فشل العراق في استعادة عافيته (بل نغصوا عليهم أن يهنأوا باحتلالهم) واعتبر بكل وقاحة أنهم حرروا الشعب العراقي من عبودية الشهيد صدام حسين الرئيس السابق وتناسى اعترافه السابق أمام لجنة تحقيق غزو العراق في بلاده بأن الهدف ليس منع بلاد الرافدين من استخدام أسلحة كيماوية فتاكة روج لها قبل الحرب وسخر لها كل الجهود والمال في قارته العجوز بسياستهم وفي العالم بما فيه بلاد العرب… وكان خطأ فادحا… كلفهم الكثير لكنهم دمروا بلدا بأكمله، وتعلل بديمقراطية العراقيين، وحرية اختيارهم لقادة يبدو أن السيد بلير غائب عن بلاد العلم والحضارة وما حصل ويحصل فيها من اقتتال طائفي وشعب منهك بلا حكومة… عندما توجهوا إلى صناديق اقتراع فئوية وهمية صنيعة أمريكية و’بليرية’، وكأن الشعب العراقي يعيش الآن في جنة حقوق الإنسان والحياة الكريمة… كما حمّل من جهة اخرى حركات المقاومة الفلسطينية مسؤولية فشل العملية السياسية في فلسطين المحتلة، وذكر تصفية حماس لأربعة مواطنين إسرائيليين تزامنا مع خطاب باراك أوباما الذي دعا فيه إلى تحقيق السلام في الشرق الأوسط وإنشاء دولتين واحدة لليهود وأخرى للفلسطينيين… وتجاهل ما قامت به دولة المرتزقة التي أنشأها أجداده بوعد ‘بلفور الجريمة التاريخية في أرض المعراج… واعتبر نفسه هو من توصل إلى إدخال أكثر من ثلثي المنتجات الممنوعة من الدخول للقطاع المحاصر… لـــــقد ساق قـــــائد الحرب على العراق وأفغانستان ومن بارك العدوان على لبنان وسير شحنات السلاح الأمريكية من بريطانيا لإسرائيل لقــتل الشعب اللبناني لتحقيق أمن دولة التمييز العنصري التي زرعوها كالجرثومة في الجسم العربي المنهك بسياسة قادته وامبرياليتهم وبعد ذلك الهجوم النازي والفاشي على قطاع غزة، ولم يدن المجازر… إنها مبررات أقبح من أفظع الجرائم والتهرب من مسؤولية الفشل لطمس حقائق تلك المجازر والانتهاكات، وبشرنا بسلام في الشرق الأوسط عبر مفاوضات لم ولن تقدم أو تؤخر في الوضع القاتم… في الوقت الذي يصرح فيه المستوطن ليبرمان وزير خارجية حكومة العدو الصهيوني بعدم التوصل إلى سلام مع الفلسطينيين لعقود أخرى… فهل يستطيع توني بلير الرد عليه (المتطرف ليبرمان) لم ولن يستطيع ذلك.

بعد اللقاء مع توني بلير حل ضيفا السيد عمرو موسى وزير خارجية مصر الأسبق وأمين عام جامعة الدول العربية وظل كعادته يجانب الحقائق… (ونحن نقدر له ذلك أحيانا) ولم يقدر على ملامسة الواقع والوقائع حتى أنه لم يستطع تسمية أمريكا وإسرائيل بالاسم… وهذا مثلا غير مبرر في ظل وضوح الغايات والأهداف السياسية للطرفين، صحيح أن عمرو موسى شخصية دبلوماسية ذكية ونشيطة وتحظى باحترام قسم كبير من الشعوب العربية… لكنه أمام عجزه على بلورة استقلال مواقفه ومواقف هذا الهيكل الكرتوني العربي، الذي كما قلت سابقا في مقالات حوله وعلى صفحات هذه الصحيفة الموقرة، انها جامعة بعض الدول كمصر، وليست قادرة على الخروج من هذا العنوان… وما دفاع السيد عمرو موسى المستميت عن دور سياسة الحكومة المصرية واعتبارها محورية وجوهرية في كل مرة في حل القضايا العربية، بما يرضي شعوبنا وأصحاب الحقوق، إلا شهادة على ما قلنا لأن الجميع في الوطن العربي حتى المواطنين العاديين على قناعة بانحياز النظام المصري وفقدانه لموقعه سوى على رأس الشعب المصري، كما في التحركات الدولية وتعاونه مع أطراف لا رغبة لها في محاربة العدو الإسرائيلي مثل سمير جعجع، الذي استدعته لزيارة القاهرة دون الزعماء الكبار الآخرين من الطوائف اللبنانية الأخرى ذات الوزن في البرلمان اللبــــناني والشعبي… ونحن نعلم علاقة جعجع المتوترة مع حركات المقاومة، وتاريخــــه حسب الوقائع والأحداث التاريخية كقتله لرشيد كرامي رئيس لبنان الأسبق وخروجه من السجن بعفو… وليس هذا هو الموضوع الآن.

كما تطرق عمرو موسى (ونحن نعرف نواياه الحقيقية الصادقة) إلى علاقة الدول العربية مع إيران ولم يقدر على الدعوة مباشرة إلى الحوار معها وعدم التصادم معها كما أقر في القمة العربية الماضية… وما زاد من غضب ربما كل من استمع له هو تمسكه بالمبادرة العربية التي أقرت ببيروت منذ خمس سنوات أو أكثر واعتبرها الإجماع العربي، في الوقت الذي أقبرتها (المبادرة العربية) إسرائيل واستهزأوا منها، ولم تعرها كل حكومات تل أبيب أي اهتمام. لكن معظم العرب يبدو أنهم تعودوا على شم الرائحة النتنة والكريهة في سياساتهم، الشيء الذي جعلهم يتمتعون بحماية من عفن وانحلال ‘جيفة تلك المبادرة المذلة’ التي أصبحت حصان طروادة بالنسبة لهم وليس لهم بديل عنها حتى بعد كل الذي فعلته إسرائيل من جرائم وحروب وقتل وتنكيل، لم يسحبوا ‘الجثة’ ولم يلقوا بها في الملعب الدولي المتخاذل، فالسيد عمر موسى رفـــــض كذلك أي ضربة عســكرية للمنشآت الإيرانية ولكنه لم يقر بالإجماع العربي حول الموضوع بل قال ‘الجامعة العربية بممثليها ترفض ذلك ‘وهذا كلام سياسي للاستهلاك العام لكننا نعلم جيدا بمواقف كل الدول العربية من ذلك… ومن هم مع ضرب إيران ومن منهم ضد ذلك فهو لم يعد خافيا… وهذه الدبلوماسية من موقع الجامعة العربية لا يخدم الوضع العربي ولا يؤسس لدور فاعل لدول عربية مهمة حاضرة إما بالغياب أو بالدور السلبي في قضايا مهمة مثل العراق ولبنان وفلسطين… فالجامعة العربية تم تهميش دورها في عدة قضايا، كما وصف تعامل إسرائيل مع برنامج السلام بغير ‘الواضح’ في الوقت الذي لا تملك فيه حكومة نتنياهو أي نظرة للسلام العربي الموهوم. واعتبر موسى الوضع في العراق في تحسن واستشهد بما ذكره توني بلير، وهو توجه الشعب العراقي للتصويت في الانتخابات… وكأن هذا يعد إنجازا مهما بحجم الحرب القذرة التي شنت على أرض الأنبياء والخلفاء في العراق، الذي تحول إلى كنتونات طائفية. أما اللقاء مع اكمال الدين إحسان أوغلو أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي حقيقة لم أفهمه شخصيا… فكلامه متقطع وجمله غير مكتملة وكلامه عام في المطلق وكله في نفس سياق التصريحات السياسية للجهات الرسمية العربية.. فنحن نقدر السيد أوغلو ونتفهم موقعه السياسي لكنه مطالب بوضع نقاط واضحة على قضايا يسودها الصمت والغموض فنحن اليوم بتنا في أمس الحاجة للصدح بالحقيقة وعدم اللف والدوران فالجملة الوحيدة المفهومة التي صدرت من إكمال الدين اوغلو هي الثناء على حكومة أوباما التي منعت معتوها من حرق القرآن الكريم وكأنه إنجاز عظيم يجب أن نسند لأوباما وسام ‘القرآن’ بعد ‘وسام السلام’ في الوقت الذي لو فكر اي عربي مجرد تفكير في حرق الإنجيل سيحرق (هو) وكل من خلفوه من طرف حاكمه. وستقوم الدنيا ولم تقعد.

فيا رب متى تتغير لغة سياسيينا عن لغة توني بلير وأمثاله فيما يخص قضايانا.

إعلامي تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية