إن الدولة تشـابهت علـينا!

حجم الخط
0

بدا جليا أن التقويم الحضاري والتقويم الزماني ليسا بالضروة متزامنين، فثمة مجتمعات تعيش في القرن الواحد والعشرين لكن تقويمها الحضاري والثقافي لم يتخط مرحلة ما قبل الدولة وما قبل الكهرباء. في المقابل تجتهد مجتمعات لاجتراح آفاق مستقبلية تعدت مرحلة الخيال الى حيز التشغيل.
ولنبتعد قليلا عن التجريد ونضع الامثلة الحية كنماذج للفهم. لازال المجتمع العربي بتنظيماته وقبائله يعيش ويحيا في مرحلة ما قبل الدولة، رغم الثرثرة والتبشير بحقبة ما بعد الحداثة وبعد الدولة، بل انها لم تجد حرجا في القفز على المراحل، والوصل بين مراحل متباعدة ومتنافرة لا تقبلها اي كيمياء حضارية او ثقافية!

شبه الدولة هو نقيضها

بعد مرور اكثر من قرن من الخروج عن التبعية للامبراطورية العثمانية لم تولد الدولة بعد. وفي الحالة المصرية وبعد مرور قرنين من الخروج عن تبعية امبراطورية آل عثمان على يد محمد علي 1805، وهي اول قطر عربي عرف فكرة الاستقلال الوطني في العصر الحديث، لازالت فكرة الدولة مشوشة وأشبه بالجنين المشوه بعناصر لا تملك بين جنباتها اي تفاعل منطقي بعد.
فمصر (والعرب اجمع) لم تعرف فكرة الدولة، فعلى مر التاريخ كانت عبارة عن ولاية ضمن الامبراطورية (الرومانية والعباسية والعثمانية) حتى الدولة المملوكية لم تكن دولة، ومحمد علي أنشأ إمارة ولم ينشئ دولة، والامارة خاضعة لطموح الامير، فأقانيم الدولة الثلاثة الاقليم والشعب والدستور كانت في ذمة الحاكم؛ وبعد ثورة 1919 لم تكن هنالك دولة، بل كانت هناك حكومة وطنية، والحكومة فكرة وليس مؤسسة في ذاتها؛ وبعد انقلاب يوليو 1952 لم ينشئ الضباط الاحرار دولة لكنهم أنشأوا نظاما، ومن بعدهم السادات ومبارك أسسا قرية وعزبة وأسرة.
فحالة ما قبل الدولة التي نحياها الان ليست ‘حالة الطبيعة’، اي ما قبل الاجتماع، التي وصفها جون لوك بأنها بيئة او حياة الفطرة، حيث الحرية المطلقة للافراد في التملك والبقاء، التي أنتجت بالضرورة الاجتماع والجماعات والحكومات؛ بل هي وصف لمرحلة خارجة عن أي تصنيف او تقويم حضارى معلوم، لانها مطرودة من التاريخ وبالتبعية فهي عبء على الجغرافيا. ولكن هل الامر مجرد مأساة لغياب الدولة المؤسَسة؟ ام أن لامر له تداعيات أعمق في البنية الاجتماعية والمجتمعية؟

لا دولة من دون هوية

بعد عقود من البدونة والترييف استطاع سوس الانحــطاط أن ينخر في العمود الفقري للجماعة الوطنية المصرية، فقــــد أصبحت الكيمياء الوطنــــية، التي تفرز الهوية الوطنـــية الجامعة بوصفها سردية وطنية (ناراتيف) عرضـــة هـــي الاخرى للتفكيك؛ ليس بالمعنى الفلسفي عند جاك داريدا مثلا ولكن بالمعنى الظلامي والعبثي في حياة الامم.
لقد تميزت مصر عن بقية الاقطار العربية ان تُشكّل سيرتها الوطنية بعد الانفلات من ولاية الامبراطورية العثمانية؛ كان لثورة 1919 وللطبقة المتوسطة التي نشأت حينذاك والتي سميت بالافندية، في بلورة النسيج الوطني العام وادرك المجتمع سريعا عناصر الهوية (اللغة والثقافة والدين السماوي) وتشكل الخيال والمصير المشترك. وشهدت تلك الفترة تنويرا حقيقيا امتد منذ الخديوي اسماعيل- استطاع ان ينقل المجتمع وافراده خطوة نحو الاجتماع المدني الحديث، ولازال بعض من التنوير قابعا في اللاوعي الجمعي واستطاع ان يقف كحائط ضدالبدونة والعشوائية والطائفية التي حاربت المجتمع طيلة ستة عقود، لكن الى متى؟
داخل معامل التاريخ ظهر لنا أنه لا يمكن الحديث عن دولة المواطنة داخل القطر الواحد- خاصة بعد تجارب العقود الستة المنصرمة- من دون وجود هوية عربية جامعة، وان الحديث عن فرعونية او بابلية او فينيقية جديدة كان نوعا من الهراء وأنتج نوعا من الاثنيات العشائرية؛ فخارج اللغة والثقافة والدين لا توجد هوية، فاللغة والتاريخ والمصير المشترك كلها ادوات افراد المجتمع وجماعته نحو المستقبل. اذن فالهويات المشتركة الموجودة داخل المجتمع الواحد هي سبيل الخلاص نحو دولة المواطنة؛ لكن تظل تلك الهويات ممنوعة من الصرف بل حريات وبلا ديمقراطية؛ وعليه فغياب الحريات والديمقراطية كان كفيلا بأن ينحدر المجتمع نحو اللادولة وتصبح الطائفية العشائرية او القبائلية هي منتهى الانتماء ومَقصِد الاجتماع. ما أود قوله ان الاستبداد كان حليفا قويا لظهر اللادولة؛ واستمرار اللادولة هو مبرر الاستبداد بدواعي الامن والدين والهوية.

النظام مقابل الدولة

تبدو على الساحة الاجتماعية والثقافية في مصر مشاهد سوريالية تولتها مسارح السياسة بعد أن قرر الادب والفن التزام الحيطة والنأي عن تقديم فنون سوريالية تفضح واقع الحفلات التنكرية الصاخبة الان؛ أحد تلك المشاهد هو شيزوفرينيا الربط بين ‘الجمهورية الثانية’ كمطلب ثوري ونهضوي وبين الحنين الى ‘الناصرية’.
الجمهورية الثانية المنشودة بالفطرة تعني نسخ ونفي جمهورية الجنرالات الاولى؛ لكن مرشحين رئاسيين يتباريان في حمل إرث الناصرية كواجهة سياسية وتسويقية امام الجماهير، وأنصار المرشحين يتنافسان في تلبيس مرشحيهما ملابس عبدالناصر في الــوقت الذين يبشرون فيه بالجمهورية الثانية وحقبة جديدة نحو التنوير والحداثة. وبالجمع بين التناقضين هذين فنحن إزاء خيمياء وليس كيمياء، تتفاعل عناصرها بشيء من الشعوذة والدجل لانها عناصر لا يمكن أن تتفاعل في معامل المنطق والاستحقاقات.
ها هي النظم المستبدة تعيد إنتاج طغيانها القديم والمستديم من خلال هذه الزمر التي تدعي مقاتلتها باسم مكافحة الارهاب الشعبوي، كأنما لم يعد للمجتمع الذي كان ثائرا سوى الخيار بين استبداد الطغيان السياسي القائم أو استبداد الارهاب الصاعد. لكن التجارب المريرة أبصرت من يهمهم الامر أن الاستبداد لا يستطيع التحليق بدون جناحيه الامني والديني معا؛ وما يترأى على الساحة من مكافحة الارهاب، فان تلك النظم هي من انتجت وفرخت الارهاب ورواده وتحالفت معهم في صفقة التعايش المزدوج بينهم على روح وجسد الدولة؛ لكنهم تعاركوا عند توزيع الحصص.
النظم المستبدة التي تملأ فراغاتها بتعبئة شعبوية تحت مسمى الحرب ضد الارهاب من اجل ذر الرماد في العيون رغم كل ذلك لا تنوي وربما لا تقدر على محو خصومها الارهابيين عند الصراع – فهي تتعامل معهم كالفحم، تخمد ناره ولهبه فقط لكن مادته الخام قيد الحياة في انتظار شرر جديد تقضيها مصلحة وتحالف جديد. ألم يكن يكفي ترك حوامل الارهاب الديني لعوامل التعرية الاجتماعية والثقافية فهي كفيلة لاذابة قدراتهم الاشتعالية؟ لكنها لعبة التسويق وصنع الازمة والضرورة لدى الجماهير.

‘ كاتب مصري

أحمد إسكنـدر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية