من له مصلحة في اسقاط النظام السوري؟

حجم الخط
5

حين اندلعت الثورة الشعبية في سوريا، بدا أن مروحة واسعة من القوى لها مصلحة مؤكدة في إسقاط نظام الأسد. فهذا الكيان المنغلق الذي جثم على صدور السوريين وشعوب الدول المجاورة طوال واحد وأربعين عاماً، لم يعد مقبولاً وفقد كل مبررات وجوده في عصر ما بعد الحرب الباردة، وبات عقبة أمام انفتاح التاريخ الوطني نحو آفاق من التطور الاقتصادي الاجتماعي الثقافي. وإذا كانت مشروعيته الشكلية سقطت منذ لحظة التوريث عام 2000، فقد كان على السوريين انتظار انطلاق ثورات الربيع العربي لينضموا إلى قطار التغيير.
هذه اللوحة المتفائلة لم تستمر طويلاً. فقبل اكتمال العام الأول للثورة، كانت منظمة القاعدة قد تسللت إلى بعض المناطق تحت يافطة جبهة النصرة، إضافة إلى منظمات سلفية جهادية أخرى تنتمي إلى البيئة الفكرية ذاتها من غير أن تعلن مبايعتها للمنظمة العالمية كحال حركة أحرار الشام وغيرها من المجموعات المسلحة. ومع ظهور منظمة ‘الدولة الإسلامية في العراق والشام’ بلغت العدمية ذروتها فنسي الناس شعار إسقاط النظام وأخذوا يواجهون الخطر الجديد المتمثل بدكتاتورية دموية بدائية لا تحمل أي هم وطني ولا هي مندرجة أصلاً في التاريخ المعاصر.
بين ظهور النصرة والحرب على داعش، كثر ظهور مجموعات مسلحة بقيادة أمراء حرب يكدسون السلاح والأموال ويفرضون سلطتهم على السكان من غير أي مساهمة تذكر في زيادة مساحة المناطق المحررة أو في العمل على إسقاط النظام. بدا أن تلك المجموعات، إضافة إلى المجموعات الجهادية، مستعدة للتعايش مع بقاء النظام داخل الحدود السورية بعدما تم تقطيع أوصال الأرض بين قوى متناحرة تشكل قوات النظام إحداها وحسب.
لا مصلحة اليوم لأمراء الحرب في إسقاط النظام والانتقال إلى اليوم التالي واستحقاقاته الوطنية. لديهم اليوم ‘عمل’ يقومون به، سلطة يدافعون عنها وثروات يراكمونها. في اليوم التالي سيطلب منهم تسليم الأرض والسلاح والخضوع للقانون. أي سيتحولون إلى عاطلين عن العمل أو محكومين في السجون بعد مصادرة أموالهم وممتلكاتهم غير المشروعة.
الجهاديون، سوريين كانوا أم أجانب، لهم وضع يختلف في بعض الحيثيات. هم اليوم متعايشون، داخل الحدود السورية السيالة، مع بقاء النظام إلى أجل غير محدد. في حين أن إسقاط النظام وقيام حكومة وطنية جديدة سيضعهم في صراع وجودي معها. قد ينتقل المجاهدون الأجانب إلى مناطق أخرى من العالم، وربما يلتحق بهم قسم من الجهاديين السوريين الذين لن يجدوا في سوريا الجديدة وطناً ملائماً لتطلعاتهم الإيديولوجية. ولن يبقى أمام القسم المتبقي سوى تسليم السلاح والتخلي عن الأحلام العدمية والاندراج في الحياة الوطنية. لا مصلحة للجهاديين إذن في إسقاط النظام وقيام حكومة وطنية.
ماذا عن المعارضة السياسية؟ الواقع أن القوى السياسية المتقادمة التي تشكلت منها هذه المعارضة، حظت بفرصة ذهبية (الثورة) للقيام بدور سياسي كبير يجبُّ تاريخ عطالتها القسرية طوال عقود، لكنها أهدرتها بخفة من حجم الفرصة ذاتها، وباتت اليوم عبئاً على الثورة الوطنية بدلاً من أن تشكل عقلها أو ذراعها السياسية على الأقل.
تأخر هذه المعارضة في تشكيل إطار سياسي يجمعها، نحو ثمانية أشهر، كان نذير شؤم ستتضح أبعاده في الأشهر والسنوات التالية. حين تشكل المجلس الوطني السوري، تمتع بتفويض شعبي منحه زخماً كبيراً فشل في استثماره في إدارة معركته الدبلوماسية على المستوى الدولي. العيوب الجوهرية التي بني عليها المجلس فعلت فعلها ودفعته نحو الفشل. كان ‘المجلسيون’ يرون في مواقعهم مناصب مكتسبة يقاتلون دفاعاً عنها. انشغلوا بالسلطة ونسوا الثورة، انحصر تفكيرهم في الحفاظ على مواقعهم المكتسبة، اختزلوا الثورة في شعار إسقاط النظام ليحلوا محله، فلم يروا كل تعقيدات المشهد السوري ونسوا أنهم مفوضون من الشعب لإنجاز مهمة محددة. وحين تحجر فكرهم في قوالب تجاوزتها الثورة وباتوا عبئاً عليها وعلى الشركاء المفترضين في المجتمع الدولي، استبدلهم هؤلاء بإطار جديد هو ‘الائتلاف’ الذي شكلوا وزناً راجحاً فيه ونقلوا إليه كثيراً من أمراضهم.
المال السياسي الذي اتسع دوره، أثناء هذا الانتقال من المجلس إلى الائتلاف، مترافقاً مع ارتفاع منسوب تدويل المسألة السورية، أي نقل مصير سوريا من أيدي أبنائها إلى أيدي المجتمع الدولي بتناقضاته وصراعاته، لعب دوراً كبيراً في إفساد المعارضة وتحويلها إلى موقع مضاد للثورة. هناك معلومات متداولة حول حجم الأموال التي يتلقاها معارضون في الائتلاف والحكومة المؤقتة، تدفعنا إلى القول إن الأطر المكرسة دولياً للمعارضة لم يعد من مصلحتها في شيء سقوط النظام. هؤلاء المعارضون باتوا يدركون أنه لا مكان لهم في سوريا المستقبل، وأن بقاءهم في مناصبهم الحالية مرهون ببقاء النظام واستمرار الصراع بلا نهاية. وقد اتخذ البعض منهم احتياطاته فطلبوا اللجوء إلى البلدان الأوروبية ‘خشية’ حل سياسي ينهي الصراع العسكري.
ما يسمى بـ’معارضة الداخل’ ليست في حال أفضل، كما قد يوهم النقد أعلاه لـ’معارضة الخارج’. ففي خطها السياسي الذي ينظر بعين الود إلى نوع من الحل الوسط مع النظام، اكتفاء متواضع بمخرج وهمي ينهي الصراع ويبقي على النظام على أمل مشاركته في الحكم من موقع الشريك الصغير. الأمر الذي لا يتوافق مع هدف النظام وشركائه الإيرانيين القائم على سحق الثورة بما في ذلك ‘المعارضة المعتدلة’ التي تمثلها أطر من طراز هيئة التنسيق وتيار بناء الدولة.
لن يعود السوريون إلى بيت الطاعة الأسدي مهما تعاظمت التضحيات، بل بسبب ارتفاع التكلفة. هذا ما يشكل، برغم كل المعيقات المذكورة أعلاه، روح الثورة الوطنية السورية التي وحدها لها مصلحة أكيدة في إسقاط النظام وإقامة سوريا الجديدة. سيأتي حين تتلاقى فيه روح الثورة هذه مع إرادة دولية، تأخرت كثيراً، لإنهاء المأساة السورية. وحينها سيسقط مع النظام، أمراء الحرب والجهاديون والمعارضون الذين انتهى دورهم.

‘ كاتب سوري

بكر صدقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية