‘ميدان التحرير’ المصري في وسط بيروت: حضور باهت وحزين.. مُثقل بكل ما لا يُقال

حجم الخط
0

بيروت ـ ‘القدس العربي’:القارة السمراء كانت عنوان الدورة الرابعة من المهرجان الذي تقيمه ‘مؤسسة المورد الثقافي’ المصريّة وجمعية ‘شمس’ اللبنانية كل عامين، والتي تقام فعالياتها على مسرح ‘دوّار الشمس’ طوال شهر في بيروت- لبنان، انطلاقاً من 28 نيسان/ابريل وحتى 26 أيار/مايو، فعاليات تناولت القارة السمراء في ضوء تحوّلات الربيع العربي إن صحّ القول، وعلاقة بلدان هذا الربيع مع الآخر أينما كان في أفريقيا.
مصر نقطة الوصل بين القارة الأفريقية وقارة آسيا التي تحتضن العالم العربي، احتفلت هذا العام بالنسخة السادسة من المهرجان بالتزامن مع فعاليات الدورة اللبنانية الرابعة، وفي مصر تمّ توجيه التحيّة إلى المناضل السياسي والمدافع عن حقوق الإنسان الراحل نيلسون مانديلا (1918 ـ 2013).
أمّا بيروت فقد احتضنت على طريقتها ‘ميدان التحرير’ المصري، عبر مشاركة هبة خليفة بمجموعة لوحات فوتوغرافية، وهاني راشد بأعمال تجهيزيّة وفن غرافيتي اشتغل عليه هاني هنا في بيروت إضافات متنوّعة، وذلك ضمن فعاليّات ‘RED ZONE’ النرويجي الذي يُقام على هامش المهرجان.

اللعب في مساحة ‘الربيع العربي’

يختار كل من هاني راشد وهبة خليفة تقديم رؤيتهم الفنية عمّا شهده ميدان التحرير المصري في ثورة (25 يناير/كانون الثاني 2011) التي قادها حراك الشباب المصري وليس الأحزاب السياسية التقليدية، حراك حمل أسماء متعددة مثل حركة شباب ‘6 أبريل’- ‘كلنا خالد سعيد’- حركة ‘كفاية’- حركة ‘شباب من أجل العدالة والحرية /هنغيّر’ وآخرون، والتي أطاحت بالرئيس حسني مبارك الذي حكم مصر منذ عام 1981.
إلاّ أن قواعد الزمن المُتغيّرة بسرعة ما بين مطالبات الشارع العربي بالتغيّر ومحاولات السلطات السياسية ضبط وإنهاء هذه المطالبات كان أن امتدّ تأثيرها إلى حقل التلقي الفني، كما السياسي، فاليوم لم يعد الجمهور العربي، خاصة الشباب يسمح بتكرار المقولة الثابتة، ولا هو مستعد لقبول حالات الجمود السلبي فكرياً أو فنياً. اليوم ربما تبدو ثورة (25 يناير/كانون الثاني 2011) شديدة البُعد، مُلتبسة التأثير في راهنيّة اللحظة التي تحكم مصر والعالم العربي.
اليوم يبحث جمهور الربيع العربي عن الذي لا يُقال، عن الذي تجاوزته نشرات الأخبار وعناوين الصحف، فكان أن شهدنا حضوراً خجولاً في يوم الافتتاح مساء (1 أيار/مايو) في صالة (STATION)، يمكن القول انّه انحصر على الأصدقاء. إذ قبل أيام فقط من افتتاح المعرض الذي ينقل بصريّاً أجواء ميدان التحرير في ثورة ربيعه، وعلى خلفيّة مؤثرات صوتية تعيد هتاف الشارع المصري آنذاك (الشعب يريد إسقاط النظام)، يدخل الجمهور ذلك العالم وهم مثقلون بما نقلته الأخبار قبل ساعات من قرار السلطات القضائية المصرية إحالة أوراق 683 مواطنا مصريا، من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، إلى مفتي جمهورية مصر العربية، وقرار المفتي لا يعلو على قرار القاضي الذي حكم بالإعدام.

الواقع اشد قسوة من الذي ثار عليهالكثيرون

ربما من هذه الزاوية ينظر البعض إلى أعمال المعرض، ربما من زاوية المُتعَب كما حدّثنا هاني راشد، ففي حين كانت أعماله التجهيزيّة تحكي عن شباب ورجال ونساء يهتفون للتغيّر، ويتصدوّن للرصاص بحماستهم، يرفضون يومهم ويحلمون بغد مُغاير، كان لواقع الربيع المصري كما هو اليوم أن يرخي بظلاله الثقيلة على المعرض، يقول هاني: (الناس اليوم مُتعبة، وخائفة، كان أحد أساتذتي من أوائل الذين شاركونا ثورة 25 يناير/كانون الثاني، اليوم لا يستطيع أستاذي نفسه، وهو ذو فضلٍ عليّ، أن يرى أنّنا نؤمن بحقنا كشعب أن يكون لديه خيارات أوسع وأكبر من حكم الأخوان أو حكم العسكر، يرى فقط أنّ الأمن والأمان هما الأولويّة القصوى اليوم).

اضطراب وفوضى وقلق على المستوى الفني

يُقدّم هاني راشد شخوصاً على هيئة قطع صغيرة، شخوصاً بلا ملامح مميّزة لوجوههم، مع إكسسوارات تعطي المكان هويته، الدبابة والشجرة وقطع الحجارة، استدارة التكوين الذي يتموضع فيه أولئك الشخوص، ويحيط بهم جدار امتلأ بعبارات الغرافيتي التي انتشرت في الشوارع المصرية منذ ثورة (25 يناير/كانون الثاني) وحتى الانتخابات الرئاسية المصريّة عام 2012، محاولاً من خلال ترتيب القطع الكرتونية الصغيرة، كما العبارات على الجدار، أن يرسم خطّاً زمنياً لتلك المرحلة من عمر مرحلة التغيّر السياسي في مصر.
وسع المساحة، وكثافة الشخصيات، وقلّة حضور الآليات الحربية ضمن المشهديّة التي يبنيها راشد تعطي للمكان هويته المميّزة، إذ وعلى الرغم من حضور خيط الدم، والدبابة والهيليكوبتر وعناصر الجيش إلاّ أنّه يبقى حضوراً لا يشي بحربٍ عسكرية كالتي تشهدها سوريا، أو كالتي عرفتها ليبيا. أمّا انتشار الشخوص في المساحة الدائرية التكوين فلا تقارب مسيرة تونس التي لم تعرف فن الاعتصام طويلاً، ولا أثمانه الباهظة أو توابعه الموجعة، ويبقى لباس الشخوص نساءً ورجالاً، وطبيعة تجسيدهم الذي يشي بالحركة من ركض أو هتاف أو حتى تعرّض للضرب يأسرهم في إطار المشهد المصري دونما اليمني الذي تميّز بالكثير ومن علاماته لباس رجاله الأبيض وقاتهم ولباس النساء الأسود.

ليس حاضرنا هذا بل نهاية الحكاية

يعلق راشد على موضوع الجدار الغرافيتي الذي يهب المعرض بصمته الأقوى: ‘كثير من جمهورنا في المعرض الذي أقمناه قبل فترة قصيرة في القاهرة، خاصة الشباب اليافعين تفاجئوا بالفنية التي يتضمنها الغرافيتي الذي عهدوه أسلوباً للتنديد السياسي، يومها خصصنا مساحة مماثلة وطلبنا من الحضور المشاركة وكتابة ما يرغبون، وكان تفاعلاً مميّزاً جداً’.
أمّا المصورة الصحفية هبة خليفة، التي تعمل مع صحيفة ‘الشروق’ المصرية منذ العام 2008 فقد اختارت تقديم مجموعة أقل من عشر صور فوتوغرافية، اشتغلت عليها بعد الطباعة من خلال إضافاتٍ فنية لتكسر الزمان والمكان، فكان كولاجا فنيا ينقل المشاهد في اللوحة الواحدة من معركة ‘كوبري قصر النيل’ يوم (28 يناير/كانون الثاني 2011) إلى زيارة العائلة المقدسة إلى مصر، وفي لوحة أخرى ينقلهم من صور المتظاهرين إلى العصر الفرعوني.
اضطراب الزمن الحاضر في أعمال خليفة يربط الأعمال باللحظة الراهنة، كما ملامح العنف الخفي التي تشي بها لوحة راشد التجهيزيّة. محاولة سرقة اللحظة الماضية وتثبيتها على الرغم من السرعة الفائقة التي تتبدّل بها الأمور حتى تكاد تمحي تلك اللحظة هو أمر مشترك بين الأسلوبين لخليفة وراشد، لكنها تبقى لحظة من الماضي لم يعد ممكن النظر إليها إلاّ في ضوء ‘إعادة النظر’ بها وتقييمها، لم يعد مقبولاً استحضارها كما هي للاكتفاء بما تقول، هذا الاكتفاء باستحضار الماضي، كان مقتل مشاركة هاني راشد، أمّا خليفة فأسئلة كثيرة تطرحها مشاركتها، أوّلها عن معنى الإدخالات التي قامت بها؟ لماذا الفرعوني؟ لماذا العائلة المقدسة؟ هذا إنْ تغاضينا عن الشق الجمالي إذ بدت هذه الإضافات دخيلة لونياً وتشكيلياً على عالم الصورة الفوتوغرافية الأصلي، امتصت من حكايتها ومن الضوء فيها ومن تفاصيل شخوصها ولحظتها المُصوّرة الكثيرة دون أن تبدو غاية إضافتها واضحة أو مفهومة.
اليوم نعيش واقعنا الذي بُنيّ وتأسسّ في تلك اللحظة، لكنه للأسف يبدو واقعاً أشد قسوّة من الذي ثار عليه الكثيرون، ففي المعرض بحث الجمهور عما لم يُقل صراحة، عن المخفي بين الصورتين لميدان التحرير وللإضافة الفجة، عن كلمات في جدار الغرافيتي تخبر عن الغد. وفي وسط القلق والفوضى والاضطراب الذي يفرضه الواقع الراهن يبحث الجميع عن أمل امتلكوه بكل يقين في ربيعهم العربي، ويرفضون حتى وسط كل ضبابيّة اليوم الحزينة التخلّي عنه. يقول راشد: ‘ليس حاضرنا هذا نهاية الحكاية’.

يارا بدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية