حين يكون للاستغلال ورثة وللنضال حصاد

حجم الخط
0

فيلما ‘الورثة’ المكسيكي و’صنع في لوس انجليس’ الاسبانيمحمود عبد الرحيمثمة ما يجمع الفيلمين التسجيليين ‘الورثة’ المكسيكي و’صنع في لوس انجليس’ الاسباني، الذي جرى بهما اختتام ‘مهرجان سينما اسبانيا وامريكا اللاتينية’ قبل ايام، يتمثل في تسليط الاضواء على الاستغلال للعمالة، وان ركز الاول على الاطفال وانتهاك براءتهم وتحميلهم ما لا يطيقون، والثاني على المهاجرين غير الشرعيين ونضالهم من اجل الحصول على الحد الادنى من حقوقهم. وقيمة هذين الفيلمين في الطرح القوي لقضية ملحة متكررة الحدوث، ويعاني منها كثيرون في الشرق والغرب، وتستدعي طوال الوقت دق الاجراس، للتحذير من اثارها الاجتماعية والنفسية الخطرة، خاصة ان هذا النوع من الاستغلال يتزايد يوما بعد اخر في ظل التوحش الرأسمالي وازدياد معدلات الفقر والبطالة وغياب النازع الاخلاقي الذي يحول ضد استغلال الانسان لاخيه الانسان.

اذا توقفنا عند فيلم ‘الورثة’ للمخرج المكسيكي ايجنيو بولجيفسكي نلحظ ان شريط الصوت يكاد لا يحمل شيئا اللهم فيما ندر، فالمخرج يركز طوال الوقت على الصورة، ولا يلجأ للحوار او حتى الموسيقى الا نادرا، ربما كان منطقه ان ‘الصورة بالف كلمة’، وعلينا ان نوليها كل الاهتمام، ولا نسمح لاي مؤثر او وسيط اخر ان يأخذ ولو مساحة محدودة من تركيزنا.

ونراه يرصد حركة الاطفال داخل الغابة او المزرعة، بكل تفاصيلها على مدار اليوم، من جمع فروع الاشجار وحملها، الى ملء اوعية الماء، مرورا ببذر وحصاد المزروعات المختلفة وطحن الحبوب وصناعة الخبز، وحتى الطوب والمنسوجات، وذلك في لقطات متنوعة الاحجام، وان كان يركز في لقطات ‘الكلوز اب’ كثيرا على الوجوه التى يبدو عليها علامات الانهاك والتعاسة، ويركز اكثر على حركة الاقدام، خاصة حين يبدو ان الطفل سيتعثر ويسقط من ثقل ما يحمل، او حين يغوص برجليه في الطين، وهي لقطة دالة تجسد وضعية الانحدار الانساني والحياة غير الادمية التي يعايشها هؤلاء الاطفال رغما عنهم، والتي تجعلهم قاب قوسين او ادنى من السقوط، او الانهيار بمعناه النفسي والمادي، بعد ان جرى اخراجهم من عالم الطفولة، حيث اللعب والمرح الى عالم الكبار بقسوته ومسؤولياته الثقال.

وهذه اللقطات كانت غالبا متبوعة بلقطة متوسطة او طويلة للطفل وهو يحمل فوق كتفيه وعائي ماء مربوطين بعصا وحبل، كما لو كان هذا الطفل يحمل صليب المه، الذي لم يكن له خيار فيه، ودونما ذنب.

ورغم سيطرة الاطفال على المشهد العام وحضورهم الكثيف باعمارهم التي تقل عن الخمس سنوات ولا تزيد عن الاثنتي عشرة سنة، الا ان المخرج من وقت لاخر، يظهرهم لنا بجوار ناضجين يقومون بنفس العمل او بما هو اقل منه جهدا، ليبرز بقوة فكرة الانتهاك لطفولتهم، وحجم المعاناة التى يتعرضون لها.

ويبدو حضور عجائز خائري القوة في الخلفية، ذا دلالة ايضا، كما لو كان الفيلم يريد ان يخبرنا ان الاحتياج المادي وعدم وجود من يرعى هؤلاء الاطفال، ربما لوفاة ابائهم او ما شابه، هو احد الدوافع على نزولهم للعمل قبل الاوان، او انهم ‘ورثة’ الشقاء وذات الاستغلال من ابائهم واجدادهم، وان مصيرهم سيصير كهؤلاء فقراء ومهمشين ومهملين، تم مص دمائهم والقاؤهم بلا رعاية ولا اهتمام في انتظار الموت.

وثمة مشهد يستدعي التوقف عنده، وهو تكديسهم في سيارة نقل، كما لو كانوا ماشية وليسوا بشرا، وامارات الاجهاد والوجوم تبدو على الجميع، فيما امرأة منهكة ترضع طفلها، وطفل اخر يتشبث بقدم من هو اكبر منه، والكل ينظر شاردا الى السماء، كمن ينظر للغد خوفا منه، او طمعا في ان يأتي الخلاص.

وحين يستعرض لنا المخرج المنزل الذي يقيم فيه الاطفال، نجد انه يكاد يشبه الحظيرة، فهم يعاشرون الدجاج والخنازير، ويعيشون حياة بدائية تستلزم منهم ان يواصلوا العمل بالليل للوفاء باحتياجاتهم المعيشية من طحن الحبوب الى صنع الخبز الى الغزل، فلا لعب ولا تعلم ولا شيء يذكر غير العمل والاستنزاف للقوة.

ووسط هذه الوضعية غير الانسانية، يريد ان يقول المخرج على ما يبدو ان هؤلاء، وان كان يبدو ان احاسيس الطفولة قد هجرتهم للدرجة التي صار بعضهم يردد وهو يعمل بعض اغاني الكبار عن الحب والهجران، من دون ان يعيها، وكنوع من الاستلاب العقلي، والتشوه الوجداني الذي يصل الى تقليد ممارسة مفردات وطقوس عوالم الكبار، فان لديهم حنينا خفيا للعودة الى طبيعتهم والاستمتاع بطفولتهم، وقد جسد ذلك من خلال لقطة الفتاة وهي تغزل، حيث صور المغزل بحركته السريعة، كما لو كان ارجوحة، فيما الفتاة شاردة تسرح بخيالها، على خلفية موسيقية راقصة.

بالاضافة الى تصوير احد الاطفال الاكبر سنا، وهو يصنع من بقايا الاخشاب لعبا واقنعة، ويبدو منتشيا وهو يقوم بدهانها، عكس ما يبدو عليه وهو يجمع الخضروات او يحمل الحجارة، ثم قيامه في لقطة اخرى هو وبقية الاطفال بارتدائها والرقص على موسيقى مرحة.

ويبدو الفيلم في طرحه واطاره الدلالي جيدا الى حد بعيد، وان تسبب غياب شريط الصوت الا فيما ندر، في تسرب الملل، خاصة مع المشاهد الطويلة ورصد تفاصيل غير ضرورية، كتتبع الاطفال في لقطات متشابهة او مكررة تستهلك مساحة زمنية مبالغا فيها، وهم يقومون بملء الماء مثلا، او جمع الاخشاب ونقلها، وحصد انواع مختلفة من الخضروات كالطماطم والفلفل وقصب السكر، او استعراض الغابة والسماء من زوايا مختلفة وفي توقيتات مختلفة، التي وان كانت تلعب دور الفواصل، وتقوم بوظيفة جمالية الا ان تكرارها بكثرة يزيد من طول الفيلم بغير داع، ويرهق المتلقي. ويجيء فيلم ‘صنع في لوس انجليس’ للمخرج الاسباني المودينا كاراسيدا ليلفت النظر الى فئة اخرى من المستغلين، في بقعة اخرى من العالم، او بالاحرى داخل الدولة العظمى الاكثر تطورا وحضارة، من خلال ثلاث مهاجرات من امريكا اللاتينية، يتعرضن للعمل في ظروف صعبة، ولا يحصلن على الحد الادنى لحقوقهن.

ويبدو ان المخرج اراد التأكيد على هذا المعنى من البداية، باستعراضه من وقت لاخر بالكاميرا، مظاهر الرفاه الامريكي من خلال الابنية الشاهقة والشوارع النظيفة وواجهات المحال البراقة وتمثال الحرية، فيما وراء هذا المظهر الخادع حقيقة شديدة البشاعة تتمثل في الاستغلال للبشر، وذلك في مقاربة تهكمية شديدة الدلالة، زاد عليها بالوقوف عند الرموز المسيحية المنتشرة هنا وهناك من ايقونات للمسيح ولمريم العذراء والصليب المدلى، ما يعني ان ما يحدث من انتهاك وتمييز مناقض لدعاوى مدنية كالعدالة ومناهضة الظلم والاستغلال، وحتى للمبادئ الدينية التى تدعو الى الاخاء والمساواة.

وقد سعى المخرج الى حشدنا نفسيا للتعاطف مع شخصياته الثلاث، بادخالنا الى عالمهن الخاص، وخلفية كل شخصية اجتماعيا ومعاناتها، والامال التي كانت تعلقها على الهجرة، والتي بدت سرابا، تحت وطأة الحقيقة المرة.

فاحداهن مكسيكية وتدعى ماريا تحكي كيف وصلت الى هنا مع زوجها وهي شابة مراهقة مفعمة بالاحلام، لتجد نفسها منكفئة حتى الساعة الواحدة صباحا على ماكينة الخياطة بمنزلها، بجسد مجهد ومشاعر محبطة، لتوفر بالكاد متطلبات ابنائها الثلاثة.

وقد حرص المخرج على ان يصحب هذه السيدة داخل المنزل وهي تعمل، وفي نفس الوقت تسرح شعر ابنتها، بينما الاخرون يلهون في ضجيج، ليقربنا من روتينها اليومي والضغط النفسي الذي تعانيه والمسؤوليات المزدوجة الواقعة فوق كاهلها.

بينما المرأة الثانية ميورا تسللت هربا عبر الحدود من السلفادور الى داخل امريكا، لتجد نفسها عاملة في محل ملابس تتقاضى سنتات محدودة، لانها بلا اوراق رسمية، فيما تركت وراءها ابناءها وابا واما مريضين.

ويتركنا المخرج نشاهد معها شريط فيديو اتى اليها من اهلها، لنسمع حديثا مؤثرا يجعلنا نشفق عليها، حيث يبدي الاب والام خوفهما من ان يموتا فجاة ويتركا الاولاد بلا رعاية، وامهم في الغربة.

ولا تختلف الثالثة ليوب المكسيكية كثيرا عن زميلتيها، فقد اتت تراودها الاحلام، متصورة ان اختها التى سبقتها قد حققت شيئا، لتسير في نفس المصير، غير ان المخرج حرص على اظهارها بمظهر الفتاة القوية الواثقة من نفسها والمتمردة من البداية من خلال اهتمامها بمظهرها والحرص على التزين وجملتها الموحية ‘نشعر بالخوف لكن لا يجب ان نسمح له ان يشل حركتنا’. وقد بدا الفيلم بداية قوية بلقطة لها وهي تصعد الاسانسير، الذي سنتبين دلالتها لاحقا، حيث ستواصل الصعود باحتجاجها، ولن تقتصر عند حد الحصول على حقوقها البسيطة.

وينتقل بنا المخرج الى نقطة ابعد ومعنى اهم، يتجاوز مسألة التعاطف مع ضحايا الاستغلال الى المواجهة وخوض معركة الدفاع عن الحقوق وعدم الاستسلام للوضع المزري، خاصة بعد ان يتم فصلهن من العمل، اذ تلتقي السيدات الثلاث في مركز اجتماعي لرعاية المهاجرين، وهناك يبدأ التواصل مع بعضهن البعض في البداية لتفريغ شحناتهن السلبية والهرب من الضغوط التي تحاصرهن، وصولا الى التعرف على محامية تتبني قضيتهن، وتحرضهن على الضغط على اصحاب الاعمال عبر التظاهر ورفع قضايا.

غير ان الايام والشهور تمر ولا استجابة، والضغوط العائلية تزداد عليهن واليأس يسيطر عليهن، خاصة بعد ان تتعرض احداهن للتهديد بالطلاق من زوجها، بينما الاخرى تنقطع اخبار اولادها الذين كانوا على وشك القدوم الى امريكا مُهربين، فتقرر كل منهما التراجع، بينما تصمد الثالثة، ثم سرعان ما ياأخذ الامر منحى اخر لدى زيارة الشابة المؤمنة بقضيتها لاحد المتاحف القديمة، ورؤية صور لعمال كانوا يحتجون في الماضي ويرفعون لافتات تتحدث عن ضرورة الوحدة كطريق للحصول على الحقوق، فتقوم باعادة تنظيم الصفوف من جديد، وبذل جهد مضاعف في الشارع والجامعات، والسعى لعمل نقابة او اتحاد للعاملات في صناعة الملابس، وتعود اليها رفيقتاها بعد ان استردتا الثقة في نفسيهما، ويتحركن بحماس حتى ينجحن في كسب الرأي العام والاعلام، ثم المحكمة، فيرضخ اصحاب الاعمال في النهاية لمطالبهن ويقمن بالتفاوض معهن.

ويكتمل النصر، بان يصل للمرأة السلفادورية خبر سلامة اولادها المختفين، بينما تجد المرأة المنهكة عملا على ماكينة الخياطة فرصة للجلوس مع ابنائها والاحتفال معهم، بينما الفتاة المتمردة تواصل مسيرة احتجاجها وتشارك في مظاهرات ضد منظمة التجارة العالمية وسياساتها.

وقد خرجن من هذه المعركة اكثر قوة وثقة على المستوى العام والخاص، واكثر رغبة في المشاركة والعطاء.

وربما هذه هي الرسالة الاهم لهذا الفيلم ذي الايقاع السريع والبناء الجيد فنيا وفكريا، من التأكيد على رفض الاستسلام والرضوخ للامر الواقع، والايمان بالذات والصمود في وجه كل الضغوط، والنضال والتوحد لاعادة الحق المسلوب، فما ضاع حق وراءه مطالب، والحصاد قادم اذا امتلكنا الارداة.*كاتب صحفي وناقد مصريEmil:[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية