افتتاحية لابد منها: تعبر هذه السطور، كما دائما، عن الموقف الشخصي البحت لكاتبها، ولا تحمل بين طياتها اي أوهام بشأن نتيجة هذه الانتخابات الرئاسية شبه المحسومة سلفا، ولا تراعي مجاملة اي من اطراف العملية السياسية، كما انها ليست موجهة ضد اي من المرشحين بشكل شخصي، حيث ان ابطال الصوت هو موقف فريد لم تتبناه حتى الان اي من الكتل او الاحزاب السياسية، التي انقسمت بين مؤيد ومعارض ومقاطع. انها فقط المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتق كل مواطن يملك صوتا انتخابيا في هذه المرحلة الفارقة من تاريخ مصر، من وراء القصد، وهذه اسبابي:
– سأبطل صوتي لان هذا يمثل موقفا سياسيا ذا رسالة ايجابية في الممارسة الديمقراطية فحواها تحفظ عن بعض مكونات العملية الانتخابية، ورفض لاعطاء احد ايا كان ‘شيكا على بياض’. اما المقاطعة فتمثل موقفا سلبيا لا يمكنه التأثير في المعادلة، الى جانب ان جماعة الاخوان (التي هي ابرز من يتبنون الدعوة للمقاطعة) نفسها لمحت في بيانها الاخير الى المشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة، وهو الموقف الصحيح سياسيا، من دون ان يعني هذا بالضرورة ان تغير من آرائها بشأن ما تعتبره ‘انقلابا عسكريا’.
– سأبطل صوتي لانني لم اسمع من اي من المرشحين سوى ‘تصورات’ عن حلول للازمات السياسية الاقتصادية الاجتماعية المعقدة التي تعاني منها مصر، بدلا من تقديم برنامج مدروس ومحدد يمكن على اساسه محاسبة الرئيس المقبل في نهاية فترته الرئاسية. وبشكل اكثر تحديدا لا توجد اي رؤية سياسية لتحقيق حد ادنى من ‘التوافق الوطني’، وليس بالضرورة ‘مصالحة’. كما لم اسمع رؤية اقتصادية تسمح لمصر بالاستغناء خلال فترة محددة عن المساعدات الخليجية التي تمس الكرامة الوطنية المصرية، حتى اذا كان معظمها هو في حقيقته قروضا وودائع وليس منحا كما يتوهم البعض، او حتى جاءت في اطار من المصالح المتبادلة ضمن تكهنات تشير الى احتمال انضمام مصر قريبا الى مجلس التعاون الخليجي.
– سأبطل صوتي لان مصر اليوم احوج ما تكون الى معارضة وطنية ديمقراطية قوية، في مواجهة ‘طوفان’ من الانتهازية السياسية والنفاق الاعلامي الذي ‘يخون’ كل من يخالفه في الرأي، ولا يفكر الا في اقتطاع جزء من ‘كعكة العهد الجديد’، ولأن وجود تلك المعارضة وحده قادر على مواجهة ميل دفة الحكم نحو ‘التعسكر’، ان حدث هذا، وابقاء مطالب الثورة حاضرة في المشهد رغم ضجيج الابواق.
– سأبطل صوتي لان المرشح المتوقع فوزه فشل في تقديم ضمانات محددة بألا يأتي تحقيق الامن والاستقرار، وهو مطلب شعبي حقيقي يتمتع بأولوية قصوى عند اغلب المصريين، ومنهم كاتب هذه السطور، على حساب حرية الرأي والتعبير او حقوق الانسان. كما لم نسمع منه تعهدا باطلاق سراح الاف المعتقلين الذين تقر الدولة نفسها بأنهم محتجزون بلا اتهام محدد، او تعهدا بانشاء آلية محددة تقيم عدالة انتقالية للتحقيق في كافة اعمال العنف التي أودت بحياة اكثر من الفين من المواطنين المصريين منذ ثورة يناير/كانون الثاني، بغض النظر عن توجهاتهم السياسية او الايديولوجية.
– سأبطل صوتي لانني استمعت للمشير السيسي لساعات، ولا اكاد اذكر انه تحدث بما يكفي عن احترامه لـ’حاكمية الدستور’ الذي يمثل الضمانة الرئيسية لقيام دولة مدنية بمؤسسات حقيقية، ولعدم الوقوع في براثن حكم شمولي جديد، بل انه تجاهل حقيقة ان الدستور بعد تعديله اصبح يمنح صلاحيات واسعة لرئيس الوزراء الذي يختاره البرلمان، ولم يعد رئيس الجمهورية بصلاحيات مطلقة، كما كان الحال في الماضي.
– سأبطل صوتي لان السيد حمدين صباحي، وهو المرشح الاقل حظا في الفوز بهذه الانتخابات، ومع الاحترام لتاريخه النضالي ضد استبداد مبارك، اظهر تهافتا على منصب الرئيس في الانتخابات الرئاسية الماضية، ما ادى الى تفتيت اصوات الثورة في اطار الصراع على المنافع الضيقة، ما افقده كثيرا من مصداقيته عند اغلب المصريين. وبدا هذا واضحا في ما واجهه من تعثر اثناء جمع التوكيلات.
– سأبطل صوتي لأن مصر تحتاج الى رؤية عصرية حديثة تدفعها الى الامام، بدلا من تصورات صباحي (الناصرية) الساذجة التي تريد ان تحبس مصر في تجربة تاريخية تنتمي الى اواسط القرن الماضي، وهي كأي تجربة اخرى لها ما لها وعليها ما عليها، لكنها غير قابلة للاستنساخ الا اذا عاد الزمن نفسه الى الوراء، وهو امر مستحيل. كما ان صباحي، ضمن تاريخه المزدحم بتحالفات وحسابات متناقضة، لم يتورع عن الترويج لنماذج حكم شمولية في العالم العربي بدءا من صدام حسين الى معمر القذافي، ما يصعب معه تصديق تعهداته بنموذج حكم ديمقراطي ليبرالي ديمقراطي.
– سأبطل صوتي كما فعلت في الجولة الثانية لانتخابات الرئاسة عام 2012، وانا مرتاح الضمير بعد سنوات من النضال ضد حكم المخلوع، على عكس من تقافزوا بين المعسكرات طلبا للمناصب والمنافع. فالشعب المصري لم يقدم كل هؤلاء الضحايا ليجد نفسه في النهاية مضطرا الى ان ‘يعصر الليمون على نفسه’ ليصوت لهذا المرشح او ذاك، وهو الذي صبر وجاهد عقودا بل قرونا طويلة من اجل حريته.
– واخيرا سأبطل صوتي رفضا لهذه ‘الشمولية او التعبوية الاعلامية القبيحة’ ذات الصوت الواحد والبطل الواحد والرأي الواحد، المنتمية في جوهرها الى عصر المخلوع، والمقترنة في تاريخ مصر بالكوارث والنكسات، والمصاب اصحابها بحالة من ‘البارانويا المرضية’ جعلتهم ينسبون لانفسهم فضل اشعال الموجة الثورية الصادقة التي عرفتها مصر في الثلاثين من يونيو/حزيران الماضي ضد فشل حكم ‘الاخوان’ الذي انفصل عن هموم الناس الذين انتخبوه، وتكبر على رفاق النضال الذين دافعوا عنه وقت الشدة. وبالتالي يتوقعون ان يكونوا شركاء في جني ‘ثمار العهد الجديد’.
‘ كاتب مصري من أسرة ‘القدس العربي’
خالد الشامي