منطقة الجنوب أصبحت نقطة ضعف النظام وتقدم المقاتلين فيها سيقرر مصير دمشق

حجم الخط
3

لندن ـ ‘القدس العربي’: مع رحيل الأخضر الإبراهيمي واستقالته من مهمته كمبعوث دولي لسوريا، تراجعت فرص تحقيق الحل الدبلوماسي.
ومن هنا تقترح التطورات الجديدة من الإدارة الأمريكية المترددة في الملف السوري تشددا منها تجاه طرفي النزاع حيث قامت بمناورة عسكرية أمس الأول في الأردن، ربما كرسالة للرئيس بشار الأسد، وفي الوقت نفسه أعلنت عن تصنيف اثنين من قادة جماعتين جهاديتين في سوريا كجزء من شبكة الإرهاب العالمية محذرة أنه سيتم نبذهما من قبل الجماعات المعتدلة المدعومة من الولايات المتحدة وحلفاءها العرب والغربيين. ولاحظ مراقبون أن التطورات جاءت بعد يوم من استقالة الإبراهيمي الذي ألقى اللوم على الحكومة السورية وعجز مجلس الأمن عن اتخاذ موقف صارم ودعم الجهود لتخفيف المعاناة الإنسانية.
وكان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون قد وصف استقالة الإبراهيمي بأنها دليل عن فشل جماعي لطرفي النزاع في الوقت الذي رحب فيه الإعلام السوري الرسمي برحيل الإبراهيمي الذي اتهمه بالتحيز الى المعارضة.

أزمة مهاجرين
وينظر للأزمة السورية التي دخلت عامها الرابع على أنها الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية، حيث لا يزال المهاجرون السوريون يتدفقون بمعدلات كبيرة، وبحسب مجلس الهجرة النرويجي فهناك 9.500 عائلة سورية تشرد يوميا أي بمعدل عائلة في كل دقيقة. وأصبحت سوريا الأكثر تصديرا لللاجئين في العالم حيث حلت محل كل من جمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية أفريقيا الوسطى ونيجيريا وجنوب السودان.
واشارت تقارير عن مستوى الهجرة العالمي إلى عدد المهاجرين في العالم وصل إلى 33.3 مليون شخص.
وقال مجلس الهجرة النرويجي ‘لقد تجاوزنا الأيام السود في سنوات التسعينات من القرن الماضي’ والتي شهدت مذابح رواندا والحرب في البلقان. ونقل عن مدير المجلس النرويجي يان ايغلاند قوله إن تهجير السوريين أظهر ‘فشلا إنسانيا ذريعا، قوميا ودوليا’.

مناورات عسكرية
وتأتي المناورات العسكرية وسط زيارة يقوم بها وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل للمنطقة، وجرت المناورة في قاعدة موفق السلطي شرقي الأردن والتي يعتقد أن القوات الأمريكية ستتخذها كقاعدة انطلاق للعمليات العسكرية حالة قررت إدارة الرئيس الأمريكي باراك اوباما التدخل العسكري في سوريا حسبما أوردت صحيفة ‘نيويورك تايمز’. وتزامنت التحضيرات العسكرية مع الخطوات التي أعلنت عنها وزارة الخزانة الأمريكية تصنيف كل من عبد الرحمن ظافر الديسي الجهني وهو سعودي الجنسية والعراقي عبد الرحمن مصطفى الكادولي اللذان اتهمتهما الإدارة باستغلال الفوضى في سوريا.
وقال ديفيد كوهين مساعد وزير المالية المسؤول عن تصنيف الجماعات الإرهابية إن هذا القرار يرسل رسالة واضحة للجماعات السورية المعارضة والشرعية بتجنب التعامل مع هذه الشخصين. وجاءت الخطوات عشية انعقاد مؤتمر لندن الذي حضره وزير الخارجية جون كيري وأصدقاء القضية السورية، وبدون إشارة عمن سيخلف الإبراهيمي في مهمة المبعوث لسوريا.
ويبدو أن التحركات الدولية جاءت بعد القرارات التي اتخذها الرئيس السوري بشار الأسد والمضي في عقد انتخابات رئاسية ينظر إليها كتحدي للإرادة الدولية وقضاء على الحل السلمي القاضي بحكومة انتقالية بدون الأسد.

نهاية مسار جنيف
وترى صحيفة ‘كريستينان ساينس مونيتور’ أن استقالة الإبراهيمي الذي بنى سمعته على حل النزاعات والقضايا الصعبة تشير للمدى الذي اصبحت فيه القضية السورية متشابكة وعصية على الحل.
وقالت إن الإستقالة جاءت في وقت شعر فيه النظام بالجرأة بعد تحقيقه سلسلة من الإنجازات الصغيرة، واستعداد للإنتخابات التي قال الإبراهيمي إنها نهاية للحل الدبلوماسي. ويعتبر الإبراهيمي ثاني ضحية من ضحايا الحرب الأهلية في سوريا بعد كوفي عنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة.
ولكن الأزمة السورية التي تقف فيها دول الخليج وراء الجماعات المعارضة وحزب الله وإيران وراء النظام السوري كانت معقدة بدرجة أفشلت كليهما، وكان عنان قد استقال بعد ستة أشهر في المهمة فيما استمر الإبراهيمي لمدة عامين حيث تنتهي مهمته بنهاية الشهر الحالي. ومنذ أن تولي الإبراهيمي المهمة في آب/ أغسطس 2012 فشل مجلس الأمن في التوصل لسلسلة من القرارات التي كان بإمكانها تعجيل الحل وذلك بسبب الموقف الروسي والصيني.
وخلال هذه الفترة فشل مؤتمري سلام، ولم يتم الإنتهاء بعد تنفيذ بنود الإتفاق الكيميائي الذي يراه الرئيس الأمريكي باراك أوباما من اهم النجاحات على صعيد الأزمة السورية، وتوقفت الأمم المتحدة عن إحصاء القتلى بسبب الوضع الأمني السيء.
وسيطرت الجماعات الجهادية على الفصائل المقاتلة المحلية واختطفت مسار الثورة منها. وتشير الصحيفة إلى أن التقدم السريع لقوات المعارضة في بداية الثورة تبعته حالة من الجمود ثم تقدم بطيء للقوات السورية التي سيطرت على عاصمة الثورة- حمص الإسبوع الماضي.
ونقلت مجلة ‘فورين بوليسي’ عن دبلوماسي بارز قوله ‘قال الإبراهيمي في أكثر من مناسبة إن الإنتخابات الرئاسية تعني نهاية جنيف، لا تستطيع التحدث عن عملية انتقال سياسي في الوقت الذي يقوم فيه طرف تنظيم انتخابات’.
وقال أحمد فوزي الذي عمل في فريق الإبراهيمي إن لحظة استقالة المبعوث الدولي كانت متوقعة ‘كنا نعرف أنها ستحصل، ومنذ مدة طويلة’.
والسؤال الآن وبعد فشل الدبلوماسية هل توصلت إدارة أوباما إلى أن الخيار العسكري هو الباقي، وهل هناك إمكانية لتفعيل حملة الجنوب التي ظل الحديث عنها يتواتر؟ إيهود يعاري، المعلق في القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي والزميل الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدني مقالا عن التصعيد الجاري على الجبهة الجنوبية في سوريا.
وأشار فيه أن المقاتلين السوريين الذين تعرضوا لخسائر خطيرة في وسط وشمال سوريا يحققون تقدما في الجنوب السوري، وهي المنطقة الواقعة بين دمشق والحدود الأردنية والإسرائيلية مع سوريا.

تصعيد في الجنوب
ويقول إن الموالين للرئيس الأسد في حالة دفاع على كل الجبهات في الجنوب مما يهدد بخسارة منطقة استراتيجية للنظام. مما يعني أن تقدم المقاتلين من الجنوب تجاه العاصمة دمشق يبدو ممكنا أكثر من الجبهة التي تعاني حالة من الجمود في شمال دمشق.
ويتوقع إيعاري تحقيق المقاتلين إنجازات جديدة على الجبهة الجنوبية في الأسابيع المقبلة مما سيهدد الأسد وقدرته على الإحتفاظ بالعاصمة.
وما يعزز هذا السيناريو هو ان قوات الجيش السوري قليلة في المنطقة وعادة ما ترابط في مناطق معزولة والجنود المرابطون عليها غير مجربين وحالتهم المعنوية متدنية، ويعتمدون على الدعم من المتطوعين غير النظامين الذين ينقلون لهذه المناطق. ويمكن للمقاتلين السوريين القيام بحملة تتقدم لدمشق التي لا تبعد سوى 100 كيلو مترا عن الحدود الأردنية والإسرائيلية مقارنة بالمسافة الطويلة بين العاصمة دمشق والجبهات الشمالية.
ويقول إيعاري إن المعارضة ومنذ اندلاع الحرب وعسكرتها لم تفكر في سيناريو تتقدم فيه من الجنوب، لكن الحسابات على ما يبدو تغيرت الآن خاصة أن قوات النظام لم تعد قادرة على الإحتفاظ بمواقعها في المناطق الممتدة من دمشق إلى الحدود الأردنية في الجنوب ومرتفعات الجولان في الغرب وحتى جبال الدروز في الشرق.
وحتى ينجح المقاتلون في تقدمهم من الجنوب فهم بحاجة للدعم من الشمال، وقام قادة المقاتلين لهذا الغرض بإصدار بيانات شرحوا فيها إن الحملة الحالية هي ‘شام الرسول’ والتي تقوم على محورين للهجوم على دمشق، من درعا والقنيطرة. وفي الوقت الذي نجح فيه الجيش السوري بتحقيق نجاحات في شمال دمشق بسبب دعم مقاتلي حزب الله، فالوضع في الجنوب يبدو صعبا، فقد تكبدت الكتيبتان 61 و 90 المرابطتان أمام وحدات القوات الإسرائيلية لخسائر فادحة بشكل لم تعودا فاعلتين وقادرتان على مواجهة الهجمات التي يقوم بها المقاتلون.
وتعرضت الكتيبة 61 لهزيمة في تل الجابية قرب بلدة نوى ومناطق أخرى. أما الكتيبة 90 فقد فقدت السيطرة على معظم المنطقة الحدودية مع إسرائيل بما فيها تل الأحمر.
وتسيطر قوات المعارضة على الجزء الجنوبي من درعا القريب من الحدود الأردنية فيما تسيطر قوات النظام بما فيها الفرقة الثالثة والوحدات التابعة لها على شمال المدينة. وتقع نواحي درعا خاصة المعبر الحدودي بيد المقاتلين. وسيطرت وحدات المقاتلين التي عملت كتحالف وأحيانا كفصائل متنافسة على معظم منطقة القنيطرة مما يهدد العاصمة. ويقول الكاتب إن خسارة مدينة القنيطرة ستكون هزيمة رمزية للنظام الذي يحاول الإحتفاظ بها وبسلسلة من القرى التي تقع شمالها. وتحولت الرغبة بالسيطرة على المدينة إلى هم حقيقي لدى المعارضة.

تحالف قوى
وعن القوى العاملة في الجنوب ضد النظام في دمشق فهي تتكون من حوالي 20 ألف مقاتل موزعين على عدد من الفصائل. وفي إحدى العمليات قامت هذه الفصائل بنشر 500 مقاتل مرة واحدة. وتقول مصادر المعارضة إن الجهود في الجنوب تلقى دعما من غرفة العمليات خارج درعا ويقودها العقيد زياد الحريري.
ويقود العمليات التي تهاجم القنيطرة عسكري منشق وهو الكابتن أبو حيدر. وجاء معظم المقاتلين من جبهة ثوار سوريا التي يقودها جمال معروف، ومقاتلي جبهة النصرة الموالية للقاعدة وجماعات سلفية مقاتلة.
ويتمركز المقاتلون الإسلاميون في بلدة جاسم وإنخل وخان الشيخ، مما أدى لتراجع الإقتتال بين الفصائل وسمح للتعاون الذي لم يتوقف بسبب اعتقال جبهة النصرة للعقيد أحمد النعمة في درعا. ولعبت الأسلحة النوعية القليلة التي استخدمت في المعارك كصواريخ ‘تي أو دبليو’ الأمريكية دورا في تدمير دبابات الجيش السوري.
ويرى الكاتب أن زيادة التهديد القادم من الجبهة الجنوبية يشكل معضلة لنظام الأسد، فسحب قوات من الشمال لتعزيز المواقع في الجنوب سيفتح الكثير من المناطق التي أعاد النظام السيطرة عليها لهجمات وتوغلات المقاتلين، ولم يعد لدى النظام قوة احتياط وما يتم تجنيده فهو من المتطوعين وعناصر الميليشيات والمقاتلين التابعين لحزب الله. وفي حالة عجز النظام عن إرسال قوات جديدة للجنوب فقد يخسر القنيطرة مما يهدد مواقع الفرقة التاسعة التي تتمركز في الكسوة وقطنا وكناكر في ريف دمشق.

معضلة الأسد
ويشير إيعاري أن الجبهة الجنوبية قد تكون مهمة في تقرير مصير الصراع، خاصة أن تحالف الفصائل يحاول التأكد في عملياته من استفزاز إسرائيل. ولم يعد للأسد القدرة على حماية المنطقة الجنوبية التي تبدو نقطة ضعفه وليست لديه القدرة على إرسال تعزيزات لحماية المنطقة. ويعي الأسد أيضا تجنب المقاتلين أي مواجهة مع إسرائيل مع أن بعض المعارك تحصل قرب خط الفصل بين البلدين.
ويرى أنه في حالة قامت قوات المعارضة بتحشيد القوات الكافية في الجنوب لربما قررت مصير معركة دمشق.
وحتى يحدث هذا فالمعارضة بحاجة لنشر قوات تقليدية في المنطقة، هو ما لم يحدث بعد، وتحتاج أيضا لدعم عسكري ومعدات متقدمة من الداعمين العرب والغربيين. فهي لا تحتاج الدعم والقوات التقليدية لمواجهة قوات الأسد فقط بل والإحتفاظ بالمناطق ومنع وقوعها بيد الجهاديين كما حدث في الشمال والشرق من البلاد.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية