الأبعاد السياسية لإعدام صدام حسين

حجم الخط
0

الأبعاد السياسية لإعدام صدام حسين

د. يوسف نور عوضالأبعاد السياسية لإعدام صدام حسين كان من المتوقع بعد هزيمة الجمهوريين في انتخابات الكونغرس الأخيرة أن يعيد الرئيس بوش التفكير في توجهات سياسته بالنسبة للعراق، وقد تفاءل الكثيرون حين قدم دونالد رامسفيلد استقالته وتولي وزارة الدفاع غيتس الذي اعترف في أول تصريح له أن الولايات المتحدة لا تكسب الحرب في العراق، ولكن بعد زيارته للعراق في أول أسبوع تولي فيه المسؤولية صرح بأنه يعتزم زيادة القوات الأمريكية هناك بنحو ثلاثين ألفا. وجاء هذا التصريح صدمة للكثيرين لأن زيادة القوات الأمريكية لا يعني تحقيق الأمن في العراق بعد أن وضح تماما أن وجود القوات الأمريكية هناك هو الذي عزز الصراع المذهبي لصالح فئة دون أخري وبالتالي لم تكن هناك أهمية لزيادة القوات الأمريكية إلا إذا كانت هناك استراتيجية أبعد ليس بالضرورة أن تكون أكثر نجاحا لأن الولايات المتحدة عودتنا أنها تتخذ مواقف في كثير من الأحيان لا تستند إلي معرفة دقيقة بما يجري علي الأرض وهكذا فجأة بعد زيارة عدد من المسؤولين العراقيين لواشنطن صدر قرار محكمة التمييز الذي حدد فترة إعدام الرئيس صدام حسين بثلاثين يوما وهو قرار غير قابل للنقض من قبل رئيس الجمهورية. ولم تمض أيام قليلة حتي نفذ حكم الإعدام في الرئيس السابق وسط مواقف دولية وإقليمية لا تختلف كثيرا عن الصورة التي عهدناها في الأمم المتحدة عند التحضير لحرب العراق، فمن ناحية رحب الرئيس الأمريكي جورج بوش بالتنفيذ ورأي أنه سيكون مرحلة جديدة لبداية الوحدة والديمقراطية في العراق دون أن يشرح كيف سيتحقق ذلك، وأما رئيس الوزراء البريطاني توني بلير فقد التزم الصمت لأنه كان وحزبه أكثر المتضررين من حرب العراق علي الرغم من أن وزيرة خارجيته أصدرت بيانا باهت المضمون والمحتوي وعلي هذا النحو تتابعت المواقف من الدول الأوروبية، وبعد فترة صمت من الدول العربية أصدرت مصر والسعودية استنكارا لعملية الإعدام ليس من حيث عدالتها أو مغزاها السياسي بل من حيث توقيتها وهو أمر لم تحفل به الحكومة الإيرانية التي أعلنت تأييدها للقرار وأسبابها في ذلك معلومة، وأما منظمات حقوق الإنسان فقد أصدرت بياناتها المعهودة بشجب العقوبة وعدالتها في بيانات أصبحت معتادة ولا تؤثر كثيرا في الموقف السياسي الدولي وبالطبع فإن المسألة التي تستأثر بالاهتمام لا تتعلق بالمواقف من نوع العقوبة أو ما إذا كان صدام يستحقها أم لا، فهذه مسألة تختلف حولها الآراء ذلك أنه في الوقت الذي ترفض فيه كثير من دول الإتحاد الأوروبي تنفيذ عقوبة الإعدام لاحتمال أن يكون هناك خطأ في إجراءاتها فإن دولا أخري ومن بينها الولايات المتحدة لا تمانع في تنفيذ العقوبة. وبالتالي فهذه مسألة لا يحسن الوقوف عندها خاصة عندما يتعلق الأمر بالرئيس صدام حسين الذي تختلف المواقف حوله اختلافا كبيرا. ولا يعني ذلك أنه يجب أن يسكت الناس عند وقوع مثل هذه الممارسات ذلك أن كثيرا من الأنظمة الشمولية والتقليدية في العالم العربي وغيره كثيرا ما تشرع قوانين من أجل ما تسميه حماية أمن الدولة والمقصود هو حماية أمن النظام الذي يتولي السلطة بطرق انقلابية وغير شرعية. ولكننا نحن هنا بصدد قضية محددة تدور حول سؤال واحد وهو لماذا قررت السلطات العراقية بدعم من الولايات المتحدة تنفيذ الحكم علي الرئيس صدام حسين ولماذا قال الرئيس بوش إن ذلك سيساعد علي تدعيم الأمن في العراق؟ بالطبع لا يمكننا أن نصدق ما قاله الرئيس بوش لأنه لم يقل الحقيقة كاملة حين فكر أول مرة في غزو العراق فهو قد توجه إلي ذلك البلد بذرائع لا وجود لها ما يعزز أن الهدف الأمريكي كان غير ما ظلت تعلنه وسائل الإعلام الأمريكية وما صرح به المسؤولون الأمريكيون ويجب هنا أن نصف المزاعم الأمريكية بأن العراق يتوجه إلي عهد ديمقراطي بأنها سخيفة. ذلك أن بلدا منقسما عرقيا وطائفيا كالعراق لا يمكن أن يكون النموذج الذي يتطلع إليه العالم العربي لتحقيق الديمقراطية كما أن الديمقراطية ليست عملية تعايش بين أطراف عدة أو عملية انتخاب وإنما هي نظام تقوم عليه الدولة وهي بهذا المفهوم غائبة في جميع أنحاء العالم العربي. إذن لماذا دعمت الولايات المتحدة عملية الإعدام؟ دعنا في البداية ننظر إلي الوقائع التي صاحبت عملية الإعدام فقد عرضت وسائل الإعلام صور الرئيس صدام حسين في لحظاته الأخيرة وهو يتوجه إلي حبل المشنقة وقالت هذه الوسائل إن المسؤولين لم يكونوا يريدون نشر صور اللحظات الأخيرة حفاظا علي المشاعر الإنسانية وهذه ولا شك كذبة كبيرة لأنه بعد تنفيذ الحكم وحين لم يتحرك الشارع العراقي أو الشوارع العربية علي النحو الذي كان يأمله الذين أصدروا قرار التنفيذ بدأت وسائل الإعلام تذيع ما قالت إنها صور التقطها شخص بكاميرا خاصة وكانت تلك فرية أخري لأن الذين شاهدوا صدام حسين في لحظاته الأخيرة لم يروا غير الذين كانوا ينفذون الحكم ولم يكن بينهم من يحمل كاميرا خاصة ولو كان من بينهم من يحمل كاميرا فالسؤال هو كيف تجاوز بها إجراءات الأمن المشددة؟ هذا يثير الشكوك في أن هذه عملية مرتبة لإثارة غضب مذهبي خاصة أن الصور الأخيرة حملت من ينادي باسم مقتدي الصدر ما يعني أن عملية التنفيذ تجاوزت مدلولها القضائي إلي مدلولات أخري وأثارت شكوكا حول ما إذا كان الأمريكيون ضالعين في هذا المسلسل المتدرج من أجل تعقيد الوضع بحيث يقود في النهاية إلي فتنة طائفية؟ ولكن لماذا تكون الولايات المتحدة ضالعة في مثل هذا التخطيط وما الفوائد الاستراتيجية التي تجنيها من تعقيد الوضع في العراق وتحويله إلي فتنة طائفية؟الإجابة المنطقية هي أن المحافظين الجدد في الولايات المتحدة يفكرون في اتجاه واحد وهو حماية امن إسرائيل الذي تري واشنطن أن استمرار إيران في تنفيذ برنامجها النووي قد يشكل خطرا داهما عليه، ولاشك أن الولايات المتحدة حاولت بوسائل التهديد وغيرها أن تثني إيران عن الاستمرار في هذا البرنامج ولكنها فشلت أمام التشدد الإيراني ولم يبق أمامها سوي المواجهة ولكن الولايات المتحدة تدرك أن المواجهة مع إيران تتم في ظروف تختلف عن تلك التي واجهتها في حرب الكويت و حرب العراق الأخيرة ذلك أن كثيرا من دول المنطقة كانت في تلك الفترة علي استعداد للتعاون مع الولايات المتحدة لأسباب تخصها ولكن الوضع الآن يختلف لأن بعض دول المنطقة لا تريد صراعا مباشرا مع إيران كما أن وجود نحو مئة وخمسين ألف جندي أمريكي في العراق الذي تسيطر عليه حكومة شيعية يجعل مهمة الولايات المتحدة أكثر صعوبة، ذلك بالإضافة إلي أن الوضع الاستراتيجي لإيران في هذه المنطقة يتيح لها مزايا كثيرة أهمها القدرة علي السيطرة علي مضيق هرمز الذي تمر عبره السفن المحملة بالنفط.وبالتالي فإن أي عمل عسكري ضد إيران لا بد أن تهيئ له الولايات المتحدة بمزيد من الدقة ولا شك أن إثارة المشكلات الطائفية والمذهبية تجعل بعض دول المنطقة تقف في مواجهة بعضها بعضا وبالتالي فإن الصراع بين السنة والشيعة في العراق لا بد أن تكون له انعكاسات إقليمية إذ من الطبيعي أن إيران ستدعم الوجود الشيعي في العراق وربما وقفت سورية موقف الحياد ولكن ذلك لن يكون بكل تأكيد موقف المملكة العربية السعودية ومصر وإذا ما أدخل هذان البلدان علي وجه التحديد نفسيهما في هذا الصراع فإن الوضع الاستراتيجي الأمريكي سيتغير كثيرا وذلك ما تسعي إليه الولايات المتحدة . ويبدو هذا السيناريو في مجمله استعادة للمواقف الأمريكية التقليدية في المنطقة ذلك أن المؤكد هو أن الولايات المتحدة تلعب علي متناقضات كثيرة من أجل الاستمرار في سياسات ثبت فشلها، وهي بكل تأكيد بحاجة إلي أن تفكر بعقل جديد وبتصور آخر يخرجها من الأزمات ويجعلها قادرة علي الإسهام بشكل إيجابي في حل مشاكل المنطقة، ذلك أن القضية الأساسية في الشرق الأوسط ليست هي قضية تحقيق الأمن لإسرائيل بقدر ما هي الضغط علي إسرائيل من أجل قبول الحلول السلمية التي علي رغم إجحافها فإن معظم الدول العربية قد قبلت بها. ويعني ذلك باختصار أن حل القضية الفلسطينية هي الأساس في التحول الإقليمي في هذه المنطقة وبدل أن تستخدم إسرائيل قدرات الولايات المتحدة من أجل العيش في حرب مستمرة فإن الأفضل لها هو أن تقبل الجلوس مع الفلسطينيين من أجل التوصل إلي حل لهذه المشكلة المعقدة ومتي وصلت إسرائيل إلي هذا الحل لم يعد هناك ما تخشاه أما أن تظل إسرائيل تحرض الولايات المتحدة علي دول المنطقة فإن ذلك لن يوجد حلا للمشكلات وقد ينتهي الأمر بأن تمتلك معظم دول المنطقة أسلحة دمار شامل وعندها ستندم إسرائيل علي الوقت الذي أضاعته من أجل التوصل إلي حقيقة لا تحتاج إلي مجهود عقلي للتوصل إليها، وبالتالي فإن إثارة الفتنة الطائفية في العراق علي أمل أن تساعد في خلق فوضي في المنطقة لن تكون خيارا موفقا لأنه خيار يفتقر إلي العقلانية والحكمة ناهيك بأن إعدام صدام حسين في حد ذاته قد يكون فتح فصلا يصعب إنهاؤه بصرف النظر عن حقيقة الأوضاع التي تلت تنفيذ الحكم. ہ كاتب من السودان9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية