محمد الدليمي ليس جديدا اذا ما وصفنا معضلة الفساد المالي والإداري بأنها كارثة حقيقية حلت بالدول والحكومات المعاصرة في العقود الأخيرة عندما شرعت هذه الحكومات بتنفيذ العديد من الخطط والبرامج التنموية والتطويرية في المجتمعات، بهدف ارساء دعائم قاعدة صلبة للصناعة والزراعة والبنية التحتية والخدمات.
وهنا لا بد من تحديد الاشخاص الفاسدين لمعرفة نوعية الفساد المالي واساليب مواجهته، فهو يتعلق بانحراف الافراد المرتبطين بعجلة الدولة كمؤسسة ضامنة للعيش والتنظيم الاجتماعي والموكل اليهم مسؤولية تنفيذ ومراقبة المشاريع والبرامج المراد تحقيقها لفائدة الكيان الاجتماعي والبلاد، وأول مظهر للفساد يبدأ بانحراف اشخاص الدولة ممن يتولون المناصب الحكومية عن معايير وشروط تسلم المسؤوليات والمواقع الإدارية، هذه المعايير والاشتراطات تتعلق باعتماد قواعد العمل النزيه والمحافظة على المال العام.. الا ان العناصر الفاسدة تبدأ بتكديس الثروات الشخصية عبر استخدام طرق غير شرعية او اخلاقية في التهاون عند تطبيق مسطرة الدولة والتساهل في مهمة مراقبة الجودة للمشاريع ذات البعد العمومي بما يقود الى تدهور سمعة المسؤول والإدارة حينما يتفشى الفساد ويدب في مفاصل الهيئات والإدارات الحكومية.. ان هذه الظاهرة تعد بحسب تصنيف منظمة الشفافية العالمية، من اخطر امراض العصر واشدها ضراوة في عرقلة جهود التنمية وتآكل خصائص المصداقية وضياع موارد مالية كبيرة من رصيد الدولة، تتحول الى أموال محرمة تذهب الى جيوب المسؤولين الفاسدين والمفسدين.
ان الفساد ونهب المال العام صار في عدد كبير من البلدان ينتشر مثل انتشار النار في الهشيم، وهو ظاهرة دولية لا تنفرد بها دولة او مجتمع معين بقدر ما ان الفرق هو في نوعية المكابح والصمامات التي تضعها الحكومات اليوم للحد من هذا البلاء المستطير.
صحيح كما يصف الكتاب بان فترات التحول السياسي والاجتماعي هي من انسب الفترات لازدياد حجم الفساد ونهب المال العام، وهذا ما حصل في بلدان المنظومة الاشتراكية في اوروبا حينما تغيرت نظمها السياسية والاجتماعية في اواخر عقد الثمانينات من القرن المنصرم، كما نلاحظ ايضا تفشي هذه الآفة في العراق بعد عام 2003. بحسب تصنيف منظمة الشفافية العالمية اصبح العراق في عام 2009 ينافس الصومال ومينمار على المرتبة الاولى في حجم وكمية الفساد والاموال المنهوبة.. الا ان الجديد في ظاهرة الفساد هو تعقدها وتشابكها الى درجة انها صارت تلتهم امال وطموحات المجتمعات في تحسن شروط الحياة والخدمات المقدمة للناس. ان بروز الانحرافات الوظيفية بصورها المختلفة من رشوة وتزوير عقود الاعمال والمحاباة واستغلال النفوذ بهدف التكسب الشخصي قد زاد من حجم الفجوة بين الجمهور والعاملين في الإدارة، وكلما ترهلت الإدارة باعداد كبيرة من الموظفين وتأثر هؤلاء الموظفون العموميون بقلة مرتباتهم وانعدام افاق التطوير وتحسين شروط الحياة، ازدادت فنون الاحتيال والنهب تحت عناوين واشكال لا تخطر على بال أحد، والا كيف تفسر مثلا ان الموظف الذي بحسبة بسيطة لا يسد مرتبه الشهري حاجاته اليومية تجده خلال سنوات قليلة يصبح من اصحاب العقارات والفلل او ان يمتلك ويدير عبر اقاربه وابنائه مجموعات من الشركات والمؤسسات التي تدر دخلا صافيا وخالصا.. ان الفساد بصورته المعروفة ماليا واداريا اذا ما انشب مخالبه في جسد المجتمع سيصل تأثيره الى حد نسف كل البنى والقيم الاخلاقية والاجتماعية التي تقوم عليها فكرة الدولة، وان تفعيل التشريعات الإدارية والرقابية لتقليص ظاهرة الفساد يبقى نقطة جوهرية في مسلسل المكافحة، لان التشريعات القانونية والإدارية تشكل عنصرا مهما في تأمين البيئة الاقتصادية للموظف العمومي، ولذلك فان التساهل في تطبيق الجزاء على المسؤولين الفاسدين وعدم تقديمهم الى العدالة واخبار الإعلام بحجم هذه التجاوزات سوف يجعل من السلطة، من دون ان تدري راعية لانتشار ثقافة الفساد المالي والإداري. ان مهمة التصدي لهذه الآفة المفترسة يتطلب من الحكومات ان تضع آليات قانونية ولوائح شفافة تحد من فرص استغلال النفوذ والتمترس بالسلطة لتحقيق مكاسب فردية بعيدا عن رسالة وشرف المسؤولية. فوجود اجهزة رقابية احترافية ومدربة بصورة فعالة تحظى كوادرها بالتشجيع والحوافز المناسبة سوف يسهم بلا شك في تحصينهم من الانزلاق والوقوع في آلاعيب شبكات الفساد والرشوة. ان مواجهة مرض الفساد الفتاك لا يمكن ان تصل بنا الى مرحلة يتم من خلالها القضاء بصورة كاملة عليه مهما كانت الاستراتيجيات المتبعة، فالمواجهة الحقيقية تكمن في ايجاد مقاربة تنظر الى المشكلة بمنظار شمولي يوازن بين الظروف وبين الامكانات المتاحة مع المتابعة الدؤوبة لاعمال الشركات والهيئات العامة المنوط بها تنفيذ مشاريع وبرامج الدولة في كل المجالات، وهنا لا بد من ان يتحصل الموظف العمومي على دورات تدريبية متخصصة في اخلاقيات وسلوكيات المنصب، كما ان تطوير التشريعات ذات البعد المالي للوظيفة صار مطلبا مهما كي تتلاءم مسطرة الوظيفة بما يحد المغريات الاقتصادية الجديدة ويتم من خلالها مراعاة المصالح المالية والمعيشية للموظف العام بما يعزز من حصانته وامانته.’ كاتب عراقي