يلوح هذه الأيام في سماء الأمة العربية والإسلامية أفق النكبة، وتجري سحاباتها السوداء بكل عزم فوق كل الأرجاء، لتمر ثقيلة كئيبة على كل ذي ضمير، ونحن عندها نمتهن دوماً حالة اجترار الألم والذل والهوان، عسى أن يحدث الله بعد ذلك أمراً. هو حمل تنوء بحمله الجبال ورثناه عبر الزمن، وتدق أجراسه في شهر أيار/ مايو من كل عام مذكرة إيانا بنقطة تحول ليس في تاريخ المنطقة فحسب، بل في ماضي وحاضر ومستقبل كل عربي. لعل عقارب الساعة قد ملت من العزف على وتر المشاعر، والعيش على أطلال ماض انتهى بكل تفاصيله، وبتنا نؤمل النفس في التعايش مع آثاره بحثاً عن لحظة راحة من غدر الزمان أو حتى استجماماً على شواطئ النسيان. هناك في ثنايا النكبة حفنة من حقائق مثيرة، تفرض واقعاً واحداً، واحداً فقط! وهذا الواقع أن النكبة كانت نتيجة وليست سبباً !
بعيداً عن العواطف وبكل تجرد، النكبة كانت حصيلة جهود الصهاينة لعقود من الزمن، امتدت من نهايات القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين. فالنكبة لم تحصل بين يوم وليلة، ولم تحدث فجأة. عمل الصهاينة ليلا ونهارا لإحياء فكرة قوامها البحث عن وطن بأي ثمن. هذه الفكرة نشأت بداية في عقل صحافي نمساوي اسمه ‘ثيودور هرتزل’. عايش هرتزل خلال عمله صحافياً قضية عرفت باسم ‘دريفوس’ وهي نسبة لضابط فرنسي يهودي اتهم بالخيانة، واستمرت محاكمته لمدة تزيد عن عشرة أعوام في المحاكم الفرنسية. هذه القضية تركت أثراً جسيماً على هرتزل، وشكلت عنده قناعة أن لا مستقبل لليهود في أوروبا، والحل يكمن في إنشاء وطن في بقعة ما من الكرة الأرضية. كانت الخيارات الأولى تنحصر على ثلاث دول: الأرجنتين، أوغندا، فلسطين، واستقر المقام في نهاية المطاف على بقعة فلسطين الطاهرة. فالسبب الحقيقي لم يكن نابعاً من أسباب دينية كما يسوقه اليهود، بل قومية استيطانية بحتة! والمثير للاهتمام أن هرتزل توفي قبل أربعين عاماً من أحداث النكبة وإعلان ما يسمى بدولة ‘إسرائيل’؛ فالفكرة لم تمت بموته، وأكملت العيش في ذهن الصهاينة، وكان العمل من أجلها بلا كلل أو تعب. فوايزمان أول رئيس لدولة إسرائيل حصل على الدكتوراة في الكيمياء في وقت انصرف فيه العرب عن العلم- إلا من رحم ربي- واستغل علمه في تطوير مادة كيميائية تستخدم في المتفجرات، وأهدى اختراعه لدولة بريطانيا التى قدرت صنيعه، وكافأته بوعد بلفور عام 1917. كان من الممكن أن يستغل وايزمان اختراعه لمنافع ومكاسب شخصية، لكنه قدم مصلحة اليهود على مصلحته الذاتية. يلاحظ أن كثيراً من قادة ومؤسسي الدولة الصهيونية ينتمون إلى الطبقة المثقفة والمتعلمة تعليماً ذا درجة مرتفعة، ومن الأشخاص الذين تنقلوا بين الدول الصناعية؛ فاكتسبوا خبرة ومهارة استغلوها لخدمة هدف أكبر. ومن الجدير بالذكر أيضا أن الهجرات اليهودية إلى أرض فلسطين كانت قائمة وعلى قدم وساق قبل أحداث النكبة بمدة لا تقل عن عشرات السنوات؛ فأول مستوطنة صهيونية نشأت في أواخر القرن التاسع عشر!
أحداث القضية الفلسطينية لا تقل إثارة عن الروايات البوليسية المشهورة، وما أسلفت هو غيض من فيض، ولعل المقام لا يتسع لطرق أبوابها جميعاً. فالصهاينة عندما تبنوا هدفاً، لم يدخروا جهداً لتحقيقه. لا نهمل دور المؤامرات والتخاذل والضعف العربي في جعل هذا الهدف حقيقة نعيشه، لكن ما كانت لفلسطين أن تحتل لولا إيمانهم بإمكانية تحقيقه في يوم ما. فالطبقة المثقفة أوجدت الفكرة، واعتنقها من بعدهم يهود كثر، ولعل هذا نلمسه حالياً في إخلاصهم لها. لا نقول ذلك إكباراً لهم، ولا نردده تملقاً ولا نفاقاً. بل لاشتقاق الدروس والعبر من تجربة مريرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
من كان يظن أن فلسطين قضية أهل فلسطين وحدهم، فهو واهم! من كان يظن أن النكبة بداية أحداث فلسطين، فقد جانب الصواب! وكل ما نخشاه هو أن ما يحدث حالياً من زيادة في الاستيطان والاحتلال، وانصراف عربي عن فلسطين هو مقدمة لأحداث أكثر دموية وظلماً في المستقبل. فلسطين لن تعود حتى نؤمن جميعاً بعدالة القضية، ونتبناها قولاً وفعلاً. ستخرج المظاهرات في ذكرى النكبة، بعضها خجولة وبعضها ثابتة، وسينفض السامر، وسيعود كل إلى همومه الدنيوية، ستبقى أرضنا محتلة. فلسطين لن تعود من ذلك الباب؛ فعلى أهمية المظاهرات من تذكير بالحق، إلا أن الأهم هو صميم الاعتقاد وإحياء الرسالة في وجدان كل منا. فاجترار الألم يوم النكبة فقط، وتناسيه ما عدا ذلك من أيام، لن يجدي نفعاً سوى تجرع الكأس مرة جديدة، وتذوق علقمه، واختبار مرارته على مرأى العالم أجمع! عودة فلسطين ستكون عبر ذات الطريقة التي فقدناها فيها واقتنصها اليهود من حضن العرب ودفء الزمان؛ بالإيمان بفكرة وغرسها قوياً في عمق الأرض! تحقق الفكرة ربما لن يكون في حياتنا، لكن من الشرف بمكان وقفتنا وقفة عز، وحملنا الراية لبرهة من أمد. لا ضير سواء كنا في أول الصف أو أوسطه أو حتى آخره، والإيمان برسالة أفضل حتماً من العيش على هامش الزمان اجتراراً لألم لا ذنب لنا فيه سوى وراثته!
حسام خطاب الأردن