تشيلي والديمقراطية الهشة تحت كشاف المراجعة

قد تكون ‘الصدفة’ هي وراء ترجمة ونشر مسرحية ‘الموت والعذراء’ للكاتب التشيلي آرييل دورفمان، ضمن سلسلة ‘الكتاب للجميع’ التي تتولى دار المدى نشرها شهريا، وتساهم مجموعة من الصحف العربية اليومية في بلدان عربية عدة بإعادة نشرها. وقد لا يكون الأمر ‘صدفة’، بل مقصودا، كون الكتاب ‘الموت والعذراء’ صدر في اليوم نفسه 13 نيسان/ابريل الذي حدثت فيه حادثة بوسط عين الرمانة منذ 39 عاما. أي منذ انطلقت الشرارة التي كانت وراء قيام الحرب الأهلية في لبنان عام 1975 واستمرت إلى عام 1989.
إذن هي الحرب الأهلية التي تتشابه في بعض حوادثها ودروسها وتساؤلاتها واستخلاصاتها بين التجربتين في تشيلي ولبنان وغيرهما. وكلا الأمرين ‘الصدفة’ أو ‘القصد’ يعتبران من الأمور الجيدة، إذا ما تمت الاستفادة وأخذ العبر والدروس من الأفكار والتجارب المرة التي استخلصتها المسرحية مما حدث في جمهورية تشيلي، التي قام بها انقلاب عسكري فاشي عام 1973، أطاح بالتجربة الديمقراطية التي كانت قائمة في البلاد، وأودى بحياة رئيس الجمهورية المنتخب سلفادور الليندي وآلاف من خيرة أبناء تشيلي وبناتها، وتم نشر الخوف والتعذيب والرعب والاعتقال ومصادرة الحريات والإقصاء وتعطيل عجلة التنمية والاقتصاد، ومغادرة الآلاف إلى المنافي القريبة والبعيدة، ومن بينهم الكاتب نفسه، وهو الاستاذ الجامعي والمستشار الثقافي في القصر الجمهوري، إلا أن العسف مهما استشرى وتجبر، ومهما دعمته طغم العالم ومراكز الظلم، فإنه إلى زوال ولو بعد تخريب وادعاء الاستمرارية والدوام، لتقوم بعد ذلك تجربة ديمقراطية هشة، تتلمس طريقها في دهاليز الظلم والظلام اللذين نشرتهما الفاشية العسكرية، لتبدأ بعدها خطوات حذرة في إعادة الثقة وبالتدريج إلى نفوس الناس، وإلى الحد من كوابيس الرعب ورهاب الخوف والشكوك وعدم الثقة، كون الكثير ممن كانوا أعوانا للنظام الديكتاتوري ما زالوا ‘يسيرون على رصيف واحد مع الضحايا’، أي إن الذين تعاونوا مع النظام السابق عن قناعة، أو مسايرة لاقتناص مغنم مال، أو عن طريق الإرغام والقهر، وسوى ذلك ما زال كثيرون منهم على رأس وظائفهم، وتتم الخشية منهم، بأن يستمروا في ممارسة ما درجوا عليه من سوء وإساءة إلى الناس والوشاية والكذب وادعاء الولاء لكل صاحب سلطة. لتأخذ بعد ذلك الاسئلة المؤرقة والإشكالية تترى وتتوارد: هل يأخذ النظام الجديد في ديمقراطيته الهشة باعتقال كل من ورد اسمه بالتعاون مع النظام السابق؟ وهل يتم إطلاق الحريات للأفراد، بأن يتولى كل فرد تحقيق العدالة لنفسه وبنفسه؟ وألا يمكن أن يؤثر ترك الآلاف بلا محاكمات عادلة من استمرار تعطيل عجلة الحياة بكل مناحيها؟ وهل لو تم اعتقال الآلاف بالشك والتخمين وعدم اليقين، وحتى بيقين مؤكد من أنهم تولوا ممارسة إساءات للناس والوطن.. أفلا يمكن أن يؤدي ذلك إلى تعطيل جوانب من حياة الناس ومصالحها؟ وألا يمكن أن تؤدي بعض الممارسات المشابهة لممارسات السلطة الغاشمة السابقة إلى حرب أهلية؟ ثم كيف يمكن التوفيق بين أولئك الذين يؤثرون دفن الخوف، خوف الماضي الإرهابي كليا، وأولئك الذين يريدون الكشف عنه كاملا؟
وتتوالى الأسئلة: كيف يمكن الإبقاء على الماضي حيا، شرط ألا نكون سجناءه؟ وكيف يمكننا أن ننسى ذلك الماضي من دون المخاطرة بأن يتكرر في المستقبل؟ وألا يتناقض ذلك مع القول بأنه لا بد لأحد ما أن يبقى حيا ليروي ما حدث؟ ثم هل من المنطقي أن نضحي بالحقيقة، لكي نضمن الطمأنينة والأمن؟ ثم تتكرر الأسئلة أيضا في عرض المسرحية، كالقول هل الناس هم حقا أحرار في بحثهم عن العدالة والمساواة، فيما التهديدات تلازمهم كالوسواس؟ وهل يمكن تجنب العنف في بلاد ظروفها مشابهة؟ وكم نحن جميعا، ومن دون استثناء مذنبون إزاء ما حدث لأولئك الذين قاسوا أكثر من غيرهم؟
هذه الأسئلة المرة يتوالى طرحها، وكلها وغيرها بحاجة إلى إجابات ومعالجات حكيمة، وإلا فإن أي ‘دعسة’ زائدة أو ناقصة يمكن أن تفاقم الأمور، وتزيد من اشتعال المشاكل بدل أن تخفف منها.
‘الموت والعذراء’ هو عنوان لرباعية موسيقية لشوبرت، كان من المعجبين بها الطبيب روبيرتو ميراندا، حيث كان يستمع إليها أثناء تعذيبه لضحاياه، ومن بينهم الفتاة الجامعية باولينا سالاس التي كانت تدرس الطب، وتم اختطافها من الشارع الذي كانت تسير فيه، على خلفية كونها تميل إلى اليسار في تفكيرها ومواقفها. أما الشخصية الثالثة في المسرحية فهي جيراردو إيسكوبار المحامي الذي تزوج من باولينا بعد خروجها من السجن، وهو محام تم تعيينه في هيئة التحقيق الحكومية من أجل تحقيق المصالحة ومحاولة تصفية آثار الماضي الأليم.
صحيح أن باولينا خرجت من السجن بعد تعذيبها واغتصابها من قبل الجلادين، خصوصا من قبل الطبيب روبيرتو؛ مع ذلك فإن كوابيس تلك الأيام ما زالت تؤرقها وتنغص عليها عيشها، وتجعلها في خوف ورعب من أن تتكرر المآسي من جديد، خصوصا أن التحقيقات لم تتم بعد مع كل من ارتكب الجرائم، ولم تتحقق العدالة بعد، ولم يصل المظلومون كبا ولينا إلى حقوقهم وإلى رد اعتبارهم والاقتصـــاص من جلاديهم. هي تقضي وقتا طويلا من نهارها وأمسياتها على شرفتها التي تشرف على شاطئ البحر، تستمع لصخبه ومده وجزره، وتوائم ذلك مع صخب رهاب الخوف والرعب اللذين بقيا مقيمين في داخلها في مده وجزره أيضا، جراء ما كابدته أيام اعتقالها وتعذيبها.
تأخر زوجها جيراردو ولم يعد إلى البيت كالمعتاد، فاخذت مخاوفها وقلقها بالازدياد تدريجيا. وفي ما هي كذلك، حتى وصل في سيارة غير سيارته برفقة أحد الأشخاص. عندما دخل ذلك الشخص الغريب إلى البيت واستمعت إلى صوته ورأت تصرفاته وحركاته، ارتفع منسوب الهواجس والشكوك في ذهنها. فحكى لها زوجها ما حدث معه، إذ انفجر عجل من عجلات سيارته، ووجد أن البديل غير صالح أيضا، فوقف ينتظر مساعدة أي عابر للطريق، ولم يتوقف لمساعدته من بين عشرات السيارات التي مرت بقربه إلا ذاك الرجل.
وفيما هو يروي لزوجته ما حدث معه، إذ بالرجل نفسه يعود بعد وقت قصير، ليعلن أنه استمع إلى المذياع، فعرف أن جيراردو تم تعيينه ضمن هيئة المصالحة، وأنه على استعداد لنقله صباحا إلى مركز الهيئة. عندها وكأن القدر التراجيدي أخذ ينصب شباكه للرجل، لذا فقد تمنى جيراردو عليه المبيت في بيته، ما دامت عائلته غير موجودة في منزلها القريب.
أخذت ذبذبات أصوات الرجل روبيرتو وتصرفاته وأحاديثه تحرك ما غفا واستكان في نفسها من العذابات التي كابدتها باولينا في السجن، لتصيح الأصوات في داخلها: إنه هو السجان نفسه الذي كان يشرف على تعذيبها وساهم في اغتصابها. تسللت في عتمة الليل إلى الغرفة التي نام فيها، بعد أن حملت معها مسدسها، وضربت بكعبه رأس الرجل، فغاب عن الوعي وجرته إلى صالة البيت، وهناك كبلته وأغلقت فمه بشريط لاصق، فوجئ جيراردو بما رآه، واستغرب ما قامت به زوجته، وأوضح لها بأن تعرفها على صوت الرجل ليس كافيا لإدانته، فما كان منها إلا أن عرضت عليه شريط التسجيل الذي وجدته في سيارة روبيرتو، وهو الشريط نفسه الذي يحتوي رباعية ‘الموت والعذراء’ لشوبرت، التي كان يستمع إليها المحقق أثناء تعذيبه لضحاياه.
مع ذلك فإن جيراردو المحامي وعضو لجنة التحقيق والمصالحة استنكر ما فعلته زوجته، التي أعلنت بوضوح أنها تسعى إلى تطبيق العدالة ما دامت الجهات الرسمية لم تقم بذلك بعد. في حين ان زوجها المحامي ‘هدفه إشاعة الأمن والطمأنينة في نفوس الناس، حتى إن كان ذلك على حساب الحقيقة’. يستمر التناقض بين الموقفين، وتستمر الأسئلة المربكة والإشكالية في التوارد الحاد أحيانا، أبرزها كيف يمكن الوصول إلى تسوية توفر الندم والاعتراف والاعتذار والتسامح والتصالح بعد الأهوال والفظاعات التي عاشها الناس؟ وكيف يمكن تفادي قيام حرب أهلية من جديد، يمكن أن تدمر البلد، أو تعطل التوجهات الديمقراطية الهشة والوليدة؟

‘ كاتب فلسطيني

سليمان الشّيخ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية