سوريا أخطر منطقة في العالم على حياة الصحافيين… تحولوا لورقة مساومة ومصدراً للتربح

حجم الخط
1

لندن ـ ‘القدس العربي’: في آخر الحوادث التي تعرض لها الصحافيون الذين يغطون الأزمة السورية تعرض مراسل ومصور في صحيفة ‘التايمز’ البريطانية لمحاولة اختطاف حيث أصيب أنتوني لويد برجله والمصور جاك هيل قبل تمكنهما من الفرار من خاطفيهم.
وكان لويد مع المرشد السوري متجهان صوب الحدود التركية من شمال سوريا عندما أوقفهم مسلحون ووضعوهم في سيارة وحاولوا نقلهم إلى قرية تل رفع.
وفي الطريق شاهدا فتحة في صندوق السيارة الخلفي، وكانت فرصة لهم للهرب، حيث استطاع الدليل السوري الهرب والإختباء في بيت آمن أما لويد وهيل فالقي القبض عليهما وضربا حيث اصيب لويد برصاصتين في رجله لمنعه من الهرب ونقلا إلى مخزن اعتقلا فيه.
ولم يتم الإفراج عنهما إلا بعد سماع ‘الجبهة الإسلامية’ الخبر حيث ارسلت مقاتلين لمواجهة العصابة وتم تحرير الصحافيين. وهرب الثلاثة في النهاية لتركيا حيث نقل لويد للمستشفى. ويضاف حادث اختطاف صحافيي ‘التايمز’ لسلسلة من الإعتداءات التي تعرض لها المراسلون الأجانب في سوريا، حيث يتحول الصحافي نفسه لموضوع للخبر بدلا من أن يعد الخبر. وبحسب لجنة حماية الصحافيين فقد أصبحت سوريا أخطر بقعة على الصحافيين في العالم وقتل فيها منذ بداية الازمة عام 2011 أكثر من 65 صحافيا وهناك عددا منهم لا يزال مفقودا او مختطفا.
واللافت في القصة السورية أن المقاتلين رحبوا بالصحافة الأجنبية التي تبنت روايتهم عن الحرب، لكن دخول العناصر المتطرفة وعصابات النهب والجريمة جعلت من الصحافيين هدفا إما للشك بكونهم عملاء أو لأنهم أصبحوا هدفا ثمينا فمن خلال اختطافهم تحصل الجماعات المسلحة على فدية ثمينة من ورائهم ويعتقد ان عددا من الدول التي اختطف صحافيون من أبنائها رضخت لمطالب الخاطفين وبادلتهم بملايين في بعض الأحيان.

عيونهم معصوبة وأيديهم مقيدة
وتناولت الصحافية جانين دي جيوفاني موضوع الصحافيين ومخاطر وقوعهم تحديدا في يد الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) حيث بدأت مقالها الذي نشرته مجلة ‘نيوزويك’ الأمريكية بالإشارة إلى حالة الصحافيين الفرنسيين الأربعة الذين اعتقلوا في سجون داعش مدة 10 أشهر ثم تمت مبادلتهم بفدية يعتقد أنها كبيرة ورموا في منطقة خالية قرب الحدود التركية حيث عثر عليهم في 19 نيسان/ إبريل معصوبة عيونهم ومقيدة أيديهم. وهؤلاء الأربعة هم نيكولا هينين وبيير توري وإداورد بيير وديدي فرانسوا.
وكانت داعش قد افرجت في 31 آذار/مارس عن مراسل صحيفة ‘الموندو’ الإسبانية خافيير اسبنوزا والمصور ريكاردو غارسيا فيلانوفا. وتقول جيوفاني إن هناك حوالي 30 صحافيا مختطفا في سوريا، بعضهم تتوفر معلومات عنه أما الآخرون فقد اختفوا من على وجه الأرض.
وتنقل عن صديقة صحافية سورية اختفت في شباط/ فبراير الماضي قولها ‘جاءوا إلى بيتها وأخذوها’، والصحافية هي أم لأطفال صغار كانت تقوم بتحقيق صحافي حول ارتكاب جرائم حرب من قبل الطرفين ‘ولم نسمع أي أخبار عنها منذ اختطافها’.
ولا تستهدف داعش وحدها الصحافيين بل الجماعات المتشددة الأخرى وكذلك الحكومة السورية. ويظل العدد الحقيقي للصحافيين المعتقلين غير واضح لخشية المنظمات الصحافية تقديم معلومات عنهم قد تؤثر على فرص الإفراج عنهم.
وتشير الصحافية الى صعوبة الظروف التي بات الصحافيون يعملون فيها في سوريا مقارنة مع حروب أخرى، وتقول إن الصحافي الفرنسي ديديه فرانسوا الذي يراسل ‘راديو اوروبا’ غطى حروبا ونزاعات بما فيها البوسنة التي أنقذ فيها زميلا صحافيا بريطانيا وهو توم ستودارت بل، وبعد ذلك غطى فرانسوا حرب كوسوفو وأفغانستان وفي أفريقيا وعمل في الشيشان التي كان فيها أمراء الحرب يقطعون رؤوس من يقبضون عليهم ويعلقونها على العصي، إلا أن فرانسو نجا، وفقط في سوريا اختطف.
ورغم عدم تعرض فرانسوا ومن معه للتعذيب كما حدث مع مختطفين آخرين إلا أنهم قيدوا معا وتركوا بدون طعام وشراب وقضوا العشرة أشهر وأكثر في غرفة أرضية مظلمة. وقال فرانسوا ‘اشعر بالبهجة والإرتياح بالحرية، تحت السماء التي لم نرها منذ مدة طويلة، وأن تكون قادرا على تنشق الهواء النقي’.

مهمة خطيرة
ويظل فرانسوا وزملائه محظوظين فلم يسمع عن الصحافي الأمريكي جيمس فولي والذي اختفى منذ عيد الشكر العام الماضي. والأمريكي الآخر أوستين تايس والذي اختفى منذ آب/ أغسطس 2012.
وتعلق الصحافية بالقول إن سوريا تعتبر من أخطر بقاع الأرض وأصبحت أرضا خصبة للجماعات الإرهابية التي تقوم باختطاف الصحافيين وعمال الإغاثة وأي شخص يتجرأ على اجتياز الحدود. ويقول جويل ستين من لجنة حماية الصحافيين إن ‘ظهور الجماعات الإسلامية المتطرفة جعل من تغطية الأحداث في سوريا أمرا خطيرا على الإعلام’. ويضيف ان جماعات المعارضة المعتدلة رحبت بالصحافيين وسهلت من مهامهم لدورهم في تشكيل الرأي العام حول سوريا إلا أن الجماعات المتطرفة التي لا تهتم بالرأي العام لا ترى في الصحافيين إلا ورقة مساومة.
وبحسب البرفسور جون أوين، المحاضر في الإعلام في جامعة سيتي البريطانية ورئيس نادي ‘فرنت لاين’ وهي جمعية لمراسلي الحرب إن اختطاف الصحافيين وإن بدا ‘بربريا’ لكن الخطر الأكبر هو منع الصحافيين من الدخول لسوريا يحجب الحقيقة عن الرأي العام ولا يستطيعون الدخول والكتابة عن الكارثة الإنسانية التي تحدث هناك.
وتقول منظمة صحافيون بلا حدود أن 87 صحافيا اختطفوا حول العالم معظهم في المكسيك اختطفتهم عصابات المخدرات، عذبتهم وقتلتهم.
وفي نزاعات أخرى بخلاف الحرب الأهلية اللبنانية التي اختطف فيها صحافيون فقد كان من النادر استهداف الصحافيين ولكن في الحرب السورية وصل اختطاف الصحافيين مستويات عالية. وفي العادة ما يستطيع بعض الصحافيين الهروب أو يواجهون خاطفيهم.
ففي عام 2012 استطاع مراسل ‘بي بي سي’ بول وود والفريق المرافق له الهروب من خاطفيهم وكذا فعل مراسل شبكة أن بي سي ريتشارد إينغل وفريقه.
وهناك صحافيون لم تتخل عنهم حكومات بلادهم حيث تفاوضت مع الخاطفين مع أن الحكومة الفرنسية نفت ان تكون دفعت فدية للإفراج عنهم مع أنها دفعت في الماضي فدية لإطلاق سراح صحافي عند أبو سياف.

لا تفاوض
وتشير الصحافية إلى أن الحكومتين البريطانية والأمريكية كررتا القول أن لا تفاوض مع الخاطفين ولن تدفعا فدية. وأثناء عملها في الشيسشان في التسعينات قال لها محررو الصحيفة التي تعمل فيها أنه في حالة تعرضها لاختطاف فلن تفاوض الحكومة لإطلاق سراحها، كما لم يشتمل التأمين على حياتها الإختطاف، لان هذا يعني تحول الصحافي أوالصحافية إلى ماكينة صرف آلي.
وتشير دراسة للمحلل النفسي الكندي أنتوني فينشتاين والتي رصد فيها الآثار النفسية على المراسلين الحربيين فخمس الصحافيين العاملين في سوريا يعملون بدون أن يكون هناك تأمين على حياتهم. وأمام هذا الموقف تحاول عائلات المختطفين الحفاظ على قصتهم حية، فعائلة فولي بدأت مدونة على الإنترنت ترصد فيها واقع حياته.
وعن إمكانية منع استهداف الصحافيين في الحروب وسوريا بالتحديد، يرى دارن وايت من شركة الخدمات الأمنية ‘دراغون فلاي’ أن الإختطاف له دوافع مالية وسياسية. ويرى أن عملية الإختطاف هي إجراءات تخضع للإختيار والتحضير، وهناك إشارات اولية قد توحي بأن الصحافي المعني هو الهدف مما يجب عليه أن يفتح عينيه ‘فأي شخص اختطف إما تجاهل أو لم يلتفت للتحذيرات الأولية’ كما يقول وايت.
ولهذا يتم تدريب الصحافيين على طريقة التصرف في ‘ظل المناخ المعادي’ ويلقنون دروسا حول كيفية تجنب مواقف تعرض حياتهم للخطر، ويطلب منهم التأكد من أن أحدا بانتظارهم في المطار إن كانوا مسافرين لمكان جديد عليهم، وأن يعرفوا طريقهم ويبحثوا في المهمة الذين هم بصدد تغطيتها.
ويدرس الصحافيون في ورشات العمل التي تقدم لهم قبل السفر لمناطق النزاع كيف يتصرفون حالة اختطافهم.
وبعد كل هذا هناك ثمن يدفعه المراسل حالة تعرضه للإختطاف، فأحد الذين اختطفوا في أثناء الحرب الأهلية في لبنان وظل رهينة لمدة عام قال إنه لا يزال يعاني من كوابيس ‘دائما ما كرهت تلك الأفلام عن الخاطفين والرهائن والتي تصور كيف تحولوا لأصدقاء، هذه كذبة، لقد كرهت خاطفي وجعلني أكرهه’.

كل شيء هاديء
بعيدا عن الإختطاف تقدم مراسلة مجلة ‘تايم’ارين بيكر’ صورة عن التحضيرات للإنتخابات السورية الشهر المقبل، ففي طريقها لدمشق شاهدت العمارات السكنية التي توقف البناء فيها، ومراكز التسوق وحدائق الأطفال الفارغة، وكل ما شاهدته هو صور الأسد التي تحتل اللوحات الإعلانية التي عادة ما تستخدم للترويج للمنتجات، أصبحت مليئة بصور الأسد بالزي العسكري، وبالسترة وهو يلوح للجماهير، ولكن أسد الملصقات غيره الأسد الذي يظهر في التلفزيون فهو شاحب الوجه وخسر الكثير من وزنه، فقد تركت ثلاث سنوات من الحرب أثرها الكبير عليه وانعكست في حملة الأسد الإنتخابية القادمة.
فالملصقات الإعلانية تركز على ‘سوا’، و’معا نوفر الأمن لسوريا’، و’معا نجعل من سوريا قوية’ و ‘معا نعيش’ وكل لوحة إعلانية تحمل توقيع الأسد، ولهذا السبب سيربح الأسد الإنتخابات بدون شك وبنسبة عالية وفي غياب مشاركة المعارضة.
وتقول بيكر أن علامات الحرب وإن كانت ظاهرة على الطريق الذي يربط دمشق بلبنان إلا ان مركز دمشق لا يحمل ايا من علامات الحرب، فالمتسوقون يتجولون في المحلات ويجربون آخر الموديلات من الهواتف الذكية، ويأكلون المعجنات والحلويات المحشوة بالمكسرات والشوكولاتة، فيما تخرج نساء سافرات من مراكز اللياقة يحملن معهن حقائب ‘يوغا’ وأخريات بحجاب ملون ينتظرن السيارات. فيما تحذر علامات صفراء على جانبي الشارع السائقين من الردار الذي يراقب السرعة.
وتقوم شرطة المرور بإرشاد السيارات خارج الزحام الذي سببته نقاط وحواجز الجيش. وفي المناطق الهادئة من دمشق يبدو الجنود في حالة من الملل وليس الحذر وهم مشغولون بهواتفهم النقالة.
وتقول الصحافية إن الأسد يعيش وعائلته في حي من أحياء دمشق الغنية، حيث قرر العيش في بيت والده لإعطاء صورة عن رجل الشعب.
وتقول الرواية الرسمية أنه يركب سيارته يوميا من بيته للقصر الجمهوري في قاسيون لكن أحدا من السكان لا يصدق هذا الكلام. فلماذا يعرض الأسد حياته للخطر؟! فيما يقول أخرون إنه يعمل من البيت ولكن قلة تعرف الحقيقة.

الحرب ليست بعيدة
ومع أن الحرب نفسيا بعيدة عن سكان وسط دمشق لكنها تشن ليس بعيدا عنهم في الأحياء القريبة من العاصمة، حيث تئز الطائرات الحربية فوق بيوت دمشق، وصوت الإنفجارات الذي تحدثه يحس الدمشقيون بقوته، ولان صوت الإنفجارات أصبح عاديا فلم يعد يهم أو يضايق أحدا. فهم منشغلون كما الصحافية بشراء شراب ‘أبو عبدو’ المعروف واختراعاته الجديدة من كوكتيل الفراولة.
وتلتقي مع طلاب يدرسون الإنكليزية وجدوا فرصة للتدرب على استخدامها خاصة أن السياح لم يعودوا يقبلون على العاصمة بسبب الحرب.
ويؤكد الشبان لها أن الحياة طبيعية في دمشق، ويشتكون من محاولة الإعلام تصوير سوريا بأنها في حالة حرب. لكن الحرب ليست بعيدة عن دمشق، ففي حي البرزة حيث البنايات قديمة لا تظهر إلا جزءا من الدمار، وكلما توغلت السيارة في أحيائها كشفت عن حجم الدمار حيث تم محو الشعارات المعارضة للأسد ولم يكتب بعد الشعارات المؤيدة له، وبين الأنقاض تظهر الأسلاك الكهربائية المعوجة.
هناك حياة عادت وتظهر من خلال الغسيل المنشور على الحبال، اما البنايات التي دمرت فلن تعود الحياة إليها ابدا. البرزة تعيش هدوءا وسلاما الآن ولكنها أنقاض. وفي الطريق من البرزة لأحد الأحياء الذي ظل بيد الأسد يظهر على ملصق ويعلن ‘معكم، سنبنهيا ونحميها’.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية