حكايات من البر الانكليزي: يا هم العمر تفضل عمو
جمعة بوكليبحكايات من البر الانكليزي: يا هم العمر تفضل عموكنت جالسا علي كرسي في صالون حلاقة عربي بمنطقة ايرلز كورت، منغمساً في قراءة جريدة، في انتظار ان يحين دوري. الصالون صغير، معد لعمل ثلاثة حلاقين في وقت واحد، ووضعت عدة كراسٍ صغيرة للزبائن المنتظرين. حينما دخلت وجدت حلاّقين فقط منهمكين في قص شعر رأسيّ زبونين، وفي الزاوية المقابلة للباب جلس شاب صغير السن في بداية العشرينات من عمره علي أكثر تقدير. أطلقت السلام، وجلست علي كرسي في المنتصف، التقطت جريدة انكليزية من منضدة صغيرة علي يميني مخصصة للجرائد، وانهمكت في القراءة، متوقعاً ان يكون الشاب الجالس في رأس الزاوية علي يميني زبوناً مثلي في انتظار ان يحين دوره. بعد فترة قصيرة نهض الزبون الجالس في أول كرسي حلاقة، قرب باب الصالون، وتحرك باتجاه كرسي الحلاقة الشاغر في آخر الصالون. تبين لي ان الزبون لم يأت لقص شعر رأسه فقط بل أيضاً لصباغته، وأن عملية دهن الشعر باللون الاسود تحتاج لوقت طويل لا أعرف تحديداً لماذا. تفضل عموهذه المرة، أدركت بما لا يدع مجالاً لشك، أن حضرتي، شخصياً، مقصود بهذه العمو، لأنني حين رفعت عينّي عن الجريدة، وجدت الحلاق الشاب واقفاً أمامي ويده اليمني تشير اليّ بالنهوض من مقعدي والتوجه نحو كرسي الحلاقة. ألقيت بالجريدة علي المنضدة المجاورة لي، ونهضت مستشعراً غضباً شديداً في داخلي. فكرت في الطريقة التي يمكنني بها الرد علي هذه العمو التي قذفها في وجهي دون رحمة ولا شفقة. فكرت ان أقول له بابتسامة ماكرة: لم أتشرف بعد بأن أكون أخا لابيك، ولا أود ذلك ، ثم خطر لي ان أكون أكثر قسوة وغضباً بأن أقول له: عمو في عينك ثم أغادر المحل ولن أعود له أبداً، الا أنني ترددت في فعل ذلك حين تأكدت ان الحلاق في مقتبل العمر، وتبين لي حجم عضلات ذراعيه، قلت في نفسي: المسامح كريم ، وقبل ان أتوجه الي كرسي الحلاقة خلعت معطفي وسترتي وعلقتهما في المشجب المثبت علي الجدار. حين جلست علي كرسي الحلاقة قطبت ملامح وجهي، وحرصت علي الا تقابل عيناي عينيه في المرآة المقابلة لي. سألني بأدب كيف أود لقصة شعر رأسي ان تكون، فرددت عليه باقتضاب لا يخلو من أدب. خلال عملية الحلاقة، وكعادة الحلاقين، بدأ يسألني بلطف عن البلاد التي جئت منها وكم من السنين قضيت في بريطانيا وغيرها من الأسئلة التي لا تجد مفراً من الاجابة عنها حتي وان كنت تعلم ان جميع من بالمحل يسمعون الحديث، بل ان بعضهم يتابعه بفضول. حين انتهي من عمله في دقائق معدودة، دفعت له أجره، وغادرت المحل علي عجل. في الطريق الي محطة قطارات ايرلز كورت فكرت في تلك العمو من جديد، وتساءلت عن السبب الذي جعلني أستقبلها كسُبة. تبين لي ان الشاب حين خاطبني بها كان يقصد ان يكون متأدباً مع رجل ـ زبون ـ لم تتبق شعرة سوداء واحدة في شعر رأسه، كما ان ملامح وجهه وبنيته الجسدية ليس فيها ما يدل علي ان اشتعال شعر رأسه بالشيب مجرد خطأ غير مقصود من أخطاء الطبيعة وناجم عن خلل في الهرمونات أو اختلال في الجينات، كما يحدث في قليل من الاحيان مع بعض الناس الذين يقابلهم المرء من حين لآخر، حين تقابل عيناه شاباً لا تخطئه العين، اشتعل شعر رأسه شيباً. تبين لي ان الحلاق، وفقاً لتقاليدنا العربية، كان شديد التأدب حين ناداني بعمو. تبين لي أيضاً أنني أنتمي لتلك الفئة من البشر التي ترفض بعناد حمار تقبّل فكرة ان الشباب لا يدوم، ومن الأفضل علي الانسان ان يتعامل مع سني عمره بشيء من الرضي والامتنان، ويتصرف وفقاً لها. تبين لي ان سنين عمري تسربت مني كماء من بين الاصابع، وأن الزمان لن يرجع خطوة واحدة للخلف مهما تمنيت أو ترجّيت. وتذكرت أنني، منذ زمن، وأنا أرفض فكرة أنني لم أعد شاباً، واتصرف بشكل يراه الكثير من الناس لا يتلاءم وسنوات عمري، ولا يناسب وقارالشيب الذي التهم، دون رحمة، سواد شعر رأسي. تذكرت أيضاً أنني خلال كل زيارة قمت بها الي مدينتي طرابلس كثيراً ما أسمع الشباب يخاطبونني بكلمة يا حاج. مرة في سوق الثلاثاء كنت أتسوق مع شقيقي الاصغر، حين سمعت صوت صبي من خلفي ينادي: يا حاج يا حاج ، التفتت فوجدت صبياً لا يتجاوز الثالثة عشرة من العمر يسألني ان كنت في حاجة لنقل ما تسوقته من خضر وفواكه في عربة صغيرة (برويطة) كان يدفعها أمامه. أذكر أنني نظرت اليه بشيء من الاستياء ثم نظرت باتجاه شقيقي الأصغر وقلت له: رد عليه يا حاج والتفت الي الخلف، وواصلت طريقي، يتبعني شقيقي وهو يضحك بشكل هستيري. وتواصل الأمر بعد ذلك في كل مكان أذهب اليه، وبدوري واصلت الرد بنفس المستوي من السخرية المرّة الممزوجة بسُم غضب لا يخفي. وصار الأمر موضع تفكه في بيتنا، بل ان بعض أشقائي الأصغر مني سنّاً صاروا ينادونني يا حاج من باب المزاح، الا أنني لم أتقبل مزحهم ولم أغفره لهم. لكنني وأنا واقف علي رصيف 4 في انتظار القطار الذي كنت أنتظره ليقلني لويمبلدون، ظللت واقفاً في وجوم وبما يشبه الأسي، ان لم يكن الحزن، متذكراً سنوات عمر ضاع في أروقة وممرات وزنازين سجون لا ترحم ، وعلي أرصفة وطرقات مدن غريبة لا مبالية، أخترقها بحثاً عنّي، مغالباً أحزاني، تنهش قلبي أسئلة لا تجد من يهدهدها، فهل يجدي بكاء أو عزاء؟ كاتب من ليبيا يقيم في لندن0