القطاع الخاص شريك
للدولة وليس الدولة
ونبدأ تقريرنا اليوم بأبرز ردود الأفعال على المرشحين للرئاسة عبد الفتاح السيسي وحمدين صباحي، ولأول مرة يجد المصريون أنفسهم في موقف اختيار بين اثنين فقط ينتمـــــيان إلى تيار سياسي واحد وينسب كل منهما نفسه إلى خالد الذكر، ورغــــم أن هذا التيار السياسي عريض جدا من الناحية الشعبية إلا أن الأحزاب والقــــوى الســــياسية التي تعبر عنه هزيلة وضعيفة إلى درجة مثيرة للتأمل والشفقة، بالإضافة إلى أنه حتى الذين كانوا يؤيدون الحزب الوطني أيام مبارك سيعطون اصواتهم للسيسي لأنهم يرون فيه صورة عبد الناصر، أي أننا أمام شعب لم ينقسم الى أحزاب سياسية في ما عدا الإخوان المسلمين والنور والوفد.
ومشكلة انتماء المرشحين إلى جذور واحدة قال عنها يوم الأربعاء زميلنا في ‘الأهرام’ سمير الشحات ناصري: ‘عند الحديث عن المرشح الرئاسي المشير عبد الفتاح السيسي يجد المتحدثون أنفسهم، ربما من دون أن يشعروا، في مفارقة عجيبة وهي أنهم يتوقعون من الرجل عندما يوفقه ويختاره الشعب رئيسا أن يكون عبد الناصر جديدا، لكنهم ينسون أو يتناسون أن عبد الناصر كان اشتراكيا.
هل تريدون من السيسي أن يكــــون رئيــسا اشتراكــــيا؟ فلماذا عبد الناصر تحديدا دون سواه، مع أن للرجل أخطـــاءه كأي حاكم بشر في الوجود؟ ببساطة لأن عبد الـناصر كان نصـــيرا للفقــــراء، ونظرا لأن مصر الآن في غالبيتها من الفقراء والعاطلــــين والبائســـين المحبطين، فإن المنطقي في تلك اللحظة هو استدعاء ناصر دون غيره من الزعماء.
فكيف اكتسب ناصر حب الفقراء يا ترى؟ هل بدعاء الوالدين أو بمداعبة عواطف الفقراء دونما انجاز حقيقي على الأرض؟ أبدا لقد انحاز عبد الناصر للفقراء فعلا.. فأحبوه.. لكن كيف انحاز؟ تلك هي المسألة لقد انحاز عبد الناصر للفقراء من خلال سياسات وقوانين ومشروعات حقيقية أدت إلى تحسين حياتهم. بنى لهم مدارس علمت أبناءهم ولولا تلك المدارس ما كنا أنا وأنت وربما السيسي وحمدين نفسيهما قد تعلما. وأقام لهم المصانع التي اشتغلوا فيها فانتشلتهم من طاعون البطالة الذي كان قد استشرى وتفشى قبل ثورة يوليو، حتى كاد الناس يأكل بعضهم بعضا. كما أنه أقام المستشفيات والمساكن الشعبية ومراكز الشباب وغيرها وغيرها مما يعجز القلم عن ذكره الآن، فكيف فعل ناصر ذلك كله هل ببركة دعاء الوالدين؟ أبدا بل من خلال سياسات سميت في حينها القوانين الاشتراكية، فهل يستطيع خليفته القادم بعد أسابيع لمقعد الرئاسة أن يفعل ما فعل؟ أي أن يتجرأ فيضع قوانين اشتراكية جديدة تناسب العصر لحماية الفقراء؟
الحقيقة أننا لم نسمع من كلا المرشحين شيئا من هذا حتى الآن، إنهما فقط يتحدثان عن الفقر والعوز وانعدام العدالة، من دون أن يذكر أي منهما كلمة اشتراكية. والغريب في الأمر انك تسمع القوم يرددون ليل نهار، لا بد من عودة الدولة، فإن أنت سألتهم وكيف تعود الدولة يا أحباب رسول الله يجيبونك عن عودة الشرطة والأمن وانضباط الشارع، هذا وحده لا يكفي وإن كان مطلوبا طبعا.
إن عودة الدولة تعني عودة الدولة لتدير كل شيء الزراعة والصناعة والاتصالات والتعليم والصحة والطرق، وستسأل مستهزئا يعني تريدنا أن نطلب من القطاع الخاص أن يغلق مصانعه واستثماراته وشركاته ويرحل؟ أبدا والله فليبق على الرحب والسعة ويسهم في تنمية اقتصاد وطنه، لكن تحت إشراف الدولة وحسب قوانين صارمة، وأن يكون مجرد شريك للدولة لا أن يكون هو الدولة.
صباحي لم يدرك الرفض
الشعبي لنموذج الدولة الرخوة
هذا أبرز وأهم ما جاء في كلام سمير والحقيقة أنه يثير قضية مهمة وهي تبرؤ الكثير من الاشتراكيين، على اختلاف ألوانهم، من إطلاق كلمة الاشتراكية أو الاشتراكي على أحزابهم السياسية باستثناء حزب التحالف الشعبي الاشتراكي الذي يترأسه صديقنا العزيز عبد الغفار شكر وحركة الاشتراكيين الثوريين وهي ليست حزبا. وكان من أعضائها صديقنا العزيز الأديب والشاعر الكبير محمود قرني الذي خرج من الحركة وتحول للهجوم عليها وأيد السيسي ضد حمدين قائلا في ‘الأهرام’ في اليوم التالي الخميس:
‘سيخسر حمدين صباحي الانتخابات الرئاسية ليس لأنه دون المقعد الرئاسي الذي لم يعد رفيعا، ولكن لأن شروط شغل هذا الفضاء الصعب تغيرت في ما يبدو من خلف ظهره، ورغم مشاركتي لكثيرين رأيهم في حصافة وذكاء ووطنية صباحي، إلا أن ذلك كله لم يعصمه من الزلل، وأظن أن أول عوارض هذا الزلل تكمن في عدم إدراك صباحي للرفض الشعبي الواسع لنموذج الدولة الرخوة، الذي أسفرت عنه صيغة ما بعد 25 يناير/كانون الثاني.
ولا شك أن انتساب صباحي لصناع هذا المشهد لم يعد من الأسباب التي يمكنها ترجيح حظوظه في الصعود، لا سيما وأن ثمة تحالفات صغيرة مع قوى راديكالية مثل 6 إبريل والاشتراكيين الثوريين تسهم في تكريس صورة تختلف لحد التناقض عن مفاهيم صباحي السياسية بشكل شبه جذري، وتحت وطأة الدعم السياسي يغامر الناصري الملتزم القادم مع رجع الفضاء القومي بالتحالف مع مجموعات أممية شبة فاشية تحت راية وهمية اسمها الثورة الشعبية، وكذلك مجموعات من الليبراليين الجدد المتهمين بحق وبغير حق بأنهم عملاء للعديد من أجهزة الاستخبارات. من هنا أظن أن الصراع السياسي غير المتكافئ بين رجل الثورة حمدين صباحي ورجل الدولة عبد الفتاح السيسي دفع بالملايين إلى الثاني. على صباحي أن يتفهم أن الدولة أكبر من مقعد الرئاسة وهو ما يلزمه وتياره بالعمل على القبول بنتائج الانتخابات، ما لم تكتنفها أخطار فادحة تؤثر على مجمل نتائجها’.
تغيير المواقف من
المرشحين وتقلباتها وارد
أما زميلنا وصديقنا رئيس التحرير التنفيذي لـ’اليوم السابع’ أكرم القصاص ـ ناصري ـ فقد أشار إلى فوضى المعركة بقوله:’رأينا عددا من حلفاء حمدين صباحي في الانتخابات الرئاسية الماضية تركوه وانضموا إلى مؤيدي السيسي، ومنهم المخرج خالد يوسف، الذي كان أحد أهم أضلاع حملة صباحي الماضية، وأبناء الرئيس جمال عبد الناصر وأعداد من الناصريين واليساريين ممن كانوا حلفاء طبيعيين لحمدين، وفي المقابل هناك ناصريون كانوا مؤيدين لمنافسي حمدين أصبحوا اليوم معه، ومنهم من كان يعادي صباحي في الانتخابات الماضية، قرروا التصويت له الان. وبالتالي فإن تغيير المواقف وتقلباتها وارد وقد يحتاج لتفسيرات، لكنه لا يستدعي كل هذه الحروب التي تتحول إلى سب وقذف’ .
الانتخابات الرئاسية
والمنافسة فيها تقتضي الهجوم
وهو الموقف ذاته الذي اتخذه زميلنا في ‘الفجر’ محمد الباز بقوله:’تكسير حمدين صباحي لا يصب في صالح السيسي بأي حال من الأحوال، بل بالعكس ربما يؤدي الهجوم على حمدين، من قبل مؤيدي السيسي، إلى أن يكسب صباحي أرضا جديدة. سيقولون ان الهجوم عليه معناه أن جبهة المشير تخافه وتخشاه، ولذلك يمعنون في تشويهه حتى لا يكون رقما صعبا في الانتخابات الرئاسية. حمدين صباحي في النهاية سياسي مخضرم تاريخه السياسي يزيد بالفعل على 40 عاما خاض خلالها معارك وصلت درجة حدة بعضها إلى تكسير العظام داخل السجن. أكثر من مرة حورب في رزقه وفي بيته، وطالما انه نزل إلى مستنقع السياسة كان لابد أن يلحقه أذاه. ولذلك ليس من الطبيعي أن يبحث البعض عن هنات صباحي ويحسبها عليه الآن، فلو أن السيسي مارس السياسة بطريقة حمدين نفسها لكان لديه هو الآخر هنات كثيرة. لا يمكن أن نشكك في نوايا حمدين صباحي لمجرد أنه قرر أن ينافس السيسي في الانتخابات الرئاسية، فالمنافسة حق للجميع وليس طبيعيا أن يغضب البعض من حمدين عندما يهاجم السيسي، وربما ينتقص منه ومن دوره في بعض الأحيان، لأننا في النهاية أمام انتخابات رئاسية والمنافسة فيها تقتضي الهجوم’.
خائن وعميل كل من ينتقد السيسي!
وانتقلت المعركة يوم السبت إلى ‘أخبار اليوم’ وشارك فيها زميلنا الساخر محمد عمر ضد مهاجمي حمدين بقوله عنهم:’لا أفهم ولا أستوعب ذلك الهجوم غير المبرر والعبيط أحيانا على حمدين صباحي، فنصف من يهاجمونه لا يعرفون عنه شيئا ولا عن تاريخه، والنصف الآخر تكمن معاداتهم له لأنهم مستكترين عليه يترشح رئيس، وعلى أي حال فكلا النصفين في تقديري أصحاب ذكاء محدود ونظرة قصيرة للغاية، لأنهم لا يدركون أن منافسة حمدين للسيسي مكسب لهم وللبلد في كل الأحوال، فحتى لو خسر صباحي الانتخابات الرئاسية سيكون على الأقل معارضا في وقت خلت فيه مصر أو تكاد تخلو كليا من المعارضة، بعد أن سلمت كل الأحزاب السياسية ذقنها للسيسي. يا سيدي من يهاجمون ويشرشحون صباحي ليل نهار لا يستوعبون أنهم بذلك يحطمون المعارضة الوحيدة المتبقية لهم، التي يمكن أن يستندوا إليها يوما ما، خاصة بعد أن نجح الإعلام وبامتياز طوال الفترة الماضية في تصوير كل من يعارض أو ينتقد المشير السيسي على انه، إما خائنا أو متآمرا أو تربية إخوان ومدعوما ضده من قطر، وهذا الوضع سيجعل الأحزاب السياسية كلها تفكر مليون مرة قبل أن تعارضه حتى لا تدهسها الآلة الإعلامية وتجد نفسها بين يوم وليلة قد تحولت لأحزاب خائنة وعميلة. أضف إلى ذلك أو حط فوق ده ما هو أخطر، فمجلس النواب المقبل هناك من يسعى من الآن لتكوين أغلبيته خلف ووراء السيسي وحاليا تتكون ائتلافات بين بعض من نواب الوطني السابقين إلى جانب أحزاب جديدة لتشكيل تلك الأغلبية البرلمانية بالقائمة والفردي وبالتعيين، بما يعني لي ولك في نهاية الأمر أن كل منافذ المعارضة المتاحة، أحزابا ومجلس نواب ستكون قد أغلقت في وشنا’.
لماذا ترك أولاد عبد الناصر حمدين؟
وننتقل إلى ‘المصري اليوم’ لنقرأ لزميلنا وصديقنا العزيز حمدي رزق ـ ناصري ـ هجوما ضد زميلنا وصديقنا العزيز حمدين قال فيه:’حقا حمدين صباحي قضي أربعين عاما ونيفا من عمره يتعبد في محراب عبد الناصر ويلهج بذكر عبد الناصر، ويقص صور عبد الناصر ويلصقها في ألبوم تحت المخدة الصغيرة، ويحفظ خطب عبد الناصر عن ظهر قلب يسمعها غيبا وينام ويصحو على مأثورات خالد الذكر ويرتدي قميص عبد الناصر على اللحم في الشتاء الساداتي القارص. ولكن بالله عليك يا حمدين هل لديك تفسير لموقف أولاد عبد الناصر من صلبه من ترشحك رئيسا، واصطفافهم جميعا الى جانب المشير وهجرك غلاة الناصريين وهاجمك رموز الاشتراكيين. كيف استقبلت يا حمدين خبر استقبال المشير وفد الناصريين والاشتراكيين؟ كيف ولماذا ومتى نفض الناصريون أيديهم من حلفك؟ أه لو تكلم سامي شرف شيخ مشايخ الطرق الناصرية، لكنه يلتزم الصمت إجلالا لذكرى خالد الذكر الذي تتلبس اسمه’.
حمدين: عائلة عبد الناصر ليست سياسية
ثم نعود لـ’أخبار اليوم’ لنقرأ ردا غير مقصود على حمدي رزق من حمدين في حديث على صفحتين معه نشرته الجريدة وأجراه معه زميلانا محمد سعيد واحمد ممدوح اللذان سألاه:
– ماذا عن الناصريين وعلى رأسهم عائلة عبد الناصر الذين أعلنوا تأييدهم للسيسي؟..
قال حمدين: عائلة عبد الناصر فوق الكلام لما لها من مكانة كبيرة في قلبي، كما أنها لا تعتبر عائلة سياسية. وعبد الناصر لم يكن مشروعا عائليا، وإنما مشروع أمة، والذي يعبر عنه شعبه وليس عائلته فقط وبالمناسبة كافة الناصريين يدعمون ترشحي عدا بعض الأفراد منهم، وهذا حقهم لأنني لست مرشحا ناصريا وإنما طرحت نفسي متبنيا فكرة واضحة وهي ضرورة أن تصل الثورة للحكم كي تحقق أهدافها. لذا فأنا أعتبر نفسي مرشحا لتيار رئيسي في مصر، الناصريون جزء منهم. كل التيارات والاتجاهات السياسية تعاني من الخلافات، سواء الناصريين أو الماركسيين أو الليبراليين، بما فيهم حزب الوفد وحزب الكرامة الذي يساندني بعد الحزب الناصري الرئيسي، أما الحزب الناصري فهو منقسم’.
السيسي وضياع الحلم عام 1967
وفي عدد ‘أخبار اليوم’ نفسه نشر الجزء الثاني من الحوار الذي أجراه رئيس مجلس إدارتها زميلنا وصديقنا العزيز ياسر رزق وزميلنا وصديقنا العزيز محمد عبد الهادي علام مع السيسي:
– هل بكيت عندما سمعت خبر وفاة عبد الناصر؟
فقال: بكيت.. مصر كلها بكت بل العالم والضمير الإنساني والوطني كله بكى، شعرت بأن الدنيا كلها راحت أكثر مما هي رايحة.
هذا وكان السيسي في الجزء الثاني من حديثه الذي أجرته معه الإعلامية الجميلة لقناة العربية سكاي نيوز زينة يازجي قد سألته:
– ماذا تعني لك سنة 1967؟ فقال لها:
ضياع الحلم’.
السيسي ليس كائنا فضائيا
هبط على كوكب مصر
وننتقل الى ‘المصري اليوم’ عدد امس الاحد لنقرأ مقال الكاتب عمرو الشوبكي الذي عنونه بـ’ماذا لو اكتسح السيسي’ قال: ‘لا أريد أن أقول إن فوز عبدالفتاح السيسي في هذه الانتخابات أمر مؤكد، وإن توقعي أن تكون النسبة حول الـ70′ من أصوات الناخبين، والسؤال ماذا لو ارتفعت إلى أكثر من ذلك ووصلت إلى 80’ وماذا يعني فوزه بنسبة مرتفعة في انتخابات نزيهة؟ حجج بعض المتعالين عن الشعب المصري جاهزة بأن الانتخابات محسومة لأسباب تتعلق بدور الإعلام والدولة العميقة في توجيه الناخبين، بدون أدنى اعتراف واحترام بأن هناك ملايين المصريين اختاروا أن يؤيدوه لأنهم اعتبروه مرشحاً قوياً سيعيد لهم مؤسسات الدولة، ويتحدث عن العمل والتنمية والبناء، بعد أن سئموا خطاب الثورة المستمرة والفوضى والاستباحة العبثية على مدار 3 سنوات. النقاش الجاد يكون، هل السيسي قادر فعلا على حل مشكلات مصر؟ وليس أن الشعب جاهل ويحب العبودية (كما يقول بعض المتنطعين)، ولذا راهن على السيسي كما راهن من قبل على عبدالناصر، وكانت نفس الأشكال تثرثر وتنظر ضده وهو يصنع تاريخ مصر والعالم العربي، وانتقلت مع السيسي من المقاهي إلى العالم الافتراضي. من يريد أن يساعد هذا البلد للخروج من أزماته عليه أن يبدأ بالاعتراف بشعبية الرجل، أو بالأحرى شعبية هذا ‘البروفايل’ في هذا التوقيت ويحترمه، ثم بعد ذلك يسأل نفسه إذا كان مؤمنا به كيف يساعده؟ وإذا كان يختلف معه يعارضه ويقدم بديلا متكاملا لمشروعه.
إن الشعبية الكبيرة لرجل قادم من خارج الأحزاب والحركة السياسية لا بد أن تثير علامة استفهام حول حجم الأزمة في بنية هذه الأحزاب وفي أدائها وفي شعبيتها، وعجزها عن تقديم مرشح واحد للمنافسة في الانتخابات الرئاسية! الإجابة بالتأكيد نعم هناك أزمة، حتى لو أضفنا لها أن الأحزاب السياسية ضحية التجريف الذي جرى على مدار 30 عاما، والصوت الاحتجاجي على مدار 3 سنوات. ولكنه في النهاية واقع يجب أولا الاعتراف به حتى يمكن تغييره. السيسي ليس كائنا فضائيا هبط على كوكب مصر فانبهر به الناس، إنما هو ابن بيئة سياسية محددة ونموذج متكرر في التاريخ المصري، جعل جانبا كبيرا من شعبيته يرجع لحالة الضعف والوهن التي تعاني منها الحياة السياسية والحزبية، وهو مشهد يذكرنا (مع الفارق بين الشخصيتين والعصرين) بشعبية عبدالناصر التي نالها منذ إطلالاته الأولى في صورة البطل القومي القادم لكي يخلص الأمة من فشل الأحزاب ومن الاحتلال ومن فساد النظام الملكي. السيسي جاء في سياق آخر في صورة المخلص الذي أنقذ البلد من حكم الإخوان ومن الانقسام الحزبى ومن الفوضى والعشوائية السياسية، وأعطى إشارات اعتبرها البعض غير ديمقراطية، ولكنها تتشابه مع ما يعرف في العالم بنظم التعددية المقيدة (روسيا بوتين نموذج) التي تسمح بهامش للمعارضة وتقبل بنزاهة انتخابات تكون نتيجتها معروفة سلفا، ولكن هذا النموذج ليس قدرا خالدا، ويمكن تجاوزه بأداء مختلف عن الذي شهدناه على مدار الثلاث سنوات الماضية.
درس شعبية السيسي وفوزه أو ربما اكتساحه للانتخابات الرئاسية لا بد أن يتعامل معه كل من يرغب في تقدم هذا البلد، باحترام دوافع انحياز الشعب في هذه اللحظة لهذا النموذج، ثم بعد ذلك خلق بديل سياسي مدني ومؤسسات حزبية قادرة على المنافسة وليس الصريخ والاحتجاج، وعدم تحويل نموذج المرشح القادم من المؤسسة العسكرية إلى نموذج وحيد لحكم مصر، إنما فتح الباب أمام بدائل متعددة يكون فيها للأحزاب والجمعيات الأهلية والمجتمع دور رئيسي في بنائها.
القنوات الخاصة ‘تكوش’
على كعكة الإعلانات
وإلى المعارك والردود، حيث استمرت المعارك بسبب الاتفاق الذي وقعه اتحاد الإذاعة والتلفزيون مع تلفزيون ‘أم بي سي’ وتعرضه لهجمات عنيفة من بعض القنوات والصحف الخاصة تتهمه بتعريض الأمن القومي للخطر، وهي الاتهامات التي رد عليها في ‘الفجر’ رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون عصام الأمير بقوله في حديث نشرته له ‘الفجر’ وأجراه معه زميلنا أشرف شرف ومما قاله: ‘فليتركوا اتحاد الإذاعة والتلفزيون لأننا في وسائل إعلامية منافسة، ولا يجب عليهم التدخل في طريقة إدارتي للتلفزيون، صحيح أنها ملك للشعب وأنا الأخ الأكبر، لكن هناك مؤسسات كبيرة في الدولة تتعامل معي وتحاسبني منها، الأمن القومي والأمن الوطني والجهاز المركزي للمحاسبات فليهتموا هم بشأنهم، لأن هذه القنوات لها سياساتها وأنا لي إدارتي للتلفزيون، فليهتم كل منا بشأنه فأنا لم أعلق كاتحاد على قرار تلك القنوات بتكوين ما يسمي بغرفة حماية صناعة الإعلام المرئي والمسموع، ولم أقل لماذا لسنا معكم؟ كما أننا لم نعلق على قرار قنوات الحياة فسخ تعاقدها مع وكيلها الإعلاني اللبناني، بعد أن ظلت معه نحو ست سنوات كاملة، وكذلك لم نعلق على تكوين القنوات الخاصة الكبيرة إدارة فيما بينها لإدارة إعلاناتها لم نتدخل ولم نقل لهم إيه اللي بتعملوه ده خطر علينا لأنها محاولة منهم للتكويش على كعكة الإعلانات في مصر.
أهم بنود الاتفاقية مع أم بي سي هي محاولة لعمل شراكة قوية مع كيانات كبيرة لمحاولة تعويضنا عن أشياء نفتقدها، فمثلا ربما تعطيني أم بي سي حق عرض مسلسل صاحب السعادة لعادل إمام في رمضان القادم كإهداء منها أو حتى يكون لها نسبة في الإعلانات، وأنا ظروفي المادية حاليا لا تسمح لي بشراء العمل مثلا.
من يهاجمني من مؤسسات صحافية ما هي إلا جرائد تابعة لتلك القنوات وإدارتها وتخدم مصالحها الخاصة. خوفهم من عودة التلفزيون للسيطرة على الإعلانات كما كان قبل الثورة، حيث كان له ثلث الإعلانات الموجودة في السوق، لذا يرفضون أي محاولة لتطوير هذا المبنى خوفا على مصالحهم، وهناك رغبة حقيقية لدى البعض أن يظل الوضع كما هو عليه’.
ماذا سيفعل الرئيس القادم
في وطن وقع في يد المافيا الاعلانية؟
أيضا استمر زميلنا وصديقنا العزيز في ‘المصري اليوم’ محمد أمين في هجومه ضد القنوات الفضائية وطالب السيسي بالانتباه للخطورة التي أصبحت تمثلها وقال عنها وعن أصحابها يوم الخميس:’كيف يتصرف المشير مع رجال أعمال يظنون أنهم أصحاب الفضل عليه؟ كيف يتصرف مع فضائيات تحاول هدم تلفزيون الدولة لتتحكم في كل الملفات الوطنية؟ كيف يكون رد فعل المشير عندما يطلب خفض الأسعار فيكشف أن تكلفة الإعلانات حوالي خمسين في المئة من سعر المنتج، وأنها تذهب مباشرة إلى شركات احتكار الإعلانات. يا سيادة المشير اقتراب البعض منك هيأ له أن يبيع ويشتري فينا، صور البعض معك جواز سفر لفساد جديد ينبغي الالتفات إليه من الآن، هل يعلم بعض صغار الإعلاميين ضرورات الأمن القومي أكثر من رئيس الوزراء والأجهزة السيادية ‘الحكاية فيها إنّ’ .
المسألة من أولها لآخرها كعكة الإعلانات كما قال الدكتور حسن عماد عميد كلية الإعلام، الحكاية هي إسقاط الإعلام الرسمي ساعتها تبيع المافيا وتشتري في مصر، ساعتها تتحكم في الرسالة الإعلامية. أتصور أنه لابد من تفكيك هذا الاحتكار قد يقوم بهذه المهمة المجلس الوطني للإعلام، أو أي جهة سيادية أخرى أو حتى عن طريق تحريك دعاوى ضد هذه الفضائيات ‘بكرة تقولوا’ . المطلوب من الآن ميثاق شرف يحدد الضوابط، وإلا فالكارثة، عندنا مافيا الأراضي.. عندنا مافيا السلع والحديد والأسمنت، حتى مافيا أراضي المقابر، فماذا يفعل الرئيس القادم في وطن وقع في يد المافيا للأسف’.
المليارات تنفق على برامج
الغناء والرقص وألعاب الحواة
لكن يوم السبت قام زميلنا في ‘الوطن’ محمد البرغوثي بالرد على محمد أمين قائلا:’تحولت قضية عقد أو مذكرة التعاون بين اتحاد الإذاعة والتلفزيون ومجموعة قنوات أم بي سي إلى معركة ملتبسة، حاول فيها البعض ومن بينهم للأسف الزميل محمد أمين، أن يصور غضبه على قنوات ‘الحياة، سي بي سي، النهار، دريم وأون تي في’ باعتبارها محاولة لهدم تلفزيون الدولة، حتى تنفرد مافيا الفضائيات الخاصة المصرية بكعكة الإعلانات، ويحرض المشير عبد الفتاح السيسي ضد الفضائيات المصرية الخاصة، ويذهب إلى وضع هذه المهمة المقدسة على قائمة أعمال المشير عندما يصبح رئيسا. المثير في الأمر أنني توقفت مذهولا أمام جملة ‘ساعتها تبيع المافيا وتشتري في مصر، وساعتها تتحكم في الرسالة الإعلامية’، وفكرت أن أتصل بالزميل وألفت نظره إلى أن هذه الجملة تحديدا بما تحمله من معنى رهيب هي ذاتها التي أقامت الدنيا ولم تقعدها ضد مذكرة التعاون بين تلفزيون الدولة ومجموعة أنطوان شويري الإعلانية، وهي مجموعة لم يعد هناك من يجهل أنها مجرد ذراع إعلامية واستثمارية جبارة لميلشيات حزب الكتائب اللبناني الماروني، وأن وجود أي نوع من التعاقد أو مذكرات التعاون أو التفاهم لهذه المجموعة مع تلفزيون الدولة هو أمر يتجاوز صميم العمل الإعلامي أو الإعلاني المحض، إلى أوار سياسية ينبغي أن يستحضرها محمد أمين وهو يتحدث عن خوفه من المافيا التي تبيع وتشتري في مصر وتتحكم في الرسالة الإعلامية. من حق مجموعة شويري ومن حق أيوس ومن حق كل الوكالات الإعلانية أن تعمل في دول الخليج، حيث تسببت مجموعة شويري في خروج مئات الوكالات الإعلانية، حيث السوق الخليجية وتدخلت بشكل صارخ في تحديد مضمون البرامج ونوع الدراما، حتى غرق العالم العربي كله تحت شلال هادر من التفاهة، وتم تغييبه بشكل متعمد ومدروس عن إدراك قضاياه المصيرية، وأصبحت معارك التصويت للمتسابقين في برامج الغناء والرقص وألعاب الحواة هي فقط الساحات التي ينبغي علينا أن ننفق فيها المليارات’.
حسنين كروم