زهرة مرعي
نأمل من القادة العرب الذين التقوا في سرت نهاية الأسبوع الماضي أن يكونوا قد أمعنوا النظر في الصورة التي التقطتها الكاميرات لفتى فلسطيني يطير في الهواء ويرتطم على مقدمة سيارة مستوطن في حي سلوان في القدس، ولآخر يرتمي أرضاً بفعل الصدمة. صورة تُصنف في غاية النجاح في المعايير التقنية والمهنية، وتُصنف في غاية التعبير عن المشاعر التي يكنها المستوطنون للفلسطينيين في القدس وفي سواها. وربما تكون هذه الصورة التي يصنف فعلها قضائياً بالجنائي مرشحة لنيل جوائز في مسابقات الصور الدولية لهذا العام، هذا إذا لم يلعب اللوبي الصهيوني لعبته المضادة. إمعان النظر في تلك الصورة لا يتطلب جهداً ولا كثيراً من الوقت. هي لقطة بثتها الفضائيات مراراً يوم الجمعة الماضي، ورسختها الصحف في اليوم التالي. وفي ذلك الحين كان المجتمعون في سرت يتباحثون مع محمود عباس في شؤون المفاوضات وشجونها. أليست الجامعة العربية راعية وداعمة لتلك المفاوضات كي تصبح مباشرة؟ أصبحت المفاوضات مباشرة، وبدل أن يكون التفاوض على أسس تنطلق من حدود 1967 كدولة مفترضة للفلسطينيين، ها هم الصهاينة يديرون تلك المفاوضات من خلال فزّاعة العودة إلى البناء في المستوطنات، وكأنهم بذلك حققوا شرعية كاملة في أرض فلسطين الطبيعية، ويتابعون الآن تحقيق تلك الشرعية بالاستيطان في الضفة الغربية. أخطاء التفاوض مع الصهاينة كثيرة، وأهمها أنها لم تنطلق من مسلمات يجب أن يقر بها العدو. ومهما كان حجم الضغوط الأمريكية فهناك قرارات دولية يفترض أن تشكل أساساً لهذا التفاوض.
في كل الأحوال فنحن كمواطنين راقبنا ونراقب القمم العربية، شغلتنا الاستقبالات والاحتفالات بهذه القمم، لكننا ومنذ أمد بعيد عقدنا آمالنا على الفتية أمثال هؤلاء الذين كانوا يواجهون المستوطنين في حي سلوان. وليس لنا أن نعقد آمالاً على من اعترفوا بعد 17 سنة على أوسلو بأن السلطة الفلسطينية ‘أكذوبة’. وهم من صدقها وتنازل عن الكثير من المسلمات رغبة بالحفاظ على نعمها. فالسلطة أعطت امتيازات للبعض صار من الصعب العيش بدونها. لكن هل نصدق بأن الكيل طفح بأصحاب السلطة وهم حتى اللحظة راضون بتحويل المفاوضات من قضية شعب يريد استعادة أرضه المسلوبة إلى قضية مستوطن جاء من أوروبا ويريد مسكناً لابنه الذي عقد النية على الزواج والانجاب على أرض محتلة. المفاوضات ليست مستوطنات وليست في سلطة تتنعم ‘بامتيازات’ لقاء خدمات تقدمها للاحتلال، المفاوضات هي لاستعادة الأرض والحقوق. وبغير ذلك أتركوا أمر الأرض التي يستحيل استردادها من دون مقاومة لفتية حي سلوان، ولغيرهم من الفتية أصحاب البنية القوية والإيمان بأن لا مفاوضات ممكنة من دون مقاومة تخلق توازنا على الارض.
لقاء مع القس الجاهلعندما قرر القس تيري جونز حرق نسخ من القرآن الكريم بمناسبة 11 أيلول/سبتمبر كان برنامج ‘للنشر’ على قناة الجديد اللبنانية في استراحة المحارب. ومع عودته السبت الماضي قرر أن يكون ذلك القس ضيفه عبر اللينك من الولايات المتحدة. منذ بداية الحلقة أكد طوني خليفة أنه أقدم على هذه الخطوة بعد استشارة المراجع الدينية اللبنانية من مسيحية وإسلامية، والذين كانوا ممثلين في الإستديو وعلى مستوى رفيع. القس الأمريكي قال بأن ‘الله دعانا لحرق القرآن في تحذير للإسلاميين المتشددين’. وقد جاء ذلك رداً على سؤال من خليفة عن سبب ودوافع إقدامه على هذا السلوك. في نظرتنا لهذا الرجل وفي مطالعتنا لمساره، فهو شبيه لرئيسه السابق المتمتع بغباء استثنائي جورج بوش. هذا الرجل الذي حكم البيت الأبيض والأمريكيين والعالم لثماني سنوات، وغزا أفغانستان والعراق قائلاً بأنه لبى ما أمره به الله. فهل أمره الله بقتل وتشريد ملايين البشر الآمنين؟ وكيف دعا الله جونز لتحديد يوم عالمي لحرق القرآن وهو لم يقرأه؟ فهما معاً يجب أن يسجنا بتهمة التطاول على الله. لكن من يحاكم من والعدالة الدولية بيد من لا يعرف العدل. في هذه العجالة التلفزيونية وجد رجلا الدين اللبنانيان نفسيهما في ورطة الحوار مع رجل يصح فيه وصف الأمي والجاهل. فهو كتب كتاباً تحت عنوان ‘الإسلام هو الشيطان’ من دون أن يكلف نفسه عناء قراءته. حتى عندما قرأ الكتاب المقدس ووصف القرآن من خلال تلك القراءة بأنه ‘كتاب ملعون’ و’بأن الدعوة التي حصل عليها النبي محمد لم تكن من الله بل من الشيطان’، فهو فسر الكتاب المقدس وفق ما يريد وليس على حقيقته، أو هو قرأ كتاباً ليس بالكتاب المقدس الأساسي. ولهذا قال عنه رجل الدين المسيحي: هذا ليس برجل دين. وليس مسيحياً. المسيحية مسامحة وعفو واحترام للآخر. هو يتبع فئات اختلطت بالمسيحية، هو ليس ببعيد عن شهود يهوا، وليس بعيداً عن المسيحية الصهيونية الموجودة في الولايات المتحدة، وهذا طبعاً وصف كاف لوضع ذلك الذي يدعي بأنه قس في حجمه الطبيعي.
إذا كان كل ما يبثه التلفزيون يحمل رسائل وله أهداف، فنحن كعرب وصلتنا الرسالة منذ زمن بأن تيري جونز مجنون عظمة وجاهل. وإن كانت الرسالة التالية تتمثل بضرورة محاكمة رجل الدين المسيحي الحقيقي لهذا الرجل الذي يدّعي المسيحية فهذه الرسالة وصلتنا بأفضل صورها مساء السبت، كما وصلنا منذ زمن بعيد بأن المسيحية دين تسامح. أما الرسالة الأهم وهي إيصال الإسلام على حقيقته وليس كما يسوق بحقه تيري جونز من افتراءات، فهذه مهمة طويلة الأمد يلزمها لغة تخاطب إنكليزية موجهة للرأي العام الأمريكي وسواه في الغرب.
أما فائدة اللقاء مع ذاك المعروف بجونز ومن الولايات المتحدة فليست بذات بال. والحق يقال انه وأمثاله من المتعصبين المجانين، ولأي دين انتموا يلزمهم حجر صحي. فهم ملوثون خطرون للحياة في البيئة التي ينتمون إليها.
من لا يملك طعامه لا يملك قرارهكان أحمد منصور في حلقته الأخيرة ‘بلا حدود’ مدافعاعن الأمن القومي المصري ومن خلاله عن الأمن القومي العربي. ولكن مع السقوط العربي المتتالي والمريع بعد اتفاقيات كمب ديفيد، لم يعد القمح قوة إستراتيجية مصرية، بل تمّ استبدالها بسلسلة المطاعم والعادات والسلوكيات الغربية. وبدل زرع الحقول بالقمح أصبحت تُزرع بـ’الفراولة ويتم تمهيدها لتصبح ملاعب غولف’ كما قال مواطن مصري.
في حلقته تلك استقبل أحمد منصور نقيب الزراعيين المصريين الدكتور عبد السلام جمعة الذي يقوم كذلك بدور رئيس الحملة المصرية للنهوض بزراعة القمح. رغب منصور بالاطلاع على الأسباب والمسببات التي أدت لتحول مصر من بلد لديه اكتفاء ذاتي من القمح، إلى مستورد رئيسي من هذه المادة الإستراتيجية. كانت الحجة الأولى كامنة في النمو السكاني السريع، وتالياً تراجع اهتمام الفلاح بالأرض؟ هما معاً سببان أو مشكلتان أو حتى قضيتان مسؤولة عنهما الحكومة أو الحكومات المتعاقبة. فالسياسات الاستباقية والخطط الخمسية هي التي توازن بين النمو السكاني والحاجات. كما أن السياسات التي تحمي الفلاح ومحصوله هي التي تجذِّره في أرضه أو تقتلعه منها. هذه هي مسؤولية الحكومات وليس الشعب.
ومن الحجج التي سمعناها من نقيب الزراعيين تراجع منسوب الأمطار. الأمر الذي زاد من استنفار أحمد منصور المستنفر أصلاً نصرة للقمح ولامتلاك القرار. فتساءل: أمَّال النيل بيعمل إيه؟
في هذه الحلقة لم يتمكن النقيب المصري من الصمود بوجه الهجوم القوي الذي أمسك أحمد منصور بناصيته بجدارة. هو لم يصدق الخطة العامة للنهوض بالقمح من سنة 2010 حتى سنة 2030. ووصفها منصور بالكلام والتواريخ والخطط التي سمعنا منها الكثير. لم يتمكن نقيب الزراعيين من تحديد المسؤول عن هذا التدهور، ووضع المسؤولية على عاتق الفلاح. في حين وجد منصور في المعاهدات بين الولايات المتحدة التي تدعم إسرائيل، وبين مصر التي صارت تدعم الفلاح الامريكي بشراء قمحه بيت القصيد. وهو ما تجاهله تماماً نقيب الزراعيين.
الاستنتاج الأهم الذي وصلت إليه تلك الحلقة أن مصر دولة زراعية، ورغم ذلك الدولة غائبة عن المزارعين. وهذا ليس بحال مصر وحدها، بل حال كافة الدول العربية التي لم تسمع ما كتبه جبران خليل جبران ‘ويل لأمة تأكل مما لا تزرع وتلبس مما لم تصنع’. قول يشبه ما بدأ به أحمد منصور حلقته ‘من لا يملك طعامه لا يملك قراره’. نحن في هذه الأمة العربية في ويل كبير. نحن أمة استهلاك واستيراد ونتباهى بسلوكنا الملوث بسموم العنجهية والتباهي، والملوث للبيئة كذلك.
صحافية من لبنان[email protected]