من حسنين كرومكانت الأخبار والموضوعات الرئيسية في الصحف المصرية الصادرة امس الاثنين عن قرارات القمة العربية – الافريقية في مدينة سرت في ليبيا، وعودة الرئيس مبارك الى أرض الوطن، واستمرار الشكوى والصراخ من ارتفاع أسعار الخضراوات لدرجة دفعت زميلنا وصديقنا الرسام الكبير جمعة فرحات لان يتجول بنفسه في الأسواق وشاهد واستمع لطفل يبكي ويطلب من والده ان يشتري له فاكهة، لكن أبوه المفلس قال له – في ‘الأهرام المسائي’ – يا حبيبي انسى الفاكهة بالأسعار دي تبقى مسمومة.
وبالنسبة لتطورات قضية جريدة ‘الدستور’، فقد قام رجل الاعمال ورئيس حزب الوفد الدكتور السيد البدوي ببيع حصته فيها لشريكه رجل الاعمال رضا إدوارد، وانتخابات المجمع الانتخابي للحزب الوطني واعتقال عشرين من الإخوان المسلمين، وهزيمة منتخب مصر لكرة القدم من النيجر في المباريات المؤهلة لكأس الأمم الافريقية، والمؤتمر الصحافي الذي عقده المستشار الدكتور سري صيام رئيس مجلس القضاء الأعلى ونقيب الصحافيين مكرم محمد أحمد وأكد فيه المستشار سري أن قرار منع نقل الجلسات ينطبق على التليفزيون والإذاعة، وسيسمح للصحافيين بحضور الجلسات بشرط الالتزام بالتعليمات، بحيث يكون نقل ما يدور فيها أميناً.
وإلى شيء من أشياء عندنا:
علاقة الصحافة برأس المال والقواعد التي يجب أن تحكم هذه العلاقةونبدأ تقريرنا اليوم بتوالي ردود الأفعال على ما تعرضت له جريدة ‘الدستور’، حيث شهدت صفحات ‘المصري اليوم’ يوم الأحد، أربعة مقالات عنها كلها تعاطف معها، واستنكار لما تعرضت له، وأولها لزميلنا في ‘الأهرام’ الدكتور عمرو الشوبكي وقوله، وهو في غاية الحزن والأسى: ‘أصبحنا أمام تساؤلات كبرى حان وقت مناقشتها حول علاقة الصحافة برأس المال والقواعد التي يجب أن تحكم هذه العلاقة، والقيود القانونية التي مازالت تحرم الصحافيين وغيرهم من امتلاك أسهم في الصحف. صحيح أن صيغة المالك الفرد موجودة في كل بلاد العالم، لكن بجوارها هناك صحف كبرى مملوكة لمحرريها ولآلاف المواطنين من خلال الأسهم، وتحميها ترسانة من القوانين والقواعد المنظمة للعلاقة بين المالك ومحرري الصحيفة.
والمؤكد أن الصحافة المصرية خسرت صحيفة مؤثرة وجريئة مثل ‘الدستور’ بعد أن نجحت بإمكاناتها المادية.
والمؤكد أن نجاح ‘الدستور’ يرجع الفضل الأول فيه إلى رئيس تحريرها إبراهيم عيسى ونجاحه المؤكد في خلق ‘وصفة سحرية’ جعلت الصحيفة مقروءة على نطاق واسع ولديها مصداقية كبيرة في أوساط قطاع كبير من القراء والرأي العام، رغم رفض البعض خطها واتهامها بعدم المهنية والتشكيك في قدرتها على الاستمرار في حال أصبحت مصر بلداً ديمقراطياً لأنها صحيفة لا تعرف إلا الاحتجاج.
والتجربة لم يكن فيها فقط إبراهيم عيسى إنما أيضاً إبراهيم منصور وجمال فهمي وخالد السرجاني وكتيبة من الشباب مدهشة في إخلاصها وتفانيها، وأعطت الامل بأن الصحافة المصرية ما زال قلبها ينبض بقيم مهنية عظيمة وحس سياسي نادر، وما زال فيها صحافيون ينتفضون دفاعا عن مبدأ وسياسة تحريرية وخط أياً كان الاتفاق والاختلاف معها.
لقد أعطى هؤلاء الشباب دروساً ورسائل لنا جميعاً تتطلب منا جهدا حقيقيا لفهم معانيها، قد يضطر شباب ‘الدستور’ لدخول مرحلة جديدة ستفرضها عليهم قواعد العمل والوظيفة، ولكنهم أطلقوا لنا جرس إنذار عن حال الصحافة في مصر ومستقبلها ويجب علينا أن نستمع له قبل فوات الأوان، فالمؤكد أن ‘الدستور’ القديمة قد انتهت ولكن هناك مائة دستور يمكن أن تفتح وعندها ستكون مصر قد تحولت نحو الديمقراطية، ووضعت قواعد حقيقية تحول دون احتكار رأس المال العشوائي للإعلام والصحافة’. سياسة ‘الدستور’ بين الوفد والبرادعيوثاني المهاجمين كان زميلنا أحمد الصاوي الذي لم يهدأ منذ وقوع الأزمة، فقال:’سياسيا ‘الدستور’ كانت تمثل تحريرياً أقصى يسار أفكار حزب الوفد المعلنة، وكانت أقرب لمنهج البرادعي المرفوض وفدياً، وأقرب للإخوان وأكثر تجاوباً مع دعوة مقاطعة الانتخابات التي يرفضها الوفد، وغير ذلك من الأمثلة التي تؤكد تنافر التجربة وصاحبها مع شخصية الملاك الجدد وقناعاتهم وحساباتهم أيضا، كذلك هناك تضارب مصالح واضح بين رجل يملك جريدة ويرأس مجلس إدارتها، كما يرأس مجلس إدارة صحيفة حزبه أيضا، وكان لديه طموح معلن لتطوير صحيفة الحزب، فكيف يحقق الفصل بين الاثنين، ولمن ينحاز عندما يكون تحت يديه صحافي جيد، أو موضوع مهم لجريدته أم لجريدة حزبه؟
حتى على الصعيد الاقتصادي، إذا ما اعتقدت أن الرجل مستثمر في مجال الإعلام ويريد أن يربح فالصفقة كانت أشبه بالانتحار الاقتصادي أو تطوعا منه للخسارة، فقد دفع في صحيفة عشرين ضعف قيمة رأس مالها المدفوع، وراهن على علامتها التجارية المرتبطة بخلطتها التحريرية ورئيس تحريرها، ثم خلال أيام قليلة قضى على تلك الخلطة، وأقال رئيس التحرير، بما يعني أنه حرم الجريدة من ميزتها التنافسية الوحيدة، وكان من الأفضل له إذن أن يؤسس جريدة من البدء بدلا من أن يشتري واحدة جاهزة فيهدمها ليعيد بناءها وكأنه مقاول عقارات يهوى صيد العقارات القديمة لتنكيسها، لماذا اشترى إذن ‘الدستور’؟’. بدأت تتساقط أوراق الصحف الحرةوالثالث كان زميلنا خفيف الظل جلال عامر وقوله الساخر الذي لا يخلو من حزن:’جاء الخريف وبدأت تتساقط أوراق الصحف وإن قلت ما تخافش ما دمت تقول في السر، فماذا تنتظر من بلد لم يعمل مسلسلا عن ‘عرابي’ صديق ‘طلبة والبارودي’ وعمل مسلسلا عن ‘عرابي’ صديق ‘ريا وسكينة’ فنحن شعب عنيد، عندما تقول لشخص صباح الخير يقول لك وعليكم السلام، وإذا قلت له السلام عليكم يقول لك صباح النور، لكنني اعتذرت أمس فقد كنت أجهز عربية ‘الكبدة’ للنزول بها إلى الشارع السياسي إذا منعوا مقالي أو نقلوني إلى ‘الأهرام’ لأشحت من السياح، فأنتظر حتى يحل الظلام، ففي المرحلة القادمة من خطة الحكومة لإسدال الستار هو التفرغ للقراء وباعة الصحف وتشريدهم، فحاول أن تشتري مائة نسخة من الآن وتخزنها للزمن، ولا تربط بين عقد بيع ‘مدينتي’ وحفظ حقوق المستثمرين، وعقد بيع ‘جريدتي’ وحفظ حقوق الصحافيين، لكن انتظر في حتة ضلمة، فالفيلم لن يبدأ إلا بعد حلول الظلام، وأحمد الله على هذا الهامش فنحن البلد ‘أم هامش’ مثلا لكراسة، اعتاد في يناير مع بداية العام الميلادي أن يرفع الأسعار، واعتاد في سبتمبر مع بداية العام الدراسي أن يقيد الحريات، فهناك بلاد تضحي بالفرد من أجل المجتمع وبلاد تضحي بالمجتمع من أجل الفرد، فتعلم الدرس، ولا تحاول السباحة ضد التيار’. القطب الصوفي والسيد البدويأما رابع وآخر المهاجمين في نفس عدد ‘المصري’، فكان استاذ الإعلام بجامعة القاهرة الدكتور محمود خليل الذي اختار الاختباء وراء مولد السيد البدوي في مدينة طنطا، بقوله: ‘تتعاصر هذه الأيام مع ذكرى الاحتفال بمولد القطب الصوفي ‘السيد البدوي’ ذلك الاحتفال الذي يبدأ عادة في العاشر من أكتوبر ‘اليوم’ ويستمر لمدة أسبوع، وقد تضاربت الآراء وتنوعت وجهات النظر في الشخصية التي تحمل هذا الاسم، فمن الناس من يرفعه إلى مرتبة أولياء الله الصالحين، أصحاب الكرامات الكبرى التي تجلت في مواقف عديدة، ومنهم من يرى أنه كان رجلا غامضا بل يمكن وصفه بالرجل ‘اللغز’ الذي يسير وسط هالة من الغموض، فظهوره مفاجىء وخبطاته وكراماته أيضا مفاجئة، وغير متوقعة، وكلما حقق خبطة فعليك أن تتوقع في المستقبل ما هو أكبر منها، قد يكون قابعاً في الظل لكنه يحرك أشياء كثيرة في العلن، قد يشارك حين يحجم الآخرون، وقد يحجم حين يبادر غيره دون أن تفهم السبب، ألم أقل لكم إنه شخصية غامضة أشد الغموض، ولكن من يعلم فقد يأتي السيد البدوي في ‘اليسرى’ بعد أن جاء بـ’الأسرى’!’. لغز عمرو أديب والمحطة السعوديةطبعا، المقصود من الكلام يفهمه كل لبيب، مثلنا، بينما فضل زميلنا وصديقنا ورئيس تحرير ‘العربي’ لسان حال حزبنا العربي الديمقراطي الناصري الذي لم أعد عضوا في لجنته المركزية، أو مسؤولا إعلاميا لأمانة القاهرة، عبدالله السناوي، أن يكون مباشرا وواضحا، بدون الاختباء وراء مقامات أولياء الله الصالحين، بأن قال: ‘في حالة عمرو أديب يبدو اللغز محكماً، فهو ليس معارضا وعهد عنه تأييد الرئيس ‘مبارك’ والمحطة التي يعمل فيها سعودية وللمملكة صلة خاصة بالرئاسة المصرية, تناثرت معلومات وتكهنات افتقد أغلبها للدقة في أسباب إطاحة ‘عمرو أديب’ ولكن إعادة مشاهدة الحلقة الأخيرة من ‘القاهرة اليوم’ تجلي كل الأسرار وتفك كل الألغاز، فقد أخذ أديب يتحدث بإسهاب عن النفاق الصحافي ‘القومي’ لنجل الرئيس والتوسع غير المبرر في التغطية الإعلامية لجولاته بالقرى المصرية.
وقال بطريقته الساخرة: ‘أنا مش فاهم حاجة، قولوا لي أيه الخط، إذا كنتوا عايزين تنافقوا قولوا لي وأنا أنافق معاكم، إذا كنتوا عايزين ترقصوا قولوا لي وأنا أرقص معاكم’. ‘حرام عليكم، انتوا كده بتفسدوا الشاب، إذا كنتوا بتعملوا كده، وهو مجرد رجل حزبي، لا يتولى أي موقع تنفيذي، أمال حتعملوا إيه إذا أصبح رئيسا للجمهورية، حتعرفوا تتكلموا معاه أزاي’، وفيما يبدو أن هناك من تابع البرنامج وكلام أديب فيه وقرر إغلاق المحطة كلها، وكانت الذريعة إدارية، ولكن المؤكد أن القرار سياسي، والعقاب فيه سياسي والرسالة سياسية.
وقد شاعت أجواء سلبية في المحطات الأخرى تنتظر المصير ذاته، بوسائل أخرى، وما حدث لـ’الدستور’ بإقالة إبراهيم عيسى سوف يلحق بصحف أخرى وبوسائل مختلفة، فقد أقيل ‘عيسى’ بسطوة المال وعلاقات البيزنس بالسياسة والصفقات الخلفية.
ووجه الخطورة في كل ما يجري من تطورات سلبية في الملف الإعلامي أن الرأي العام قد يضربه اليأس من الإصلاح السياسي والدستوري بالوسائل السلمية، وقد يأخذه اليأس إلى بعيد، فالمجتمع كله صاحب مصلحة في حرية الصحافة والإعلام التي تكشف الحقائق أمامه وتطرح عليه وجهات نظر متعددة، وهو مسار ديمقراطي وعلني يجنب المجتمع مطبات المجهول ويعطيه شيئا من الأمل في التغيير السلمي وإصلاح الأحوال المتدهورة، وهذا في مصلحة الصحافة والإعلام والمجتمع والنظام نفسه، ولكن المسؤولين فيه فقدوا الرشد السياسي ويلعبون الآن بالنار، وسوف يدفعون ثمناً فادحاً’. انتقال الصحافة الخاصة لرجال الأعمالكما نشرت ‘العربي’ تحقيقا لزميلينا مجدي عبد الرسول ومحمود صبرة جاء فيه:’النقابي البارز والكاتب الصحافي يحيى قلاش يؤكد أن أزمة جريدة ‘الدستور’ نبهت الجماعة الصحافية إلى أننا انتقلنا من مرحلة الصحافة الخاصة إلى صحافة رجال الأعمال، لأنه إذا كانت هناك فضيلة لـ’الدستور’ السيد البدوي فهي بالضرورة أنه ينبهنا إلى الانتقال لهذا النوع من الصحافة وهو ما يدق ناقوس الخطر للصحافة المصرية التي تم اختطافها لصالح رجال الأعمال بعيدا عن قضايا الشعب المصري، فرجال الأعمال والمال لديهم مصالح يحافظون دائما عليها كحلقة ضعيفة من الضغط عليه من قبل النظام ويبقى بين قبول الضغوط وتحقيق مصالحه بتغليب المصلحة العامة وتغليب مصلحة الوطن أو التضحية بمصالحه. واعتبر الكاتب الصحافي رجائي الميرغني تراجع دور نقابة الصحافيين خلال تلك المرحلة بمثابة الضوء الأخضر لازدياد نفوذ الرأسماليين على الصحف، خاصة مع غياب الأسس والقواعد التي تحدد مهام ودور أصحاب رأس المال والصحافيين بالجريدة، إذا كان هؤلاء – أصحاب رأس المال – سيطروا على مقدرات البلد فمن السهل السيطرة على الكلمة المكتوبة بعد سيطرتهم على الكلمة المسموعة من خلال الفضائيات في ظل الأوضاع السيئة التي تمر بها البلاد، وهي أوضاع جميعها مقلوبة. ومن أجل إعادة الأمور إلى وضعها الطبيعي يجب على النقيب ومجلس نقابته وأعضاء الجمعية العمومية وضع تشريعات تحد من التدخل السافر لإدارات الصحف الخاصة من التحكم في المادة المنشورة لأن ترك الأمور على وضعها الحالي سوف يؤدي إلى مفاسد عديدة ظهر بعضها والآخر لا يزال خلف الستار.
وحذر هشام قاسم الأب الشرعي لتأسيس الصحف اليومية المستقلة من هجوم رجال الأعمال بالاستيلاء على الصحف سواء بتأسيسها أو شرائها، مؤكدا أن هذه الهجمة لا تهدف إلى زيادة المساحة الإعلامية ونشر الرأي والرأي الآخر واتساع الحريات ولكنها تهدف إلى الربح فقط دون النظر إلى أهمية الدور الصحافي.
ان الوضع الحالي لسيطرة رأس المال على الصحف يختلف عما قبل ثورة يوليو حيث كانت يقوم على تأسيس الصحف مجموعة مهنية في ذلك الوقت في حين يقوم الآن بشراء أو تأسيس هذه الصحف مجموعة تهدف فقط الاستيلاء على الآلة الإعلامية، بهدف مكاسب قد يكون احدها الحصول على مناصب نيابية أو غيرها من المناصب، حيث أن دورهم يقتصر على ‘الهرولة’ تجاه رأس المال دون النظر إلى المكاسب المهنية، وهو ما أدى إلى فساد الكثير من هذه المؤسسات الصحافية الموجودة الآن.
ووصف المرحلة الحالية بالسيئة في حال استمرار خمسة أو ستة أشخاص فقط في امتلاك الصحف، فما حدث مؤخرا في ‘الدستور’ كارثة، تنذر بعواقب وخيمة قد تأتي بنتائج شديدة السوء ليس على الصحافة فقط ولكنها سوف تمتد إلى أمور أخرى.
واعتبر قاسم من سماهم بالإقطاعيين الجدد لسيطرتهم على الصحف بالمرحلة الخطيرة خاصة أن المجموعة الحالية قامت رؤوس أموالهم على أكتاف الدولة التي ألقت عليهم مسؤولية التنمية بعد أن تخلت عن هذا الدور في الوقت الذي يتواصل دورها في جميع النواحي.
وأبدى تخوفه من مجيء اليوم الذي يتحسر فيه الناس على دور الدولة في ملكية الصحف’.’الكرامة’: فضيحة ‘الدستور’ مدبرةومن ‘العربي’ إلى ‘الكرامة’ – لسان حال حزب حركة الكرامة – تحت التأسيس والحديث الذي نشرته لزميلنا وصديقنا إبراهيم عيسى وأجرته معه زميلتنا الجميلة أسماء عبدالشافعي، وقال فيه: ‘- ما حدث هو حلقة من حلقات التضييق على حرية الرأي العام والتعبير في مصر وإعداد المسرح السياسي والإعلامي لشيء قادم لا نعلمه أو ربما نتوقعه وننتظر موعد إعلانه، وبذلك فالمقصود هنا هو تكميم الأفواه ومنع الأصوات المغايرة والمختلفة معهم في الرأي والتي تكتب وتنشر دون أن تستأذن ودون أن تضع في اعتبارها أي خطوط حمراء أو محظورات سياسية أو حزبية، فهذه النوعية والتي تعد جريدة ‘الدستور’ واحدة منها لا بد أن ينتهي الأمر بها إلى التخلص من سياستها التحريرية حتى لا تصبح صوتا قويا خاصة في مرحلة التغيير التي نعيشها الآن والمنحنى الذي يريدون أن تساق إليه البلد.
كانت هناك شواهد من البداية، وكان من الواضح أنها مدبرة، فالجميع كان يتحدث عن وجود صفقة سياسية وراء شراء الجريدة مفادها تكميم صوت ‘الدستور’ وإقالة رئيس تحريرها، وتغيير سياستها التحريرية مقابل مكاسب سياسية ضخمة لحزب الوفد والقائمين عليه إلى أن جاءت اللحظة التي قرروا فيها تأكيد هذا السيناريو وحدث مشهد الإقالة على النحو الذي رآه الجميع.
ربما يكون مقال البرادعي هو السبب الأخير وربما يكون الدكتور أيمن نور أحد الأسباب وربما يكون مقال سليم العوا واحدا من الأسباب المؤكدة، كلها أسباب تتشارك في مغزى واحد وهو أنه كان هناك صدام وكان لابد حتما من أخذ هذا القرار.
أرى أن رجال الأعمال الذين يسعون لكسب وإرضاء السلطة ويضغطون على الصحف بأنهم قد يكسبون السلطة ولكن في نفس الوقت سيخسرون الرأي العام المصري والعربي بل والعالمي لأنهم يجعلون أنفسهم جزءا من لعبة سياسية دنيئة ليس لهم دخل بها ولكن عندما تشتعل النيران سيكونون أول من يحترق بها.
صحافيو ‘الدستور’ سيستمرون فيها يدافعون عنها لأنها صحيفتهم هم وليست صحيفة السيد البدوي ولا صحيفة إبراهيم عيسى، فهي ملك للصحافيين الشرفاء الذين سيحافظون على هذه التجربة الرائعة’.’الدستور’ استمدت شهرتها من مقال ابراهيم عيسىلكن إبراهيم تعرض أمس إلى هجوم في ‘المسائية’ من زميلنا وصديقنا سيد الهادي، جاء فيه عن ‘الدستور’: ‘اكتسبت شهرتها من مقال رئيس تحريرها الزميل إبراهيم عيسى الذي احترف العزف الشاذ في منظومة الصحافة واستمرأ أن يكون أسلوبه مميزا بالهجوم على بيت الرئاسة وعلو نبرة الصوت وجرأتها. والصحيح أن اسلوب إبراهيم عيسى قد أعجب الكثيرين الذين ظنوا انه يعبر عما في نفوسهم ولا يملكون القدرة على التعبير عنه أو المطالبة بالتغيير فانبهروا بإبراهيم عيسى وأصبح يمثل ظاهرة تماثل تماما ظاهرة شعبان عبدالرحيم في دنيا الغناء والطرب والفن، كلاهما استخلص لنفسه نهجا ميزه عن الآخرين وصار رمزا له والغريب أن معارضة الأستاذ إبراهيم عيسى فتحت له الكثير من الأبواب المغلقة أمام أي زميل آخر، واصبح الصحافي مذيعا ومقدما للبرامج في الكثير من القنوات الفضائية يتحدث في كل شيء وأي شيء في الدين وفي تاريخ الصحابة وفي السياسة، وجه العجب أن ما حدث مع إقالة إبراهيم عيسى وإصرار رضا إدوارد رئيس مجلس الإدارة الجديد لجريدة ‘الدستور’ على عدم عودة إبراهيم عيسى لرئاسة التحرير حتى ولو تدخل الرئيس مبارك شخصيا أو عدد من رؤساء الدول فلن يستجيب لهم رغم حرص السيد البدوي أحد أصحاب جريدة ‘الدستور’ الجدد على التأكيد على جميع الحقوق الكاملة لجميع الزملاء الصحافيين وجه الغرابة ان هذا الحدث لم يحدث أبدا في تاريخ الصحافة المصرية أو في تاريخ أي صحيفة عالمية مشهورة، فقد جرى العرف في البلاد المتقدمة أو حتى المتخلفة انه بمجرد انتقال ملكية صحيفة الى مالك جديد ان يتقدم رئيس التحرير باستقالته ليترك للملاك الجدد حرية رسم المنهاج التحريري لصحيفتهم’.’الجمهورية’ تستهجن الضجة حول عيسىوالهجوم الثاني على عيسى جاءه أمس ايضا من زميلنا بـ’الجمهورية’ السيد نعيم الذي قال: ‘ضجة صحافية لم تحدث لرئيس تحرير من قبل تمت إقالته، بل لم تحدث لكبار كبار الصحافيين بدءا من محمد حسنين هيكل حتى آخر القائمة سواء في الصحف القومية أو الحزبية أو المستقلة، فلم يعترض أحد ولم يحتج إنسان ولم تعتصم مجموعة ضد إقالة رئيس تحرير من منصبه.
حول هؤلاء وهؤلاء إبراهيم عيسى إلى رمز للصحافة الحرة واعتبر قرار عزله تكميما لأفواه الحرية وتعطيلا للديمقراطية، ‘أي والله العظيم’ قالوا كلاما كبيرا وحولوا الحالة الصحافية في مصر إلى مأتم كبير، وجاءت تفسيرات قرار الإقالة أكثر غرابة فقال عيسى ان السبب هو أن ملاك الصحيفة منعوه من نشر مقال للدكتور محمد البرادعي، وخرج أيمن نور علينا يقول ان مقالاته هي السبب، وتحول قرار الإقالة الى أسباب سياسية وتدخلات لتمرير عملية الانتخابات القادمة، وقيل انها صفقة بين البدوي والحزب الوطني ليكون إبعاد إبراهيم عيسى مقابل حصول الوفد على مقاعد الإخوان في مجلس الشعب خلال الانتخابات القادمة، تفسيرات عديدة متناقضة ربما يكون أقربها للتصديق هو ما قاله إدوارد رضا رئيس مجلس إدارة ‘الدستور’ من أن أربعة شركات إعلانية طلبت إقالة عيسى وإلا ستمنع إعلاناتها عن الصحيفة والتي تبلغ حصيلتها ثلاثين مليون جنيه في السنة ذلك بالرغم من أن مقالات عيسى الأخيرة كانت مستأنسة للغاية وهادئة بعد زيادة مرتبه 300′ لكنه لم يتوقع هذه النهاية السريعة’. وغدا لدينا المزيد.
وزير الداخلية ينقذ مصر وتونس من احتقان الكرةوإلى المعارك والردود، ونبدأها من يوم السبت مع زميلنا محمد علي إبراهيم رئيس تحرير ‘الجمهورية’ وعضو مجلس الشورى المعين، وإشادته بوزير الداخلية اللواء حبيب العادلي بقوله عنه:’أنقذ القرار الحكيم الذي اتخذه وزير الداخلية حبيب العادلي مصر وتونس من احتقان وتوتر شبيه بما جرى عقب أحداث مصر والجزائر ووقائعها التي جرت في الخرطوم وشهدت تداعيات أدت إلى توتر العلاقات واستدعاء سفيرنا بالجزائر ناهيك عن التلاسن الذي حدث بالفضائيات بين الجزائريين والمصريين وحرب المواقع الالكترونية.
خامسا: الموقف العاقل للشرطة المصرية هو الذي دفع الإخوة في تونس إلى إصدار بيان الاعتذار المهذب والذي يفيض رقة ويؤكد على متانة العلاقات وأن هذه القلة المخطئة في حق مصر لا تمثل التوانسة. وأكد بيان تونس على معنى الاعتذار وأن ‘البلطجية’ أخطأوا.
سادسا: وقوع 13 مصابا من أفراد الشرطة المصرية بينهم رتبة كبيرة ‘العميد عادل التونسي’ الذي نقل مصابا بغيبوبة وكدمات شديدة لمستشفى الشرطة، يؤكد أن الأمن لم يدافع عن نفسه ويرد على العنف بالعنف.
جاء الأداء الإعلامي المصري حكيما في تغطية أحداث العنف مستفيدا من الأخطاء التي حدثت في مباراة مصر والجزائر وساهمت محطات خاصة ومذيعون في التناول الموضوعي للحدث وكانت المنظــــــومة الإعلامية في مجـــملها متجانسة ومنطقية باستثناء علاء صادق الذي سعى للتهييج والإثارة، وأخطأ في حق الأمن فكان قرار وزير الإعلام السريع بوقف برنامجه انطلاقا من التزام إعلامي قومي ‘خاص ورسمي’ تجاه قضايا الوطن وخصوصا العلاقات مع الدول العربية’. مصر تشهد فوضى سياسيةوثانية معارك يوم السبت كانت في ‘الأهرام المسائي’ لزميلنا وصديقنا والمفكر السيد يسين، وكانت ضد بعض ممارسات قوى سياسية، وطبعا ضد المحظورة – آسف – الإخوان المسلمين – وهو لا يطيقهم ودائم التحذير منهم ومن نواياهم السيئة، قال:’لو ألقينا نظرة فاحصة على المشهد المصري بكل جوانبه السياسية والإعلامية والفكرية، لوجدنا أن الفوضى هي سيدة الموقف! فقد وجدنا في الممارسة السياسية حركات لجماعات معارضة من حقها أن تعارض توجهات النظام، ومن حقها أن تنتقد السياسيات الحكومية، غير أن شرط ذلك أن تكون هذه الممارسة من داخل النظام، وليس من خارجه! وهذه قاعدة راسخة في المجتمعات الديمقراطية، حيث تعد أحزاب المعارضة مهما كانت توجهاتها من أركان النظام الديمقراطي، لأن القاعدة هي تداول السلطة.
ولو رأينا المشهد السياسي الفرنسي – على سبيل المثال – لوجدنا الأحزاب السياسية تتبادل الحكم وفقاً لنتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، غير أن بعض الجماعات السياسية المصرية التي ظهرت على هامش النظام السياسي المصري لا تمارس المعارضة في الواقع ولكنها تمارس الانشقاق عن النظام السياسي الراهن، بمعنى أنها – كما يصرح قادتها – يريدون ‘إزالة’ النظام السياسي، القائم أو ‘إزاحته’ حتى يحل محله نظام سياسي جديد، ولكنهم أبدا لم يصرحوا ما هو شكل هذا النظام السياسي الجديد، ومن هي القوى الاجتماعية التي ستدعمه، وما هي التيارات السياسية التي ستؤيده؟ ولنفترض أنه تمت ‘إزاحة’ النظام السياسي القائم والذي تعود شرعيته إلى ثورة يوليو 1952 بتوجهاتها المعروفة، والتي قد يكون حدث ابتعاد عن بعضها، هل ستقع البلاد في أسر نظام سياسي جديد تقوده جماعة الإخوان المسلمين التي تدعو إلى تأسيس الدولة الدينية بعد الانقلاب على الدولة المدنية الراهنة؟
أم هل سيكون النظام الجديد دعامته هذه الجماعات السياسية المشتتة بقادتها الذين يتصارعون صراعا عقيما على بعض المناصب التي لا معنى لها مثل منصب ‘المنسق العام’ الذي تتقاتل عليه شخصيات سياسية باهتة ليس لها أي ماض سياسي ولا تمثل أي ثقل فكري؟
ولذلك تنبغي التفرقة الواضحة بين الأحزاب السياسية المعارضة والتي هي – كما يصرح الرئيس حسني مبارك – جزء من النظام وبين الجماعات السياسية المنشقة التي تريد الانقلاب على النظام بصورة مضادة للديمقراطية’.’المصور’: مبارك يصنع النصر بيديهوهكذا ذكرنا صديقنا السيد ياسين، برئيسنا بارك الله لنا فيه، حيث انتهز هذه الفرصة لأعبر عن أسفي لتأخري في الإشارة الى قول زميلنا وصديقنا حمدي رزق رئيس تحرير مجلة ‘المصور’: ‘رأى الرئيس أسباب النصر، بل لقد صنع أسباب النصر بيديه مع أبنائه من نسور القوات الجوية، وحدد الرئيس منذ أن تحقق هذا الانتصار التاريخي على يديه دستورا دائما للانتصار في كل المجالات، لا فرق فيه بين النصر العسكري والمدني، العمل الدؤوب، العزيمة التي لا تلين، منهج العلم، التخطيط الواقعي، التأني من تكوين الرأي والابتعاد عن القرارات التي تتحد بروح المغامرة.
التطوير المستمر للأداء، نقد الذات وتقويمها وتطويعها وقبل كل ذلك تقديم المصلحة الوطنية العليا على كل ما عداها من البواعث الذاتية، هذا هو الدرس التاريخي الكبير المستفاد من انتصار أكتوبر المجيد الذي تحل اليوم ذكراه السابعة والثلاثون، والذي أسهم الرئيس مبارك في صنعه أكبر الإسهام، والرئيس قارىء جيد للتاريخ، يدرك أسباب تراخي الأمم، وأسباب نهوضها فضلا عن خبرة سياسية عريضة مع زعماء وقادة العالم ورموزه، ومكانة خاصة يحظى بها في مختلف هذه الدول. ليت المتشدقين بالوطنية والمتحدثين باسم التاريخ يعون جيدا درس مبارك الكبير في أيام الاحتفال بأكتوبر، إن الرئيس يترجم هذا الاحتفال إلى صيغة تليق باحتياجات وطن بكامله، وفي مقدمة هذه الاحتياجات: ذاكرة المصريين، وجدانهم الذي يجب أن يظل مشبوبا بمعنى النصر وبقيمة التضحية والفداء، ويجب أن يظل حيا على خلفية روح أكتوبر التي لا تغيب، وقديما قالوا إن التاريخ لا ينسى، غير ان الناس هي التي تنسى والرئيس مبارك يرفض أن ننسى روح النصر أو أن تأخذنا الأيام والمتغيرات بعيدا عن هذه الصفحة الوضاءة من تاريخنا لو نسيناها، لنسينا أنفسنا، وهو أمر خطير لو تعلمون!’. أنيس منصور يشكو عدم استماع الرئيس لنكاتهطبعا، طبعا، فهكذا رئيسنا على الدوام، وان كنت لم أحس بالارتياح الى قول زميلنا والكاتب أنيس منصور يوم الأحد في عموده اليومي بـ’الأهرام’ – مواقف – عن بارك الله لنا فيه: ‘زمان كان من السهل جدا أن نتصل بالرئيس مبارك ونكلمه ونشكره ونقول له نكتة ونسمعه يضحك كأنه يريد المزيد، وتطول المكالمات فلا نعرف ان كنت أنت الذي طلبت الرئيس فتعتذر عن الإطالة، أو إن كان هو الذي طلبك فما أسعدك، فالرئيس ابن بلد ودمه خفيف.
أما في هذه السنوات الصعبة فقد تضاعفت الهموم والأوجاع ومصائب السياسة، وأزمات الاقتصاد ومواليد مليونين ونصف كل سنة، وأذكر انني كنت في مهمة رسمية فقد طلب مني الرئيس مبارك أن أقابل رئيس إسرائيل اسحق نافون وكنا اثنين: د. أسامة، وأنا، أسامة سوف يقابل رئيس الوزراء، وكان لابد ان اذهب إلى حيفا وإلى عكا وأن أعود.
وعدت، فوجدت أسامة قد سبقني إلى مصــــر، وقطعت تذكـــــرة على حسابي، والناس مندهشون لهذا العبث في المستوى الرفيع وشكوت أسامة للرئيس، وتضايقــــت ان شكوت أسامة، ولكن هذا ما حدث، واعتذر أسامة الباز، ولم أقبل الاعتذار! ثم قال لي جمال عبدالعزيز سكرتير الرئيس عندما طلبت الرئيس ليلا بعد عودتــــي من إسرائيل: لماذا لا تطلـــبه غدا؟ لا مانع ولكنه هو الذي قال لي: اطلبني فور وصولك، وتوقعت ان يطلبني الرئيـــس ويستوضح ما حدث، ولكنه لم يفعل، وقد اتخذ الرئيس هذا السلوك الهــــادىء، لا عنف لا انتقام لا مشاكل، يجب ان نحلها بأنفسنا وأن نلتفت إلى غيـــرها، ومرة أخرى أراد الرئيس أن يصلح ما بيني وبين أحد السفراء، حاول، ولكني اعتـــذرت للرئيــــس الذي قال: هذا شأنك، آخر كـــــلام؟ قلت لك لا أريــــد يا ريس انه رجل كذا وكذا، وتضايق الرئيس من هذه الكلمات ولم يعلق عليها، فقد اتخذ شعارا: هدىء اللعب، هدىء’. ولا أعرف ما الذي يقصده انيس بالضبط؟ هل يريد مهاجمة الدكتور أسامة الباز وتصفية حسابات معه أم يطلب من الرئيس ان يكلمه ويرد على تليفوناته ويقابله ويستمع إلى نكاته؟!
ونيابة عن رئيسنا أقول له ان نكته أصبحت لا تضحك، وبما أنه اعترف بخفة ظل رئيسنا، فإنه يحتاج إلى من يشبهونه في خفة الظل.