في لذة التقصي والتناص

في لذة التقصي والربط بين نصوص ومشاهد مرّت علي كقارئ، هذا بعض من حصيلة القراءات في ضوء مفهوم ‘التناص’:
1
لمناسبة نصّ بعنوان ‘متسول’ لـ نيكانور بارا، ترجمه الصديق الشاعر وليد السويركي؛ كنت شاهدتُ، صدفةً، لقطة ثمينة من فيلم أجنبي لم أتبيّن اسمَه، وفيها:
عاشقٌ وعشيقته يفتحان الشرفة في طابق جدّ مرتفع، يتبادلان القبل وغيرها هناك في العلّية. العاشق يقبض على صدر عشيقته، يقطع العقدَ الذهبيّ ومازال يقبض على أيقونته، يرمي بتلك الزينة المقطوعة، مع الموسيقى، في الفضاء فتسقط على العشب عند قدميّ فقيرٍ كان يفكّر في فقره.
الفقير الذي، من فوره، سيلتقط الرمية ويرفع عينيه ويديه شاكراً الله. هنا تنتهي اللقطة. هو لم يرَ مشهد العشق فوقه. ومازال لا يعرف أسباب النزول.

(متسوّل)

لا يمكن للمرء أن يحيا في المدينة بلا مهنة معروفة:
الشرطة تفرض احترام القانون،
بعض الناس جنود
يسفكون الدماء من أجل الوطن
(هذا بين قوسين)
وبعضهم ا تجّارٌ مهَرَة
يقتطعون غراماً أو اثنين من كلّ كيلو برقوق
وآخرون، هناك، قساوسة يتجولون وفي أيديهم الكتاب؛
كلٌ يعرف مهنته، فما هي مهنتي في رأيكم؟
-أن أغنّي وعيناي على الشبابيك المغلقة
لعلّها تنفتح
فتسقط
منها
قطعة نقد
من
أجلي.

2

على ذكر المرايا والرعب والهلع في قصيدة ‘أغنية صانع المرايا’ لخوان مانويل روكا، ترجمة الصديق وليد السويركي؛ أُورد هذه القصة من كتاب الكسندر إليوت ‘آفاق الفنّ’، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا.
إذ جاء في فصل ‘مرايا الموت والحياة’ أنّ أب ليوناردو جاء ذات يوم إلى البيت بلوحةٍ مستديرة صغيرة واقترح على ابنه أن يرسم عليها شيئاً ما. فكان أوّل ما فعله ليوناردو هو أنه سوّى اللوحة وصقلها، حتى أخذت تقع كالمرآة. وفي الأسابيع القليلة التالية راح يجول في الحقول، ويعود كلّ مساء بخفافيش وعظايات وأفاع وفراشات، وفي خلوة حجرته راح يركّب وحشاً مصغراً من أشلائها المُجمّعة ثانية. فوحوش الأساطير إن هي في الغالب إلا تجمّعات لمخلوقات معروفة. أكمل ليوناردو وحشَه البشع الصغير، علّقه بخيوط من سقف غرفته المعتمة، ونسخ صورتَه على اللوحة، كما لو أنه جمّدَه في مرآة، ثم تخلّصَ من الجثّة المُركّبة. بعد ذلك أعتم الغرفة، إلا من شعاع خافت واحد أسقطه على اللوحة المنتهية، ودعا أباه إلى الدخول ليراها: وإذا بأبيه يهلع لما يرى. فقال ليوناردو مبتسماً:’هذا العمل يُؤدّي الغرض الذي صنعت اللوحة له.

(أغنية صانع المرايا)

للرعبِ أضيف رعباً أكبر
وجمالاً أكثر للجمال،
التقط من الشارع قمرَ الزئبق
فتنعكس السماء في المرآة
كمثل لوحةٍ لشاغال؛
وحين تدخل المرآة بيتاً آخر
ستمحو الوجوه الأليفة،
ولأنّها لا تبوح بماضيها
فلن تشي بساكنيها السابقين
بعض الناس يشيّد السجون،
أو يصنع القضبان للأقفاص؛
أمّا أنا، فأصنع المرايا:
للرعبِ أضيف رعباً أكبر
وجمالاً أكثر للجمال.

خوان مانويل روكا
(ترجمة وليد السويركي)

3

مرة نشرت على صفحتي في ‘الفيسبوك’ هذه المادة.
البعض وضع عليها لايك وسحبه لكي لا يقع في حرج ما كما يظن!
غير عارف أن مسوّغات جوليا كريستيفا لا تثير شكوكاً ما في مثالها الذي أسفل هذا الموضوع؛ بل هي تعالج نقطة في ضوء التناص. وبدوري، لم أكتب هذه المادة لشيء إلا لاعتباري أن قراءتي في السابق لكتاب (علم النص)، ولكتب أخرى، مكسباً وضوءاً يجب أن أحترمه، وأنا أتلقى الشعر والنص الأدبيّ، في ضوء التناص أو التشابه في عالم النص.

هذان مقطعان لشاعرين صديقين أتابعهما:

‘عجيبةٌ اخرى عثرتُ عليها اليوم :
كوخ شاعرٍ عجوز يحرسهُ اسد
منهُ فهمتُ يتنزهُ حول مستشفى صباحاً
ولا يسمح لظلّهِ ان يرافقهُ’
(صلاح فائق)

‘أمشي/ لا لأمشي/ بل لأحقق رغبة ظلي/ بأن أرافقه/ وهو يتنزّه’
(مازن معروف)

في ضوء المقطعين السابقين أشير إلى ما تحدثت عنه جوليا كريستيفا، صاحبة مصطلح التناص، في كتابها (علم النصّ، ترجمة: فريد زاهي، دار توبقال للنشر، المغرب، 1997، ص79)، وهو وجود نمط أوّل من أنماط الترابطات بين المقاطع الشعرية للأشعار والنصوص الملموسة والقريبة من صيغها الأصلية لشعراء سابقين كما تكتب كريستيفا.
الترابط بنمطه الأول الذي تعنيه هو ‘النفي الكلي’ الذي تعرفه ج. كريستيفا بأنه فيه يكون المقطع الدخيل منفيًّا ومعنى النصّ المرجعي مقلوبًا. والذي يحدث، بمعالجة كريستيفا، حين خلق التقابل بين مقاطع لشاعرين الأول يكون بمثابة ‘نص مرجعي’ والمقابل يقوم بقول نفي المرجع بقلبه، وقد مثلت كريستيفا على ذلك بهذا المثال:

هناك هذا المقطع لباسكال Pascal :

‘وأنا أكتب خواطري، تنفلت مني أحياناً؛ إلا أنّ هذا يذكرني بضعفي الذي أسهو عنه طوال الوقت، والشيء الذي يلقنني درسا بالقدر الذي يلقنني إياه ضعفي المنسي، ذلك أنني لا أتوق سوى إلى معرفة عدمي.

وهو ما يصبح عند لوتريامون:

‘حين أكتب خواطري فإنها لا تنفلت مني. هذا الفعل يذكرني بقوتي التي أسهو عنها طوال الوقت.
فأنا أتعلم بمقدار ما يتيحه لي فكري المقيد، ولا أتوق إلا إلى معرفة تناقض روحي مع العدم’.
كاتب فلسطيني

نصر جميل شعث

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية