السلام المُريب للرجل الغريب

حجم الخط
0

السلام المُريب للرجل الغريب

فــاروق واديالسلام المُريب للرجل الغريبحدث ذلك في إحدي المناطق النائية، في بلد عربي ما زال يعيش تحت الشمس الحارقة، والبؤس، والفاقة. وفي مثل تلك الأوضاع المعيشيّة الصعبة، تعرفون، لا يملك الرجال الغلابي من مباهج الحياة، سوي نعمة أن يكون الواحد منهم ذكراً كامل الفحولة، لا يخيِّب الظنّ الأنثوي به، مثل أولئك البشر سُُمر البشرة، الذين عرفناهم في رواية الطيب صالح “موسم الهجرة إلي الشمال”. تقول الحكاية، إن رجلاً غريباً كان يطوف تلك المناطق المُلتهبة التي تشحن الأجساد بحرارة تُشعل النار في العروق. لم يفعل الرجل الغريب شيئاً سوي أنه كان يتوقّف في الشوارع والأسواق والمقاهي والغيطان، ودون مقدِّمات أو حديث، يمد يده التي تبدو بريئة، نحو الرجال للسلام عليهم. ولأن الرجال كانوا يؤمنون بأن عليهم أن يستجيبوا لنداءات من يجنح للسلم، فإنهم لم يكونوا يترددون في مدّ أيديهم المهيّأة لمبادلة سلام الرجل بسلام! بعد سلام الأيدي، الذي لم يكن يبعث الريبة في قلوب أولئك الناس الطيبين، والذين يتمتعون، رغم سُمرتهم، ببياض الطويّة، كان الرجل الغريب يمضي إلي حال سبيله، تاركاً الرجال الذين استجابوا لسلامه متخبطين في مأساة ذكوريّة حطّت عليهم في التوّ واللحظة، وبمجرّد ملامستهم أصابع الرجل الغريب!لقد اكتشف الرجال الفحول، في تلك المنطقة الملتهبة، وإن متأخرين، أن وضع أيديهم في يد ذلك الرجل والسلام عليه، قد سلب منهم أعز ما يملكون، بل ربما كلّ ما يملكون من متاع الحياة الفانية.. ذكورتهم المُبدعة حيث لا إبداع، جالبة المتعة الوحيدة بعد أن كادوا ينسون متعة الطعام والشراب، وعنوان وجودهم الذي يفتقد إلي عناوين أخري! ہہہلم يتطوّع واحد من الرجال الذين قدّموا رجولتهم المهدورة علي مذبح السلام المريب للرجل الغريب، إلي تقديم وصف تقريبي لملامح وجه ذلك الكائن الذي صافح ومضي، أو للشعاع الغريب الصادر من عينيه، أو لعروق يديه وأصابعه ذات القدرة السحريّة الرهيبة، فكأن غمامة سوداء حلّت فجأة وحجبت كلّ ذلك عن عيونهم فلم يروا شيئاً، غير أنهم شعروا بكل شيء، بعد أن خسروا كلّ شئ.قصّة واقعيّة، شديدة الواقعيّة، حدثت قبل سنوات في بلدٍ عربي شقيق. لكنها رغم ذلك تظلّ تنطوي علي بُعد رمزي يمكن إسقاطه علي أي زمان ومكان آخرين. وحين حاولنا ملء الفراغات الدراميّة في القصّة، في إطار طموحٍ يهدف إلي الاستفادة من مادتها في كتابة رواية أو مسرحيّة أو معالجة سينمائيّة، ووضع نهاية منطقيّة لها تنطوي علي معني سياسي وإنساني، وجدنا أنفسنا نسقط، رغماً عنّا، في المباشرة السياسيّة التي لا نتمناها لقصّة أو مسرحيّة أو فيلم سينمائي.تخيلنا، وكلّ تخيُّل جائز مهما بدا ساذجاً وغير مُقنع، أن الرجال الذين استجابوا لسلام الرجل الغريب، استفاضوا في الوصف الدقيق وتحديد أدق الملامح المميِّزة للرجل. وأن السلطات المعنيّة بالبحث عن الرجل، جاءت برساميها المختصين، الذين عكفوا علي تحويل الملامح المحكيّة، إلي صورٍ ناطقة بالحياة. ہہہأما النتيجة التي خرج بها الرسامون، فقد كانت عاجزة عن الإفلات من المباشرة. بعض الرسامين أنتج صورة رجل ملامحه تشبه آرييل شارون..آخر رسم شمعون بيرس..بعضهم رسم جورج بوش..آخرون ذهبوا حتّي بيل كلينتون..ولكن آخر الرسامين، جاء بصورة لا تختلف كثيراً عن سابقاتها، وإن كانت تطغي عليها ملامح.. إيهود أولمرت!كاتب من فلسطين[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية