جدال حول مفهوم التغيير

حجم الخط
0

مازن كم الماز حقيقة أن الحديث عن التغيير هو اليوم على كل لسان من السلطة القائمة إلى النخب المثقفة والمعارضة لا يعني الكثير، ففي الحقيقة يتحدث الجميع عن هذا التغيير من منطلق متقارب، رغم التناقضات الشكلية بين الخطابات السائدة، إنهم يتحدثون عن تغيير يمنع خروج الأمور عن السيطرة، تغيير يضع حدا لمخاطر انفجارات غير محسوبة، وهنا لا تقل حماسة القسم الأكبر من المثقفين أو السياسيين المعارضين عن أبواق السلطة القائمة نفسها في الإصرار على أن هذا ‘التغيير’ شيء لا علاقة له في الواقع بالجماهير، انه يجب أن يتم فوقها أو خارجها، بشرط أساسي هو الإبقاء عليها في حالة شلل واغتراب عن قضاياها. التغيير المنشود إذن، مثله مثل أي شيء آخر تمارسه الأنظمة والنخب، يجب أن يكون فوقيا، يخص نخبة بعينها، وإلا فإنه سيكون تعبيرا عن الفوضى، يجب أن يجري في إطار هيمنة السلطة القائمة أو المتنافس عليها على المجتمع وفي إطار تبعية المجتمع (إن لم نقل استسلامه) لتلك السلطة، إما أن يتم داخل السلطة القائمة نفسها أو أن يجري بيد سلطة أخرى ذات صلاحيات استثنائية، كما هي حالة السلطة القائمة حاليا، أي فوق المجتمع وخارجه. إن هذا ليس إلا طريقة مختلفة للتعبير عن التنافس السياسي والاجتماعي بين النخب السائدة. لقد أنتجت المشاريع النخبوية في الخمسينيات والستينيات أنظمة الاستبداد القائمة على أساس رأسمالية الدولة البيروقراطية، بسبب رئيسي هو عجز الطبقات السائدة، البرجوازية وعلى الطرف الآخر الجماهير المهمشة اجتماعيا، عن فرض مشروعها أو التغيير الذي تطمح إليه. استمدت البيروقراطية، التي كانت جزءا مما يسميه بعض السوسيولوجيين بالطبقة المنسقة، التي تتألف من طبقة المديرين والمهندسين، وسائر المثقفين الضروريين لعمل منظومة الإنتاج أو جهاز الدولة البيروقراطي، التي كانت تلعب دور الإشراف على عملية الإنتاج وإدارة وظائف الدولة لصالح الطبقة السائدة، استمدت قوتها ومشروعيتها من هذا العجز بالذات. لا ينطبق هذا المصير على نخبة ايديولوجية بعينها، كان هذا صحيحا بالنسبة للنخبة الكمالية ‘العلمانية’ مثلا في تركيا، كما كان صحيحا بالنسبة للنخب القومية العربية، كما كان صحيحا بالنسبة للنخب اليسارية التوجه. ومن هنا بالذات، تستمد السلطة استقلاليتها النسبية عن المجتمع، تماما كما هي الحال في النظام البرونابرتي وفق التحليل الماركسي. ولهذا بالذات تصبح السلطة هي محور الصراع بين الأنظمة والنخب. إن الكلام الذي تردده النخبة المتلبرلة لا يعني أي شيء هنا، إنه مجرد رطانة ايديولوجية فارغة، فالنخبة المتلبرلة، وهي تفترض أنها كأية نخبة أو طليعة متفوقة على المجتمع المتخلف، وهذه الصفة طالما نسبتها الخطابات السائدة للجماهير تحديدا، هي المناط بها تحقيق مثالها الايديولوجي، أن تفرضه على الجماهير المتخلفة، بمعنى آخر أن تؤسس سلطتها الخاصة، بزعم أن هذه السلطة المطلقة، أو شبه المطلقة في أفضل الأحوال، هي الطريق الوحيد أمام ‘التقدم’ المنشود. إن المفاهيم التي تشكل الايديولوجيا الليبرالية، أو النيوليبرالية، لهذه النخبة، لا تختلف كثيرا بالتالي، عن المفاهيم التي تشكل الخطاب الرسمي للأنظمة الشمولية القائمة، إلا في الشكل. إن تعريف الإنسان وفقا لمفهوم المواطنة الدارج في خطاب النخبة المتلبرلة يعني أنه مواطن في دولة، ان حدود ‘حريته’ تتوقف أو تنتهي عند ما يسمى بمصالح هذه الدولة، وما يسمى بالدولة المدنية الحديثة هي كأية دولة أخرى، تضع مصالحها فوق مصالح أفرادها، ولذلك فإن ما يسمى بالدولة المدنية الحديثة في خطاب النخبة المتلبرلة ستوجه هي أيضا تهم العمالة وإضعاف الشعور الوطني لخصومها الايديولوجيين والسياسيين، باختصار، لأن هذا هو منطق أية دولة مهما كان اسمها أو توصيفها من قبل حكامها. لا يجري اختيار السلطة في أي نظام رأسمالي (بما في ذلك في رأسمالية الدولة) من خلال صناديق الاقتراع، بل على أساس علاقات القوة والإنتاج والملكية السائدة في المجتمع. كما أن المشاريع النخبوية للخمسينيات والستينيات أنجبت أنظمة استبدادية تقوم على رأسمالية الدولة البيروقراطية فإن أي مشروع نخبوي فوقي اليوم، وفي الغد، سيؤدي إلى تحول تلك النخبة إلى بيروقراطية حاكمة على رأس نظام رأسمالية دولة، وسيبقى من الممكن أن نحكم قريبا فيم إذا كانت النخبة المتلبرلة ستخدم شعارات الديمقراطية التي ترفعها بأفضل مما فعل الستالينيون مع شعارات الاشتراكية، أو الأنظمة القومية العربية مع شعارات الوحدة العربية التي طالما تغنت بها. ولذلك بالتحديد تختار الصحافة الليبرالية الغربية والعربية (أو ما يسمى بالصحافة المعتدلة) أبطالها بعناية من بين ضحايا الوضع القائم، بما يبرر مشروعها السلطوي الخاص، سواء الرأسمالي العالمي أم الليبرالي المحلي. إنها لذلك تتجاهل، وهي مضطرة هنا لأن تتجاهل، معظم ضحايا الوضع القائم. ليس فقط أولئك الضحايا الذين لا تملك لهم أي شيء، مثل الغالبية العظمى من الفقراء والمهمشين اجتماعيا الذين سيحتفظون بنفس هذا الموقع الاجتماعي في ظل الدولة المدنية الحديثة بالضرورة، أي الخاضعة لسلطة النخبة المتلبرلة ومراكز النظام الرأسمالي العالمي، بل حتى من تتحدث عنهم، كالنساء اللواتي يتعرضن للاضطهاد، أو الخارجين على السائد الذين يدفعون إلى الهامش أو يعاقبون بسبب خروجهم هذا، إنها لن تتمكن حتى من تغيير واقع هؤلاء، بكل بساطة، لأن هؤلاء ليسوا قضيتها الفعلية، إن حريتهم المزعومة التي تغتصبها الأنظمة القائمة أو المؤسسات الدينية المسيطرة هي مبرر ‘التغيير’ الذي تدعو إليه، مبرر مشروعها السلطوي ‘المضاد’ ليس إلا، ولأن هؤلاء يحصلون حاليا بالفعل على حماية نسبية حتى من الأنظمة القائمة بفعل ضغوط إعلام النظام الرأسمالي العالمي، وربما بشكل أفضل مما يمكن للنخب المتلبرلة أن تفعله بسبب الطابع البوليسي للأنظمة القائمة. بالنسبة لمعظم ضحايا الأنظمة القائمة فهم خارج هذا التغيير المفترض، إنهم ضحايا ضروريون لأي نظام، لأية دولة بالضرورة، إلا تلك التي ستعبر مباشرة عنهم من دون وصاية من أية نخبة أو طغمة مهما كان المبرر وراء هذه الوصاية. ‘ كاتب سوري * أنا لا أزعم نسبة هذه الأفكار جميعها لي، ما أفعله في الواقع هو أن أستعير تحليلات اليسار اللاسلطوي والحركة المناهضة للعولمة الرأسمالية عن الأنظمة التي كانت تسمي نفسها اشتراكية وعن النيوليبرالية وأطبقها على نظيراتها العربية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية