جسد المرأة وشرف الرجل: الحجاب فضيلة أم وسيلة؟

حجم الخط
0

جسد المرأة وشرف الرجل: الحجاب فضيلة أم وسيلة؟

فرانسوا باسيلي الآن وقد هدأت الزوبعة التي أثارها وزير الثقافة المصري بتصريحه ان الحجاب عودة الي الوراء وان شعر المرأة كالورود الممتعة للنظر، واشتعلت علي اثرها ردود فعل متشنجة في مجلس الشعب المصري قام فيها نواب الحزب الوطني الحاكم بالمزايدة علي نواب جماعة الاخوان المسلمين المحظورة . في سباق لاثبات من الأكثر ورعا واشد ايمانا وتقوي، بما في ذلك صرخات تعلن ان الشعب المصري كله مسلمون . ماحين بذلك من الوجود عشرة ملايين مواطن قبطي، دون ان يقوم رئيس مجلس الشعب الموقر بالتدخل للتصحيح او التعقيب حتي لا يعلو صوته علي صوت حفلة الزار المنتصبة في الشارع المصري المهتاج دينيا منذ ثلث قرن.الآن وقد سكن غبار هذه الزوبعة دون الوصول الي اية نتيجة، علي عادة كل الزوابع التي تثار في مصر بعد الحين والحين فتحتقن من اجلها الوجوه وتتعالي صيحات الاتهام ثم يمضي كل الي طريقه دون اتخاذ اي عمل او سن قانون او تعديل وضع وهي عادة المجتمعات الصوتية التي تتكلم ولاتفعل، يمكننا ان نتأمل في هدوء ليس فقط في الفكر الصانع لهذه الزوبعة ولكن في الثقافة التي تقف وراء كافة ابعاد المنزلق الحضاري الذي يعاني منه المجتمع المصري ـ والعربي ـ اليوم.في هذا الاطار اطرح الملاحظات والافكار التالية:الطريق الي اللهفي نفس اللحظة التي كانت فيها مصر بأوساطها السياسية والدينية والثقافية والاعلامية منهمكة علي مدي حوالي شهر كامل في معركة الحجاب ـ في احتشاد عظيم للآيات المؤيدة والاخري المعارضة وفي كر وفر وتهديد ووعيد يصل دائما في المعارك الدينية الي حد التكفير وما يصحبه من حل للدم وتهديد للحياة.. في نفس تلك اللحظة كانت مركبة الفضاء الامريكية الجديدة تنطلق من قاعدة كاب كانافريل بولاية فلوريدا تحمل عددا من رواد الفضاء الذين ما ان افلتوا من جاذبية الارض حتي وصلوا الي محطة الفضاء الدائمة السابحة في الفلك فخرجوا من مركبتهم الفضائية وراحوا يقومون بأعمال الصيانة والتجديد والاصلاح لأجهزة وكابلات المحطة لكي تزداد قدرتها علي اداء مهامها من رصد للكواكب ومتابعة لحركة الافلاك والبحث عن اسرار الكون والحياة.ومادامت الحياة المصرية والعربية قد أصبحت في حالة انجذاب ديني مستمر بشكل خرج عن الطبيعي والسوي وأصبح حالة من المرض النفسي ـ اجتماعي الذي يستوجب الفحص والعلاج فدعنا نسأل سؤالا دينيا اذن: ايهما اكثر اقترابا من الخالق عز وجل: الجالسون علي كراسيهم في حجرات فاسدة الهواء وعلي مقاه مفتوحة طوال الليل والنهار يتجادلون حول مساحة ما يجب ان يغطي ويظهر من شعر المرأة او وجهها او جسدها ـ وهو نفس الجدال الذي كان اجدادهم ينشغلون به في مصر منذ قرن من الزمان ـ ام الآخرون الفالتون من الجاذبية الارضية المنطلقون في الفضاء الكوني الهائل يشيدون به محطات دائمة ويستكشفون به اسرار الكون وقوانين وجوده وحكمة خالقه فيه، ثم يعودون الي الارض لمواصلة المغامرة الانسانية لابتكار حضارة تتجدد وتتقدم كل يوم؟هل يمكن ان يتصور احد ان الخالق العظيم سيسعد اكثر بأولئك الخاملين الفارغين الا من الكلام والضجيج والتهديد والوعيد مهما راحوا يسجدون له ويرددون صلوات لاتثمر شيئا في حياتهم ولاتتحول الي سلوك جاد جميل بهي ولا الي عمل مفيد للانسان فيرضي بذلك الله؟ان الفهم الطفولي للدين ومايطلبه الله من الانسان ـ وهو الفهم السائد في الثقافة العربية اليوم ـ قد جرد الدين من أجمل معانيه وأنبل مقاصده.. وحوله ـ علي ايدي دعاة وامراء جماعات وشيوخ جلهم غير متعلم ـ الي سلسلة لا تنتهي من العبادات والطقوس والاوامر والنواهي والفتاوي التي تطال ادق تفاصيل الحياة اليومية، والتي يتحول فيها الانسان الي عبد ذليل ليس عليه سوي الطاعة العمياء. فعليه قبل ان يدخل من باب ان يستفتي شيخه ان كان من الحلال ان يخطو بقدمه اليمني ام اليسري. ان الفكر الأصولي يريد تحويل العربي المسلم ـ تحت نير الثقافة الدينية اللغوية السلطوية السائدة ـ الي انسان مخصي العقل، لايملك ان يفكر في اي امر من امور حياته، فالشيخ وحده هو من يحل ويربط له، فكيف لانسان كهذا في حالة العبودية العقلية والتبعية الشخصية هذه ان يبدع او ينجز او يبتكر او يخترق حواجز المتداول المتعارف عليه لكي يحقق السبق والفوز في اي مجال من مجالات الحياة؟متي نصل الي ادراك ان البحث العلمي هو انبل صلاة يمكن ان يرفعها انسان، وان المعادلات والرياضيات هي اجمل الآيات.جسد المرأة وشرف الرجلقبل زوبعة الحجاب بقليل ، تناقل الاعلام الدولي تصريحا لمفتي استراليا يلقي فيه اللوم في جريمة اغتصاب علي النساء لان لحمهن العاري يثير غرائز الرجال ويدفعهم للاعتداء عليهم، وقال ما معناه كيف نلوم الذئاب او الكلاب المسعورة اذا مانهشت اللحم العاري؟ وقال ان هدفه النبيل هو حماية المرأة لذلك يري وجوب ان تتحجب وتستر لحمها.هذا الفكر الذي يلوم الضحيه ويوقع علي المرأة اللوم فيما تتعرض له من اعتداءات من قبل الرجل هو فـــــكر قديم. فتاريخ البشرية هو ـ في احدي اهم صوره ـ تاريخ تسلط الرجــــل علي المرأة في الاطار الاوسع لتسلط القوي علي الضعيف، وهي شــــريعة الغاب التي جاءت الحضارات المتتابعة لتغييرها والرقي بها بادخال قوانــــين تحمي الضعيف من بطـــش القــــوي في مساواة للجميع امام القانون.في مجتمعات سيادة القوة الغاشمة والبلطجة المقنعة وغير المقنعة امتلك الرجل المرأة كجزء من ممتلكاته، وكان يقوم بتوزيعها كما يشاء علي اقرانه كزوجة او جارية او خادمة او عشيقة. وتحكم الرجل في زواج ابنته وكثيرا ما باعها لمن يدفع اكثر. وتحكم الزوج في زوجته وقام بتقنين القوانين التي تحافظ علي ملكيته للمرأة مثل عقوبة الموت بالرجم للزانية والحرق للمارقة والضرب للناشزة والحبس في بيت الطاعة للمحتجة المتمردة والتطليق علي الهوي واصناف اخري من الاذلال والتعذيب والاضطهاد والاستعباد.وقام الرجل باسباغ هالات من القداسة والشرف والحرمة علي جسد المرأة لكي لا تمسه يد رجل آخر، فاعتبر ان شرف المرأة هو جسدها وبالتحديد هو غشاء بكارتها وهي عذراء واستمرار حصر شرفها فيما بين فخذها بعد ذلك مدي الحياة. فالفضيلة الاسمي لدي المرأة وشرفها الاعظم والاوحد ينحصر في جسدها. وكان المحاربون في العصور الوسطي بأوروبا يجبرون زوجاتهم علي ارتداء حزام العفة الحديدي والاحتفاظ بمفتاح قفله معهم لمنعها من مضاجعة رجل آخر. اما شرف الرجل ففي كلمته وهيبته وشجاعته ورجاحة عقله. وهكذا قام الرجل ـ واضع القوانين ومفسر الشرائع والمفتي بالحلال والحرام للبشرـ بتحويل المرأة الي جسد ـ او شيء من الاشياء ـ يمتلكه ويتحكم فيه ويضربه ويقتله ويضاجعه ويبيعه ويشتريه علي هواه متي شاء واينما شاء، وروج لملكيته هذه بتفسيره للشرائع والآيات والاحاديث وبتحويله لتفسيراته الي قوانين واعراف وعادات.وكان من اهم مظاهر تأييد امتلاك الرجل للمرأة أنه فرض عليها ماتلبسه وحرم عليها رؤية رجال آخرين، فهو يريدها ملكا خاصا له وحده تشبعه غذائيا وجنسيا وتمنحه الخلف من الاولاد اساسا ومن البنات اضطرارا، وكان العرب في الجاهلية يئدون البنات حتي جاء الاسلام محرما ذلك. ولكن بقيت معظم العادات البدائية الاخري المتعلقة بامتلاك الرجل للمرأة يمارسها الرجل في ارتياح وكثيرا ما يلجأ لحرف معاني الآيات والاحاديث لتبرير استمرار تسلطه علي المرأة وتحكمه في سلوكها.مع تطور الحضارات في المجتمعات الغربية راحت تتراجع ببطء شديد فكرة حصر شرف المرأة في جسدها ، ومع عصر النهضة وحركة التنوير تحررت المرأة تدريجيا من تسلط الرجل واصرت علي تغيير المفهوم البدائي الذي يحصر شرفها فيما بين فخذيها وطالبت بالمساواة الكاملة مع الرجل. واستطاعت المرأة في الحضارة الغربية ان تقطع اشواطا هائلة نحو المساواة الكاملة واصبحت هي ـ وليس زوجها ـ من تملك جسدها. ولم تعد المرأة تتبع الاوامر الدينية التي يلقيها عليها رجال الدين المسيحي طاعة عمياء، وكثيرا ما ترفض هذه الاوامر فنجد ان الاغلبية من النساء من الكاثوليك يستعملن اقراص منع الحمل رغم ان الكنيسة الكاثوليكية ما تزال مصرة علي تحريم ذلك، وهكذا راحت المرأة الغربية تمارس حريتها وملكيتها لجسدها بشجاعة وجرأة حتي في وجه تحريم واضح من الكنيسة. ولان المجتمعات العربية الاسلامية ماتزال الي حد بعيد خاضعة خضوعا كبيرا للتسلط الديني الذي يمارسه من يريد التسلط علي الآخرين من امراء الجماعات او من الدعاة المتشددين او من منظمات متشددة مثل الاخوان المسلمين او من حركات متشددة كالوهابية، نجد ان المرأة المسلمة ما تزال تعاني من تسلط ثقافة ذكورية سائدة تتسلح بأشد التفسيرات الدينية تزمتا ورجعية لتبقي علي تبعية المرأة للرجل وخضوعها له. ويأتي الحجاب الذي قام الاخوان المسلمون بنشره في مصر وبقية المجتمعات العربية حلقة اخري من حلقات الصراع التاريخي بين المرأة وآسريها.ولتأكيد تسلطهم علي المرأة يقدم المتزمتون والاخوان المسلمون عددا من الاساطير علي انها حقائق وثوابت من ثوابت الدين ليصادروا حق الآخرين في التفكير والاعتراض كما ارادوا مع وزير الثقافة المصري. وهذه هي بعض هذه الاساطير:الحجاب حرية شخصية:يقول لنا الذين لا يؤمنون بحرية الانسان في تغيير دينه ومعتقداته ـ لانهم يؤمنون بوجوب حد الردة الذي يقضي بقتل المرتد عن الدين ـ يقولون ان الحجاب هو شأن شخصي يتعلق بالحرية الشخصية للمرأة في اختيار ما تلبس وما لا تلبس.هذا في نفس الوقت الذي يطالب فيه نواب الاخوان في مجلس الشعب بالغاء مسابقات الجمال في مصر رغم ان النساء المشاركات بها يفعلن ذلك بمحض ارادتهن دون ارغام من احد كما ان الذين يشهدون هذه العروض يفعلون ذلك ايضا بارادة حرة. فأين احترام الحرية الشخصية هنا؟وأتفق مع من يعتبر الحجاب امراً يتعلق بحرية المرأة في اختيار ما تلبس، علي شرط ان تكون المرأة حرة فعلا في الاختيار، ولكن الأمر الذي حدث في مصر ليس كذلك، فقد كان الاخوان يروجون الرأي القائل ان الحجاب فرض ويتهمون بالكفر من يقول بغير ذلك، وكانت النساء في مصر يتعرضن لضغوطات هائلة لكي يتحجبن، كما كانت الاموال تتدفق من السعودية الوهابية لشراء الحجاب ومنحه مجانا للمصريات غير القادرات ماديا، هذا بينما اجبر الكثير من الازواج زوجاتهن وبناتهن علي التحجب، وهناك من يحجب بناته في المدارس الابتدائية. فكيف يقال مع هذا كله ان المرأة لديها حرية الاختيار؟ ان حرية المرأة في اختيار حجابها في مجتمع اسلامي ذكوري متسلط هي أسطورة من الأساطير.الحجاب من أركان الاسلامكنا ندرس في حصص الدين واللغة العربية في المدارس المصرية ان الاسلام له خمسة اركان هي النطق بالشهادتين والصلاة والصوم والزكاة والحج لمن استطاع له سبيلا. ولكن اليوم أضاف المتشددون علي مايبدو ركنا سادسا هو الحجاب.وليس لي الدخول في مناقشة فقهية ولكن من حقي ملاحظة ان معظم فتيات وسيدات مصر في مدنها الكبري في الخمسينات والستينات من القرن العشرين لم يكن محجبات. اعرف ذلك لانني رأيته بعيني. فهل من المعقول ان ملايين المصريين لم يعرفوا فرضا اساسيا من فروض دينهم في تلك الفترة؟ هل معقول ان يكون الحجاب فرضا ولايقول ذلك شيخ الأزهر ووزير الاوقاف وكبار دعاة مصر وقتها؟.المعقول هو ان الحجاب فرض فرضه الفكر الاخواني ـ الوهابي وليس الاسلام. وهناك علماء ودعاة ومتخصصون اسلاميون كبار يقولون ان الحجاب ليس فرضا ومنهم المفكر الاسلامي المعروف جمال البنا شقيق حسن البنا مؤسس الاخوان المسلمين. ومؤخرا اصدر الشيخ السوداني حسن الترابي تصريحات تجيز السفور وزواج المسلمة من غير المسلم.ولكن الجماعات الاسلامية والدعاة المتشددين يسارعون الي تكفير هؤلاء واخراجهم من الملــــة لكي لايفسدوا عليهم حالة التسلط الذكوري التي يمارسونها علي نساء مصر. فهم يصادرون ويكفرون الفكر الاخر ولايحترمون حرية رأي ولاحرية شخصية حقيقية.الحجاب يصون المرأة من شهوة الرجاليحاول المتشددون تقديم الحجاب علي أنه مثال الفضيلة للمرأة وتقرأ لهم عبارات الهيام التي يصفون بها كل محجبة وكأن الحجاب قد حول المرأة الي قديسة من جنس الملائكة الاطهار، ولاشك ان هذا احد اساليب الترغيب التي يتبعونها. ولكن فكرة ان الحجاب تعبيرعن الفضيلة فكرة قديمة جدا ولم تعد ذات معني في عصرنا هذا. فنحن نعرف الان ان الفضيلة هي خلق وشخصية سليمة وقدرة حازمة علي ضبط النفس وادارة العلاقة مع الآخرين وأنها الصدق مع النفس ومع الآخر وانها المعاملة الحسنة والمحبة والرحمة والأمانة، وكل هذا لا علاقة له بما ترتديه المرأة ولا بمساحة ما يظهر من جلدها. ان حجاب المرأة في الغرب الأوروبي والأمريكي يزيد من لفت نظر الرجال وليس العكس. فكيف يكون هذا من أجل حماية المرأة من نظرات الرجل؟أما فكرة ان المرأة التي تظهر شعرها او ذراعيها تثير غرائز وشهوات الرجال وتدفعهم الي الاعتداء عليهن فهي فكرة بدائية هي الآخري. فاذا كان هذا صحيحا فكيف لانجد الشواطئ الأوروبية والأمريكية وقد أصبحت مسرحا لحوادث الاغتصاب الجماعي؟اننا هنا نري النساء شبه عاريات تماما مستلقيات تحت الشمس في استرخاء كامل والرجال حولهن في كل مكان ومع ذلك لم نشاهد رجلا واحدا يخرج فجأة عن طوره ويصيبه الهياج الجنسي ويهجم علي سيدة راقدة عارية امامه لكي يغتصبها. ان آلاف الشواطئ في مئات المدن الغربية ومئات الملايين الذين يترددون عليها كل صيف هي الادانة الفاضحة للفكر البدائي الذي روج له المفتي الاسترالي من ان لحم النساء العاري هو الذي يثير شهوة الرجال ويدفعهم لاغتصــــاب النساء. ان هذه اسطورة اخري من الاساطير التي يطلقها الفكر الأخواني ـ الوهابي المنغلق المبتعد تماما عن كل ماهو واقعي وعصري وطبيعي ومتحرر في عالمنا اليوم.والغريب ان المروجين للحجاب يقولون دائما.. وهل الأفضل هو ان تتعري المرأة وتظهر مفاتنها للجميع كالعاهرات؟ وهذا اعتراض سخيف ومتهافت. فهل ليس امام المرأة سوي اختيارين هو اما ان تتحجب وتتنقب واما ان تتعهر؟ الا يري هؤلاء الملايين من النساء في مئات المدن الغربية والشرقية وهن في اماكن عملهن في المكاتب والمصانع والمدارس في ملابس معتدلة انيقة لا هي بالمتزمتة ولا هي بالمتبرجة؟ألا توجد حالة وسط كانت هي واقع الحال في مصر نفسها منذ ثلث قرن فقط، قبل ان يسود فكر الاخوان المتشدد والمعادي للحرية الحقيقية وللفكر والابداع والفنون؟وقد يسأل البعض: ولكن لماذا كل هذا الهجوم علي الحجاب؟ ولماذا تسارع دول عربية مثل تونس واوربية مثل فرنسا بمنعه او الحد منه في اماكن بعينها؟ ما الضرر في ان مسلمات مصر قد تحجبن وعدن الي ما قبل عصر فاطمة رشدي وقاسم أمين، حتي لو كان هذا بسبب ضغوط من الاخوان؟والرد هو ان نجاح الاخوان في ترهيب وترغيب نساء مصر ومجتمعات اسلامية أخري في ارتداء الحجاب ـ بأساليب الترهيب والترغيب التي ذكرتها ـ يعني نجاحهم في فرض رؤيتهم الدينية المتشددة علي هذه المجتمعات، ومسيرة الحضارة هي مسيرة التحرر من التزمت الديني ولهذا فالعودة الي ذلك التزمت هي فعلا عودة الي الوراء كما قال وزير الثقافة المصري دون ان يشرح فكرته هذه او يساندها بالحقائق التاريخية والقرائن المنطقية. وسبب عجزه عن هذا ان الثقافة في مصر اليوم لم تعد تسمح بحرية حقيقية للفكر المتحرر او للاجتهاد الديني المستنير. فسيف التكفير مشهور ابدا، والاغتيال الجسدي او المعنوي ـ او التهديد بهما ـ امر واقع تشهد عليه عمليات اغتيال فرج فودة ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ والتهديد باغتيال سيد القمني. لقد نجح الاخوان في فرض فكرهم الديني المتشدد علي الشارع المصري منذ ان شجعهم السادات علي ذلك ولم يقدم نظام الرئيس مبارك فكراً بديلاً قادراً علي ان يكون خيارا حقيقيا امام الشباب المطحون الصاعد. فاذا بالجيل الجديد في مصر يصبح اكثر تشددا من جيل والديه، ورأينا فتيات يتحجبن رغم ان امهاتهن لم يكن محجبات. وهكذا ولاول مرة في التاريخ، يجيء جيل بأفكار وبأسلوب حياة اكثر محافظة وتشددا دينيا من جيل والديه، بينما حركة التاريخ في بقية مجتمعات العالم هي في اتجاه التحرر المتزايد لكل جيل عن الجيل السابق.في النهاية، الأمر ليس درجة الايمان او مدي التدين، فهذه بين الانسان وربه، ولكن الخطير ان الحجاب يستخدم كشعار ديني ـ سياسي معا، وهو رمز للاثنـــــين حتي ولو لم يقل الاخوان هذا ـ فنحن هنا امام شأن سياسي يتعلق بمستـــــقبل مصر وطبيعة المجتمع والدولة، وهل ستصبح مصر دولة دينـــية ام دولة تفصل الدين عن السياسة وتعامل جميع المواطنين علي أسس المواطنة الحديثة.والأخطر من هذه كلها ان كل مجتمع ذي صبغة دينية هو عودة الي القرون الوسطي، ولم يعد اسلوب الحضارة الحديثة يسمح لاي مجتمع تكبله أغلال التزمت الديني بالنجاح في اي مجال، لأن التزمت يقتل حرية الانسان ويقتل بالتالي قدرة الفرد ـ والجماعة ـ علي الابداع والانجاز وتحقيق التفوق والتجاوز في جميع المجالات. فالسؤال ليس هو كم بوصة من جلد المرأة يحل لها ان تظهر او تخفي؟ السؤال هو كيف نساعد الشباب الصاعد علي تحرير فكره وكسر أغلال استلابه العقلي لكي يجرؤ علي مناقشــــــة الموروث ومحاسبة السلطات الدينية والسياسية وتأكيد حريته الذاتية وفرض اختياراته الشخصية ضد السائد والمتسلط الذي يرهبه باسم الدين ويحرم عليه الحياة بكل مافيها من وعود الابداع والخلق والتحرر والتجاوز الحضاري البهي.ہ كاتب من مصر يقيم في نيويورك[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية