قادتنا والإعلام
محمد كريشانقادتنا والإعلامأعلنت طرابلس عن استيائها الشديد من أن محطة سي.إن.إن التلفزيونية الأمريكية شوهت مقابلة أجرتها مع العقيد القذافي وذلك لأنها ابتسرت مقاطع من هذه المقابلة التي كانت تعهدت ببثها كاملة مما يعتبر مخالفة مهنية صريحة لما تم الاتفاق عليه مسبقا بين المحطة والجهات الليبية حسب ما صرح به مسؤول إعلامي ليبي في الدوحة. ومع أن المقابلة سجلت في العاشر من نوفمبر العام الماضي وبث جزء منها في الخامس والعشرين منه إلا أن التذمر الليبي لم يخرج إلي العلن إلا أمس الثلاثاء لأن ما بين التاريخين جرت محاولات عبر خبراء قانون ومحامين دوليين لتذكير المحطة بالتزامها دون جدوي مما استلزم، حسب ذات المسؤول من السفارة الليبية بالعاصمة القطرية، إعلان ذلك علي الملأ حتي نبين أن ما قامت به المحطة المذكورة يخالف المصداقية والثقة التي اعتقدنا أنها متوافرة مع وسائل الإعلام التي تتحدث دائما عن حرية الصحافة والتعبير والنشر وهو ما خالفه الواقع بصراحة .إلي هنا ينتهي الخبر الذي لن ندخل في حيثياته التفصيلية وما إذا كانت المحطة الأمريكية مخطئة فعلا أم لا، لأن ما يهمنا فيه تحديدا هو طريقة تعامل القيادات العربية مع وسائل الإعلام الأجنبية بالخصوص وربما التلفزيونية علي وجه أدق. الملاحظة الأولي أن أغلب هذه القيادات من جهة نادرا جدا ما تعطي مقابلات لتلفزيوناتها المحلية وفي نفس الوقت تريد التعامل مع التلفزيونات الأجنبية وكأنها محلية تابعة لها. لا أدري كم من الوقت تحدث العقيد القذافي أو ماذا قال ولكن هل من المطلوب مثلا أن تبث أي محطة مقابلة مدتها ثلاث ساعات لمجرد أنها التزمت ببثها كاملة وهي لا تدري أن الضيف سيتحدث كل هذا الوقت؟! في المقابل فإن محطاتنا الوطنية الهمامة مستعدة لبث أي شيء يقوله القائد الملهم حتي لو كان طويلا مملا كمسلسل مكسيكي. من ناحية أخري، هناك هيام خاص من بعض الزعماء العرب بالتلفزيونات الأجنبية، في المغرب العربي بالفرنسية تحديدا وربما أيضا الإسبانية والإيطالية وفي المشرق بالأمريكية أولا ثم البريطانية وكثير من هؤلاء لم يتحدث مرة واحدة لا إلي تلفزيونه المحلي ولا إلي أي محطة عربية واسعة الانتشار، فيما آثر البعض الآخر السلامة فلا يتحدث لأي تلفزيون أبدا فهو يفضل دائما الصحف والمجلات، تبعث الأسئلة مكتوبة فترد الأجوبة مكتوبة وكفي. هناك فرق بديهي بيــّـن بين الخطب الجماهيرية والمقابلات التلفزيونية ففي الأولي بإمكانك أن تفعل مثل فيدال كاسترو أو هوغو تشافيز فتتحدث لسبع ساعات أو خمس دون مقاطعة إلا من تصفيق صادق أو منافق، أما المقابلات ففن آخر مختلف وأشك أن بعض قادتنا قد تواضع وأخذ دورات تدريبية في كيفية التعامل مع الكاميرا بدءا من نوعية اللباس وطريقة الجلسة وقسمات الوجه وصولا إلي صياغة الجملة القصيرة المكثفة المعبرة. ليس عيبا أبدا أن يؤتي بمستشارين وشركات علاقات عامة تجيد تلقين هذه التقنيات فقد يكون القائد، جدلا، عبقري زمانه في كل شيء لكنه فاشل تماما في الحديث أمام كاميرا ويفتقر إلي حضور البديهة وروح النكتة اللازمة لتنفيس أي لقاء تلفزيوني قد يكون مشحونا أو متوترا. ثم إن من يملك هذه الاستشارات الواسعة قد لا يوفق بالضرورة لأن للخصال الشخصية دورا كبيرا في الخروج بصورة إيجابية أو سلبية بعد المقابلة فضلا عما يقال فيها هي نفسها من آراء ومواقف ويكفي هنا مثلا استحضار بعض مقابلات الرئيس الأمريكي بوش ووزير دفاعه رامسفيلد مثلا. والخلاصة أن علي الكثير من القيادات العربية الالتفات أكثر إلي ما بات يعرف بفن أو علم التعامل مع وسائل الإعلام، وخاصة التلفزيون، قبل أن نرمي اللوم علي الآخرين كما تفعل دائما في كثير من القضايا.9