حوريّة للروائي التونسي حافظ محفوظ: عن صديق يكمل قصّة الحبّ!

حجم الخط
0

حوريّة للروائي التونسي حافظ محفوظ: عن صديق يكمل قصّة الحبّ!

منال معالج المصمودي حوريّة للروائي التونسي حافظ محفوظ: عن صديق يكمل قصّة الحبّ!لا تحاول هذه القراءة لرواية حوريّة (دار الأطلسية للنّشر. تونس 2005) للتونسي حافظ محفوظ أن تستبطن مفهوم السّرد الـ نّرسيس كما ورد لدي ليندا هتشيون، بل إنّ العبارة تخرج هنا إلي فضاء أرحب يمكن أن يعني علاقة الكاتب بنصّه في المطلق. ولمّا كانت هذه العلاقة علاقة عشق ذاتي،ّ استعرنا العبارة دون المفهوم نتوسّل بها الاقتراب إلي عالم هذه الرّواية التّي تطرح في الحقيقة مسألة غاية في الأهمية ألا وهي مسألة أصالة البناء. هذه الرواية تحاول أن تصنع بناءها الخاص وهي لا تحاكي مثالا سابقا ولا تدّعي الانتماء إلي نمط متداول في الكتابة، إنّها سليلة الشّعر والقصّة معا وهي إلي ذلك جماع أبنية اشتهرت بها ضروب أخري من الكتابة. ولعلّ هذا الاختيار الذّي نجد جذورا له في سابق أعمال حافظ محفوظ النّثرية هو ما يجعل هذه التجربة جديرة بالعناية النّقدية. فالكاتب يتوق إلي نصّ مفتوح علي شتّي الأجناس من قصّة قصيرة وشعر وسيرة ومقالة ونقد أدبيّ وخاطرة وغيرها… ففي سيرة رجل عاش يومين تصبح الرّواية مجموعة متتالية من القصص القصيرة لا يجمع بينها في الظاهر شيء ولكنّ المتمعّن يكتشف أنّها تؤلّف نصّا واحدا يتتبّع سيرة البطل الذي يغيّر أسماءه وصفاته وفق ما يقتضيه المكان والزّمان والأحداث. ويحتوي الكتاب علي فصول عديدة يمكن قراءتها علي أساس أنّها مقالة أدبية. يقول: كنت بصدد كتابة هذه المقالة وكان موضوعها الشّعر واللاّتواصل وهي عبارة عن جملة من الملاحظات حول ما يكتبه الشّاعر والمسرحيّ بول شاؤول .. وفيه نصوص هي إلي الخبر أقرب منها إلي القصّة. يقول: عن صاحبي، عن ابراهيم السمّاع ،عن أخيه صاحب الديوان، عن السّامريّ حافظ المخطوط في مكتبة الأمير والي مدينة هزار أفسان الواقعة في الضفّة العليا لبحر العرب أنّه قال …تداخل الأجناسوفي كتاب غزال الأندلس نجد الكاتب بصدد تتبّع سيرة الشّاعرالمعتمد بن عبّاد في مقطع وكتابة قصيدة حرّة علي وزن المتقارب في مقطع آخر يقول: سماء محاصرة بالنّيازك، أركب بحرا وأترك للطّير صوتي ليسقط عنّي الصّدي شجرا وبيادر، خذني إليك. أقول له أيّها البرق خذني … والأمر ذاته يتكرّر في باقي الرّوايات من ارتباك الحواس و حارس الملائكة و مكعّب الحكمة إلي رواية حورية . هذه الأخيرة لا تخرج عن هذا الاختيار الذي صار خصيصة تميّز روايات حافظ محفوظ القادم من الشعر وقد نشر سبع مجموعات شعرية . والحقيقة أنّ الرّوايات التي التزم فيها أصحابها بمثل هذا الاختيار نادرة جدّا إن لم نقل أنّها منعدمة. فقد يطعم الرّوائيّ نصّه بالشعر وقد يبنيه علي شاكلة الخبر القديم وقد يجعل منه فسيفساء لقصص قصيرة، ولكن لم نتعرّض لتجربة متكاملة تجعل من تداخل الأجناس قاعدة يسير عليها في كلّ رواياته. إضافة إلي ما تقدّم، نلمس لدي حافظ محفوظ خصيصة أخري تتكررّ أيضا وتتعمّق من رواية إلي أخري ألا وهي ما يطلق عليها النقّاد العوالم الميتاقصّية وإن كان المجال يضيق هنا بتفصيل الحديث فيها، فإنّه يمكن إيجاز القول في هذا النمط من الكتابة بأن نعرّفــــه كالآتي من ميزاته البارزة عدم اتّكاء طبيعته الإحالية كلّيا علي محاكاة الواقع أو العالم الخارجي، إنّما تستولد عوالمه الخاصّة من واقع الكتابة نفسه . واـ ميتاقص كما يعرّفه ويليام غاس هو القصّ الذي يجذب الانتباه إلي نفسه، كونه صنعة ليطرح أسئلة عن العلاقة بين القصّ والواقع وفي رواية حورية نجد الكاتب يجدّ في لفت الانتباه إلي وضعيتها القصّــــية وإلي أسباب نشــــــأتها وتكوّنها، بل إنّه يورد فصلا كاملا يعنونه بـ نقد ذاتيّ وتصحيحات يتحدّث فيه عن الرّواية ذاتها ويوجّه ملاحظات عديدة لتشكّلها ولفقرات منها وفي فصل آخر يفشي أسرارا تخصّ الكاتب وهو يكتب روايته والتّعديلات التي قام بها ليستوي عمله كما خطّط له من قبل، أي عندما جالت في ذهنه الفكرة الأساسية.البداية عند النهايةوما دمنا نتحدّث عن هذه الفكرة الأساسية فلا ضير من التّعريج عليها بإيجاز الآن لأنّنا نضعها أيضا في سلسلة الخصائص التي تجعل من روايات حافظ محفوظ أعمالا أصيلة شكلا ومضمونا. تقدّم لنا الرواية بطلا فريدا، غير مألوف يعيش حكاية حبّ عميقة ولكنّه بسبب مرض عضال يقرّر الانفصال عمّن يحبّ ويطلب من صديق له أن يكمل قصّة حبّه لهذه المرأة ومن هنا تبدأ الأحداث في التّصاعد وفي التشتّت في آن. فالصّديق الذي اختاره البطل ليس شخصا عاديّا هو الآخر. فبمجرّد سماعه لطلب صديقه الغريب ينخرط في سرد حكايته الشخصية. هذا السّرد سيكشف لنا أسرارا أخري تقدّم لنا علي أساس أنّها سيرة حياة غير عاديّة يتكفّل الكاتب بنسجها بشكل مشوّق جدّا فننسي في أثناء ذلك الحكاية الأولي التي نكتشف فيما بعد أنّها ثانوية. وتبدأ بعد ذلك سلسلة من القصص الجانبية المرتبطة ببعضها البعض بشكل محكم بحيث تعرض أمامنا حكايات تاريخية عن ملك تونس أحمد باي وعن ابن خلدون وغيرهما ثم نجد أنفسنا أمام شخصيات أخري يمكن أن تشكّل إن جمعناها مجتمعا مضطربا تنمو داخله قيم جديدة تكاد تعصف به. الرواية تبدأ حين تنتهي. فبمجرّد أن تكمل قراءتها حتّي تنهال عليك أسئلة عديدة:ـ كيف استطاعت هذه النّصوص المتفرّقة أن تصنع نصّا شديد التّماسك والتّكامل؟ـ ما هو الرّابط المنطقيّ الذي يؤلّف بينها؟ـ كيف يمكن لكلّ تلك الشّخوص رغم بعدها عن بعضها في الزمن والمكان أن تتعاون علي فعل ضمنيّ واحد قام بـه سعيد بن عيسي في لحظة مجنونة؟ـ هل أنّ رواية حوريّة هي رواية شخص أم رواية جيل أم رواية بلد كامل ينظر إلي نفسه في المرآة؟ أسئلة كثيرة لا تملك أمامها إلاّ أن تعيد القراءة من جديد لتكتشف أنّ فتنة هذه الرّواية تكمن أوّلا في قدرتها علي شدّك إليها وفي لغتها الشّعرية المنسابة وفي أصالة بنائها المميّز. ومن المسائل الجديرة بالاهتمام أيضا مسألة الرّاوي والمرويّ له في هذه المتاهة السرديّة. فإذا كان الفصل الأوّل يقدّم لنا شخصيّتين بلا أيّ تعريف لهما، واحدة تروي والأخري تنصت للحكاية، فإنّ ذلك سيغيب في الفصل الثّالث والرّابع والخامس لتتولّي شخصية أخري رواية الأحداث بالتّعاقب مع الرّاوي الأوّل ثمّ ينقطع كلّ ذلك لتوكل الرّواية إلي ضمير المتكلّم الجمع النّائب عن إخوة سعيد بن عيسي لتقصّ علينا سيرة طفولته قبل أن ينتقل للعيش مع حورية حيث يصبح سعيد نفسه الرّاوي. ليس ذلك فقط. إذ نجد أنفسنا في ستّة مقاطع مكتوبة بخطّ مغاير عن الخطّ الأصليّ للنصّ أمام راوٍ آخر هو محمّد الصّادق باي الذي يروي لنا أحداثا تعود إلي سنة 1923 . هذا إلي جانب تلك الفصول التّي يتولّي الكاتب نفسه التّعليق عن الأحداث.هذا التّغيير المتواصل للرّاوي له ما يبرّره في إطار الحكاية الكبري ولعلّ مبدأ الحضور والغياب هو الذي شرّع لذلك. لكنّ الملفت للانتباه هو أنّ أسلوب الحكاية يتغيّر من راوٍ إلي آخر فيتغيّر بالتّالي الإيقاع وهو ما يجعل قراءة هذه الرّواية قراءة بعيدة عن الرّتابة ومحكومة بالتحوّل والمفاجأة. حورية تقدّم نموذجا سرديّا متميّزا يفتن قارئه ببنائه الفريد ولغته الشّعرية الخاصّة وكذلك بهذا السّحر الخاصّ الذي ينبع من الحكاية ذاتها. إنّنا أمام عمل فنّي رائع لروائيّ ننتظر منه الكثير: هو حافظ محفوظ. جامعية من تونس0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية