ظاهرة اغتيال وإجبار الباحثين العراقيين علي الصمت
علاء اللاميظاهرة اغتيال وإجبار الباحثين العراقيين علي الصمتقبل بضعة أشهر، أثار قرار الباحث المصري سيد القمني بالتوقف عن الكتابة إطلاقا، علي أثر تهديد بالقتل تلقاه من قبل جماعات تكفيرية، زوبعةً طالت وتشعبت ولكنها انتهت كما تنتهي موجة متهالكة علي شواطئ نائية. لم تثر تلك الواقعة الكثير من الفعل التضامني بين نخب المجتمعات المدنية في العالم العربي، بله في طبقة أهل الفكر والقلم العرب أنفسهم. ربما اعتبرت حالة القمني، حالة شخصية شابها الالتباس والغموض، غير أن قرارا جديدا بالصمت عن الشأن الوطني وليس عن الكتابة ككل ـ لحسن الطالع ـ صدر عن باحث عراقي معروف هو الدكتور سيار الجميل: فتحت عنوان الرسالة وصلت نشرت جريدة النهار اللبنانية، في عددها الصادر يوم الخميس 2/2/2006 رسالة مرسلة من الدكتور الجميل، قال فيها ( أعلن للملأ أجمع وبالأخصّ قرائي الأعزاء من المتابعين، وكل أصدقائي وزملائي في أرض الوطن الحبيب، وفي كل شتات العالم، بأنني توقفت منذ صباح هذا اليوم (31 كانون الثاني ـ يناير 2006) عن الكتابة بالشأن العراقي وتحليل مسائل العراق السياسية والتحدث فيها، وبأي وسيلة إعلامية أو محافل سياسية. وسأنصرف إلي شؤوني الفكرية وبحوثي التخصصية ومحاضراتي الثقافية. وليعذرني القراء الأعزاء عن البوح الآن بالأسباب التي دعتني إلي هذا الإجراء. داعيا للعراق بكلّ الخير والتقدّم، وان يلهم كل العراقيين الوئام والسداد. مع تمنياتي للجميع بالنجاح والتوفيق، وقل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا…سيار الجميل / أستاذ جامعي عراقي مقيم بين الإمارات وكندا).إن صيغة الرسالة، علي ما فيها من ضبابية وكلمات منتقاة ومحسوبة، تذكرنا بصيغ أخري من اعترافات وتعهدات كانت السلطات الأمنية في الأنظمة الشمولية تنتزعها انتزاعا من الكتاب والفنانين والباحثين المختلفين معها والمخالفين لنهجها. هذه الرسالة تصرح بين سطورها بالكثير، فلا أحد يختار الصمت عن مناقشة الشأن العام في وطنه طوعا ودون إبداء الأسباب. ثم إن امتناع الكاتب عن التصريح بالأسباب الحقيقية لقراره يقول بحد ذاته الكثير، أما كلمات الآي القرآني الكريم التي ختم بها الكاتب رسالته قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا فبليغة حقا، أما جريمة اغتيال المحلل السياسي والأستاذ الجامعي الدكتور عبد الرزاق النعاس في بغداد، وقبل أيام قليلة فحسب، فتزيد تلك البلاغة توهجا ومأساوية، ومن باب العلم بالشيء فالكاتب الشهيد ـ النعاس ـ عرف أيضا بكتاباته وتحليلاته النقدية والمناهضة للسائد المحمي بالاحتلال. صحيح أن د. الجميل لا يقيم في وطنه العراق حاليا، غير أن من المرجح أن ذويه المقيمين هناك قد تعرضوا إلي تهديد مباشر من طرف أزعجته كتابات الجميل. ليس الأمر الجوهري الآن هو الانغمار في المحور الأمني والحيثيات والخلفيات الإجرائية البوليسية للموضوع. الجوهري كما نعتقد هو أن رسالة الجميل تصدر في السياق ذاته الذي صدر منه وعنه قرار سيد القمني بالصمت، وحدثت في مناخاته جريمة اغتيال النعاس وعشرات العلماء العراقيين سواه، وهذا أمر واضح كل الوضوح..فهل ستتسع وتسود هذه الظاهرة المفزعة، لتسكت الأقلام العربية واحدا إثر آخر في عملية اغتيال أو انتحار ثقافي مخطط لها بدهاء، دون أن تظهر في الأفق إشارة إلي طلوع ظاهرة مقاومة أو دفاع عن النفس؟ المعروف عن الكاتب والباحث الجميل، أنه عادة ما يعالج القضايا العراقية الراهنة بعمق وإبداع، والأهم من ذلك بحس وطني عال، وهو واحد من ألمع الباحثين العراقيين، الذين ظهروا في الحياة الثقافية والفكرية العراقية في العقدين الأخيرين. مقارباته، ودراساته، تميزت بالعمق، والتمحيص. لقد أنار سيار الجميل بكتاباته دروبا في مجالات ما تزال معتمة في علم الاجتماع والسياسة والتاريخ مثل ظاهرة العثمنة ، وأرسي أسس نظرة مهمة، في مجال نشوء الثقافة الإصلاحية الحديثة، وجذور وأدوار طبقة الأفندية وهي التسمية العراقية لطبقة الانتلجنسيا . ومع انه ركز بحوثه علي مدينته الموصل الفيحاء، إلا أن ما فعله، يعد سدا لفراغ كبير في الثقافة العراقية، وكشفا لتاريخ واحدة من أكثر مدن العراق حيوية، وتفاعلا مع العصر الحالي. ويكفي سيار الجميل، انه قد أعلمنا بان السلفية الحديثة ، هي من نتاج التجليات الفكرية العراقية، وأنها ولدت في مدينة الموصل، ومنها انتقلت إلي بغداد، حيث تشربها الشيخ محمد بن عبد الوهاب مؤسس حركة إخوان التوحيد والمذهب الوهابي فيما بعد، إبان دراسته في العاصمة العراقية، قبل أن ينتقل إلي مدينة البصرة، ومنها إلي الدرعية، ويبدأ دعوته المعروفة هناك. إضافة إلي ذلك، فإن سيار الجميل، هو من المثقفين العراقيين الذين يؤكدون بوجودهم، ونشاطهم الثر وحدة الثقافة والرؤية الوطنية العراقية ومنطلقاته ومقارباته، تعاكس تماما التيار، الذي يريد تفتيت الرؤية الوطنية إلي نثار من وجهات النظر الطائفية أو العرقية، عبثا. هذا الموقع الهام، قد يكون ـ وهذا المرجح ـ وراء إسكات الجميل أو دفعه إلي السكوت، ولا شيء غيره منطقا، يمكن أن يجعل كاتبا مبدعا ومتحمسا مثله، يتوقف عن أداء دوره، سوي الحقد الأعمي عليه كأحد ممثلي الثقافة الوطنية، هذا عدا عن الجهل والانحطاط، الذي يرعاه المحتلون ويسعون بكل قوتهم لتسييده، عبر، رعاية رهط من عديمي المواهب، والممتهنين للتجارة بالوطن والقيم، وضمان هيمنتهم علي الحياة والثقافة.إن السياسة العراقية الحالية بمعظمها أصبحت علي الطرف النقيض من الحالة الثقافية المرتجاة والتي طبل لها الكثيرون في ظروف الديموقراطية المحمية بالدبابة الاحتلالية.لم يقل لنا سيار الجميل شيئا، عن الأسباب التي دفعته لاتخاذ مثل هذا الموقف القاطع، لكن الرسالة وصلت وهي اليوم مرسلة باتجاه الثقافة، والمثقفين العراقيين قبل غيرهم، فهذا أحد حملة القلم النظيفين والفعالين يصمت، ويتحدي بصمته من أجبروه عليه. غير أن صمت الآخرين عن هذه الظاهرة المفزعة، هو ما سيجعل أعداء الكلام والكتابة في عداد المنتصرين علي الكلام والكتابة..والحياة. لا حل ولا أمل، ولا أفق، إلا بالثقافة الحرة والحية والمبدعة، وانبعاث صوتها الصانع للحياة الحقة، ومن يعرفون بحسهم الأسود والموروث من محاكم التفتيش وغيرها هذه الحقيقة لا يتأخرون، وها هم يبادرون لإسكاتها، لقد استهدفوا سيار الجميل، بعد أن تأكدوا من انه أحد ممثليها الخطرين ، وأن لديه ما يقوله في الاتجاه الصحيح، لهذا صرخوا بوجهه: اصمت وإلا .. وأسكتوه.ما الذي تحمله هذه الواقعة من دلالات؟ وعلي أي قلم سيكون الدور القادم؟ لعل أقل ما يمكن فعله اليوم هو رفع الصوت بالتضامن مع الجميل، مع كل جميل آخر سيستهدف.. لنطالبه بفضح الأسباب الحقيقية لقراره المؤسف هذا. لنقف معه ضد المهددين والمبتزين حملة رايات الظلام والصمت والتكرار والتكفير وتخوين وما تبقي من باقة الإكليل الديموقراطي الأمريكي المقذوف في وجوه شعوبنا..قولوا لسيار الجميل : لا تصمت، سندافع عنك وعن قلمك بالقلم، من أجل عراق حر ينبض بحياة جديدة..كاتب من العراق يقيم في جنيف0