تخطيط
وترى ‘واشنطن بوست’ إن حفتر خطط لعمليته منذ عدة أشهر، وهدفه كما يقول أصدقاء مقربون له التخلص من الميليشيات الإسلامية المتهمة بترويع البلاد والقيام باغتيالات واختطاف المنافسين السياسيين.
وما يساعد حفتر على مهمته هو الفراغ الامني والسياسي في البلاد، فقد عجزت الحكومة المركزية والمؤتمر الوطني عن حل مشاكل البلاد الأمنية وتشكيل وحدات شرطة وجيش لمواجهة الميليشيات القوية التي ظهرت أثناء الثورة، وفشلت في وقف حملات الإغتيال والإختطاف التي انتشرت في البلد الغني بالنفط. وتنقل الصحيفة عن شاب من سكان بنغازي قوله ‘في هذا الوقت الناس يعيشون حالة من اليأس’.
وأضاف أنه مستعد لدعم حفتر إن أثبت نجاحا وأنه لا يقوم بما يقوم به للمجد الشخصي. وكان حفتر قد أدهش سكان ليبيا عندما أعلن في شباط/فبراير عن خطة لإنقاذ البلاد والتي يقول زميله بن علي إنها تعبير عن قرفه من الوضع في البلاد وانتشار الفوضى. وقال حفتر لصديقه ‘علينا أن نوقف كل هذا’ وبسبب عجز المؤتمر الوطني والحكومة فقد قرر أن يقوم بالعمل بنفسه ‘والقتال من أجل حقوقه’.
مع وضد القذافي
كان حفتر من الضباط الشباب الذين شاركوا في الإنقلاب الذي قاده معمر القذافي ضد الملك العجوز إدريس السنوسي عام 1969، وظل مع حركة الإنقلاب حتى عينه القذافي للإشراف على الحرب مع تشاد في الثمانينات من القرن الماضي حول إقليم أوزو وأسر في المعارك وأفرج عنه وبعدها انقلب على القذافي، وأصبح رئيسا للجيش الوطني الليبي (1988) في تشاد وأعلن أنه تلقى مساعدة من المخابرات الأمريكية لتنفيذ محاولة انقلابية ضد القذافي لكنها فشلت. وبعدها انتقل للولايات المتحدة حيث عاش في لانغلي، في فرجينيا وحصل على الجنسية الأمريكية، وتظهر السجلات إنه شارك في انتخابات 2008 و 2009.
وتنقل الصحيفة عن عضو في المعارضة الليبية قوله إن حفتر وعائلته كانوا يعيشون في وضع مريح في مدينة فولز تشيرتش حتى عام 2007 وبعدها انتقلوا إلى بيت مكون من خمس غرف في بلدة هادئة في فيينا، وباع بيته الثاني عام 2010 بمبلغ 612.000 دولار أمريكي. وهذا يعني انه كان يعيش في بحبوحة من أمره. ومع بدء الثورة عام 2011 استقبل بحفاوة ولكن البعض رأى فيه جنرالا متعجرفا ويطمح للسلطة، ولم يكن قادرا على قيادة المقاتلين لأن وزير الداخلية عبدالفتاح يونس الذي انشق عن النظام كان في موقع القيادة قبل اغتياله.
وتنقل الصحيفة عن جلال القلال المتحدث السابق باسم المقاتلين قوله إن حفتر كان مثل ‘الولد الصغير’ وكان يرغب بمنصب رئيس هيئة الأركان. ولم يحظ حفتر رغم تجربته العسكرية وتدريبه في الإتحاد السوفييتي بالنجاح الذي كان يرغب فيه، خاصة أن غيابه الطويل عن البلاد أثار الشكوك حول ولائه الحقيقي. وفي الوقت الذي لم يحقق فيه المجد الذي اراده في أثناء الثورة إلا أن ‘انتفاضة’ حفتر الحقيقية بدأت يوم الجمعة وهي التي أدت لحالة استقطاب في البلاد حيث حصل على دعم بعض الميليشيات القوية في بنغازي وجبل نفوسة، وقاعدة طبرق الجوية، وميليشيات محلية في طرابلس، ومعظم من دعموه هم إما من أبناء القبائل أو الجنود السابقين في الجيش الليبي السابق. ويواجه حفتر البرلمان والحكومة الإنتقالية والميليشيات الإسلامية فيما دعا المؤتمر الوطني كتائب مصراتة للدفاع عن طرابلس.
حرب ضد الإرهاب
وبحسب ونيس بو خادمة قائد مجموعة مؤثرة في بنغازي والذي يخوض منذ مدة حربا مع الإسلاميين فالمعركة مستمرة حتى يتم التخلص من الإرهاب. وقال ‘اصبح الأمر واضحا إما نحن أو هم’. وفي الوقت الذي حسمت فيه القوى العسكرية أمرها أو على الأقل بعضها إلا أن الطبقة السياسية مشتتة كالعادة ولا تعرف كيف ترد على الأحداث. ففي يوم الإثنين اقترحت الحكومة الإنتقالية التصويت على رئيس وزراء جديد، وتعليق عمل المؤتمر الوطني لحين عقد الإنتخابات التي لم تحدد بعد.
وترى صحيفة ‘نيويورك تايمز’ أن حظوظ الخطة من النجاح قليلة. ولكن ما هو واضح حسب الصحيفة هو أن ‘مدنا وقبائل وجماعات مسلحة في كل أنحاء ليبيا حددوا مواقعهم يوم الاثنين في رد على هجمات الجنرال المرتد على الميليشيات الإسلامية وأعضاء المؤتمر الوطني’.
وقالت إن الجنرال خليفة حفتر هدد بانقلاب بل وحتى حرب أهلية، على الرغم من أنه ليس من الواضح إن كانت لديه القوة لتحقيق هذا. ولكن حفتر حمل الكتل الإسلامية الكبرى في المؤتمر الوطني المسؤولية واتهمه بالعجز والتغاضي عن تصرفات الميليشيات. وترى ان تمرد حفتر الجديد يوم الجمعة قد ضرب على وتر حساس لدى الكثير من الليبيين القلقين من عجز المؤتمر الوطني والميليشيات خاصة في مدينة بنغازي، شرق ليبيا، والتي تشهد عمليات اغتيالات وتفجيرات.
افشال منح الثقة
وبنفس السياق تقول صحيفة ‘كريستيان ساينس مونيتور’ إن مدى تأثير حفتر على القوات المسلحة غير واضح إلا نقده ربما يلقى صدى بين الليبيين المحبطين من أداء السلطات الإنتقالية.
وتقول إن هجوم حفتر على مبنى المؤتمر الوطني ربما جاء توقيته لإحباط خطة لمنح الثقة لحكومة أحمد معيتيق والتي ينظر إليها المعارضون على أنها ‘قريبة من الإسلاميين’ بحسب دبلوماسي غربي والذي أضاف أن ما يجري في ليبيا هو ‘صراع على السلطة بين الليبراليين والإسلاميين’.
وتلاحظ صحيفة ‘الغارديان’ في تقرير أعده إيان بلاك وكريس ستيفن أن حفتر يقود تحالفا مائعا من القبائل والجنود السابقين والميليشيات المسلحة التي لا يجمعها إلا هدف واحد وهو العداء للإسلاميين، ويتمتع حفتر بدعم قوي في إقليم برقة شرق ليبيا وفي الغرب وهما منطقتان مهمتان بسبب الثروة النفطية.
وترى الصحيفة أن مفاوضات سرية جرت خلال الأشهر الماضية بين القبائل والميليشيات والجيش عبدت الطريق لهذه العملية المنسقة حيث قام سلاح الجو والجيش بالهجوم على معاقل الإسلاميين في بنغازي، فيما قامت ميليشيات الزنتان بالهجوم على مقر المؤتمر الوطني في طرابلس.
وترى الصحيفة أن حفتر قد يكون حقق نتائج من خلال رد الحكومة الإنتقالية والمؤتمر الوطني لكن الأزمة كشفت عمق الإنقسام في البلاد ومن الصعب التكهن بما سيحدث لاحقا.
ومن المؤكد هو استمرار العنف خاصة أن ليبيا اليوم هي دولة فاشلة، والسبب هو عدم اتفاق الميليشيات المسلحة على هوية الدولة الليبية بعد انهيار حكم القذافي.
ما هو موقف الولايات المتحدة؟
للإجابة عن هذا السؤال طرح إيشان ثارور في ‘واشنطن بوست’ عددا من الأسئلة حول طبيعة الصراع الدائر في ليبيا وعجز الحكومة الإنتقالية ودور الميليشيات في مرحلة ما بعد القذافي. وتساءل عن شخصية حفتر وعلاقاته بالمخابرات الأمريكية.
فكما أشرنا أعلاه فقد أنشأ حفتر ‘الجيش الوطني الليبي’ في تشاد وأعلن انه حصل على دعم الولايات المتحدة.
وفي لقاء اجرته شبكة ‘سي أن أن’ مع علي العجيلي، السفير الليبي السابق في واشنطن عمن دعم القوات المعادية للقذافي في تلك الفترة، ولم يرد السفير على هذا السؤال وفيما إذا كانت ‘سي أي إيه’ قد دعمت جماعة المعارضة التي انشأها حفتر ولكنه علق ‘الأمريكيون يعرفونه جيدا’ وأضاف ‘اعتقد أن العمل مع سي أي إيه لخدمة مصالح بلدك الوطنية لا يعتبر عارا’. ورفض مسؤول في الإستخبارات عام 2011 التعليق مذكرا بالسياسة التي تقضي بعدم مناقشة موضوعات كهذه.
وفيما إذا كانت المعركة الحالية بين الجماعات العلمانية المدعومة من الأمريكيين من جهة والإسلاميين من جهة أخرى، يقول ثارور إنه لا توجد أدلة تشير ليد أجنبية في الأحداث الأخيرة. وفي الوقت الذي تقدم القوى المؤيدة لحفتر نفسها على أنها معادية للإسلاميين إلا انها لا تعارض وبشكل كامل الجماعات هذه.
وفي هذا السياق تقول ‘الغارديان’ إن سي أي إيه والبنتاغون قد ترحبان بتحرك حفتر، وكانت طائرات الإستطلاع الأمريكية ‘درون’ واضحة في سماء ليبيا، ولكن وبسبب مخاوفها من تكرار الدرس المصري فالخارجية الأمريكية مترددة بتقديم الدعم لحفتر، خشية من استبداله الديمقراطية وحكومة إسلامية بديكتاتورية.
تداعيات الأزمة
تركت المواجهات العسكرية أثارها على الوضع الامني في البلاد، فالعاصمة تشهد هدوءا حذرا فيما استدعت الشركات الأجنية موظفيها وأعلنت السعودية إغلاق سفارتها، وأغلقت تركيل قنصليتها في بنغازي، وألغت شركة الخطوط الجوية لليبية ‘الإفريقية’ رحلاتها للندن، فيما أرسلت الجزائر وتونس تعزيزات عسكرية للحدود مع ليبيا، فيما ارتفعت اسعار النفط مع ظهور الأخبار عن المواجهات في ليبيا.
وفي تعليقه على التطورات الأخيرة كتب باتريك كوكبيرن في صحيفة ‘إندبندنت’ أن المواجهات الأخيرة تعتبر الأعنف في ليبيا منذ سقوط نظام القذافي وتشير لتفكك الدولة الليبية حيث عجزت جماعات المعارضة عن ملء الفراغ الذي تركه القذافي، خاصة أن الحرب التي قادت لانهيار نظام الأخير تمت بمساعدة جوية من قوات الناتو.
وما يثير التناقض في المعركة الأخيرة هو ان كلا القوتين المتصارعتين يتلقى جنودهما رواتبهما من خزينة الدولة، وهناك 100 ألف جندي سابق لا يزالون يتلقون رواتبهما ولكن قلة منهم تحضر للمعسكرات والعمل.
ويقول الكاتب إن عددا من الليبيين يتعاطفون مع حفتر وموقفه من الإسلاميين، بل ويتعاطفون مع أي شخص يعيد الامن للبلاد بحسب الكاتب. ولا تفوت المشاهد للأحداث في ليبيا إلا مقارنتها مع ما حدث في مصر ولكن مع الفارق، فحفتر يؤكد أن لا طموح له في السلطة.
وهو ما أكده مرارا قائد الإنقلاب في مصر عبد الفتاح السيسي الذي قال مرارا وتكرارا إنه لا يطمح لسلطة أو منصب.
بخلاف أن السيسي استطاع تأمين دعم شعبي لحركته قبل الإطاحة بالرئيس محمد مرسي. ومن هنا فمصير حركة حفتر وحربه على الإسلاميين يظل رهن تحقيقه الدعم الشعبي.
إبراهيم درويش