لا يدري احد المرجعية التي يتبناها حكام بغداد لتسيير شؤون البلاد والعباد. فلو ذهبنا لاستشارة اكبر الخبراء القانونيين فصاحة وذكاء حول تصرفات الحكومة ومدى موائمتها مع الدستور، لظل ذلك الخبير مشدوها حائرا، وبالتالي عاجزا عن تصنيف نظام حكمنا، إن كان رئاسيا او برلمانيا، اتحاديا او لامركزيا او كونفدراليا. كما ان اعتى المتخصصين يقفون مذهولين لتفسيرات الرئاسات الثلاث، الجمهورية والوزراء والنواب للدستور. ان الاحزاب المنضوية في العملية السياسية والحكومات المحلية وحكومة اقليم كردستان والحكومة المركزية تتعامل مع الدستور بطريقة عجيبة غريبة، فهي تلوي عنق احكامه حسب ما تشتهي، وما يحقق مصالحها الذاتية والفئوية. لقد كان الدستور فاقدا لمرجعيته منذ كتابته، ولم تكن مواده في يوم من الايام تحظى بالاحترام من احد. انه مفتوح على جميع الاحتمالات والتفسيرات، في ما يتعلق بأحقية تأسيس الاقاليم او عدمه، او كيفية استحداث محافظات جديدة او رفضه.
ان تسلسل الاحداث السياسية وما يجري للحكومة المركزية من تجاذبات، وما يصدر منها من ردود أفعال، تجعلنا نصل الى نتيجة مفادها ان الحكومة في واد والشعب في واد آخر، فالحكومة تغرد وحدها ولا تهتم باحد. الخلافات النفطية بين الحكومة المركزية وحكومة اقليم كردستان ليست وليدة البارحة، انما عمرها اكثر من ثماني سنوات، ولم تتمكن حكومة بغداد من حلها بعد. وفي كل مرة تسوى المشاكل بين الجانبين ليس بالاستناد الى الدستور، بل وفق صفقات سياسية تشتري فيها الحكومة رضى الطرف الاخر بمقايضة سياسية تتعلق بهذه المشكلة او تلك. والغريب ان الطرفين يقرآن الدستور قراءة تناسب مبتغى كل فريق منهما، ويعتقد كل منهما بدستورية صنيعه دون الاخر.
تطور الامر ليصل الى فوضى تأسيس المحافظات، فالامر لم يتوقف عند طوزخرماتو او تلعفر او الفلوجة وغيرها، انما طلب ممثلو احدى المحافظات الجنوبية الموافقة على تقسيمها الى اربع محافظات. واستمرت قائمة الطلبات المماثلة من ممثلي المحافظات الاخرى. فلا الحكومة تتمكن من الاجابة على هذه الطلبات ولا الدستور يعطي الجواب الشافي. ولا احد يعرف مدى صلاحيات هذا المحافظ او ذلك، فالمحافظ الذي تمتلك محافظته النفط قوي بقوة اقتصاده.. مرة يطالب الحكومة بخمس دولارات لكل برميل نفط يستخرج من ارضه ويهدد بالمظاهرات لتلبية طلبه بغض النظر عن بقية المحافظات. والاخر الذي لا تمتلك محافظته شيئا تتحكم به احيانا المليشيات او الاحزاب النافذة. ان تصعيد الطلبات اليوم من هنا او هناك يشكل فوضى عارمة لمصداقية البلد الواحد.
اخيرا وامعانا في الفوضى الادارية والدستورية هدد محافظ البصرة محافظ ذي قار قبل ايام بقطع المنتجات النفطية عن محافظته، ما لم يقطع مجرى نهر يصب بالاهوار وشط العرب. بحجة ان نسبة الملوحة في ذلك النهر عالية جدا مما زاد ملوحة مياه الاهوار وشط العرب وأثر سلبيا في اهالي البصرة. كل محافظ اصبح رئيس دولة يهدد ويتوعد ويطالب بامتيازات لمحافظته، من دون الالتفات للوطن. والحكومة لا تدري ما الذي تفعله امام هذه الصراعات التي لا تكاد تنتهي. نحن الان في العراق الجديد امام عراقات متعددة واقرب ما نكون الى الكونفدرالية منه الى الفيدرالية مع اقليم كرددستان. ولا يمكن في هذا البلد ان يفرق احد بين النظام اللامركزي ونظام الدولة الاتحادية، بل حتى الحكومة لا تدري في أي طريق تسير، فالنظام بالنهاية خليط غير متجانس من الطائفية السياسية والديكتاتورية والعشائرية، وشيء من الديمقراطية على الطراز العراقي.
ان الشوارع مليئة بتلال القمامة والجراثيم مع برك المياه الاسنة والغريب، ان هناك من يتجرأ لتشييد ينبوع وسط ساحة دائرية بملايين الدولارات، من دون ان يسأل نفسه ايهما اهم حالة الشوارع المهدمة والمهملة التي لا تحتوي على مجار لتصريف المياه، ام بناء ينبوع ماء جمالي وسط ساحة على اطرافها الاوساخ. ان حالة الطرق المأساوية وأرصفتها وغياب المجاري جعل الشعب يتشاءم من الامطار التي هي رحمة للناس، لان نزولها يسبب فيضانات كثيرة ويجعل البرك المائية تملأ الشوارع والارصفة، ولا يستطيع المواطن السير في معظم الشوارع حتى السيارات احيانا لا تستطيع عبور بعض الشوارع.
لقد انتظر الشعب العراقي قانون التقاعد الموحد الجديد منذ حوالي سنة، وفي كل مرة يتعلل البرلمان بعدم اكتمال النصاب او دراسة القانون لاعطاء حقوق الطبقات الفقيرة والمهمشة والضعيفة، لكن ‘تمخض الجبل فولد فأرا’. ان الذين شرعوا القانون التقاعدي الجديد لم يفكروا الا بمصالحهم الآنية الانانية، فعلى الرغم من توافق الشارع العراقي على أن اعضاء البرلمان شأنهم شأن بقية الموظفين لا يحق لهم التقاعد الا عندما يخدمون الوطن كغيرهم.. الا ان جشع السلطتين التنفيذية والتشريعية لا تشبعها الرواتب الفلكية التي لا تدانيها رواتب اي من اقرانها في الدول الغنية او الفقيرة. اليوم يريدون ان يسرقوا باسم القانون ليس ثروة هذا الجيل فحسب انما ثروات الاجيال القادمة.
اما التعليم فقد وصل درجة من الانحطاط والتردي، بحيث باتت الجامعات تخرج جهلة، الامر ليس بالغريب اذا ما علمنا ان النجاح مضمون للجميع ويمكن شراء الشهادة الرسمية بالمال، واسمعوا قصة حقيقية حدثني عنها صديق في اوروبا قائلا: ان هناك استاذين عادا الى العراق لخدمته وقد التقيا مع عميد احدى الجامعات الاهلية واتفقا على معظم الامور، وقبل توقيع العقد قال لهما العميد اريد ان اقول لكما بان النجاح في جامعتنا مضمون. فما كان من الاستاذين الا ان مزقا العقد وعادا ادراجهما. انه لامر محير عن كيفية اتخاذ الحكومة لقرارات تمس حياة الشعب فقد هدمت الكثير من المدارس بحجة بناء مدارس بديلة والنتيجة مأساوية، فلا المدرسة البديلة بنيت ولا القديمة اصلحت، ويتناوب على ما تبقى من المدارس ثلاث دورات دراسية لمدارس متعددة. يمكن ايضا شراء اسئلة الامتحانات الوزارية بأثمان متعارف عليها، وبالنتيجة لن يتمكن من شرائها غير الاغنياء الجدد، ويمكن لاولادهم الحصول على كليات حسب رغباتهم، يتخرجون منها بدرجات متوفقة. اما فوضى الهروب الى الامام فباتت شائعة في عراق اليوم فقد ذهبت الى وزارة التعليم العالي لطلب معادلة شهاداتي، لكنهم رفضوا استلام الشهادات لانها يجب ان تنجز عبر ارسالها بالانترنت، فسبحان الله نفكر في الحكومة الالكترونية والتواصل عبر الانترنت ولا نملك مقومات تشغيل الكومبيوترعبر تأمين استمرارية التيار الكهربائي بدون انقطاع. كما ان هناك الكثير من اصحاب الشهادات المزورة من البرلمانيين والسياسيين المقربين من السلطة يسرحون ويمرحون لا يزعجهم او يعاقبهم احد.
أما الجانب الامني فان حسابات بسيطة لسياسات البذخ والتبذير في بعض القطاعات العاملة غير المنتجة تنبئنا بقرب افلاس الدولة، رغم الواردات المالية الضخمة، جراء تصدير النفط. لو اخذنا اكثر القطاعات تكلفة بعد النواب والحكومة المركزية والحكومات المحلية لوجدنا أنه قطاع الجيش والشرطة فقد وصل العدد الى اكثر من مليون ونصف المليون وهو عدد يزيد عن مجموع القوات الامريكية وراتب اقل متطوع يزيد عن مليون دينار، علما بأن الحكومة فتحت باب التطوع لمواجهة ازمة الانبار. ان خزينة الدولة تدفع رواتب مجزية للضباط ولو حسبنا معدل الرواتب لمدة اثني عشر شهرا لوجدناها ارقاما مذهلة لجيش لم يحارب لحد الان دفاعا عن الوطن. لقد زج في حرب داخلية ضد شعبه.اما الرتب العسكرية فتمنح جزافا!
عادت سياسة التهجير التي استخدمها النظام السابق ضد الاكراد والاكراد الفيلية لتعمم اليوم على التهجير القسري لاهالي محافظة الانبار وغيرها، فقد اضحى العراقي مهجرا داخل بلده. انها الســياسة الامريكية نفسها التي قضت بتهديم بلاد الرافدين على رؤس اهلها لخلق فرص عمل جديدة للشركات الامريكية والاستحواذ على منابع النفط.
اخيرا فان دول العالم اجمع تبحث عن الكفاءات لتسريع تقدم بلدانها باستثناء العراق الذي يقدم الجهلة ويحتقر العلماء ويضعهم بين خيار الهروب او القتل والاهمال والازدراء.. نعم ان سوء الادارة والفساد والمحسوبية والمنسوبية في التعيينات وتجييش الشعب لمحاربة الانبار والمحافظات المنتفضة، اضافة الى الرواتب الفلكية للوزراء والنواب والقضاة، والدرجات الخاصة والشركات الامنية الاجنبية والمجاهدين الجدد الذين ظهروا اثر قانون الخدمة الجهادية، توضح المخاطر الاقتصادية التي تنتظر العراق. الخوف كل الخوف ان يستسلم الحاكم والمحكوم الى قوانين الفوضى ويتعايشان معها من دون أي محاولة لاصلاح الامور العامة والخاصة لشعب فقد البوصلة منذ عقود، وفي حيرة من امره امام حكام يقودونه ذات الشمال تارة وذات اليمين تارة اخرى.
كاتب عراقي
د. نصيف الجبوري