من يكمن في تفاصيل الدبلوماسية الفرنسية؟

إنه سؤال مشروع.. من بين عشرات الأسئلة المشروعة التي يمكن للرأي العام أن يطرحها.. وهو سؤال، طبعا، بالإمكان طرحه بصورة أقل جدلا أيضا، وحتى بذلك لا يقل مشروعية ولا- لو سمحتم- وجاهة – وهو: ماذا ترغب الدبلوماسية الفرنسية حاليا؟
لم يبد لوران فابيوس ذات المساء في واشنطن حاملا أوراقا جديرة بتعزيز قناعة أن الدبلوماسية الفرنسية قوة ضاغطة في سبيل تغيير وجهة الجمود العام الذي وصلت إليه المساعي الدولية، لفرض خيط رفيع يمكن أن يعتمد عليه ـ أخيرا ـ لمعرفة أي مكانة تعتزم الدبلوماسية الدولية شغلها، في إطار المعالجة لأزمات مفتوحة على أكثر من جبهة.
ليس هناك من مناص للرد على هذا السؤال، ولا على السؤال التمهيدي لهذا المقال الذي استشفعنا بقدر من التهكم في صياغته ـ سوى .. سؤال آخر سنسميه هذه المرة سؤال الخيارين: هل تسعى فرنسا لاسترجاع صيتها الدبلوماسي الذي شهد التاريخ على تميزها فيه؟ أم أنّ الأمور لا تعدو هذه المرة، كما في مرات عديدة، الوقوف عند حد الامساك بالعصا من المنتصف، مع ما نعرفه من تبعات منوطة بهذا النوع من اللعبة القائمة على التغني بشعار ‘أنصاف الحلول هي الحل’..؟ دعونا ندخل في صلب الموضوع فنتساءل عن سبب التمسك الفرنسي بصفقة سفينتي ‘ميسترال’ الحربيتين، التي يفترض أن تسلمهما فرنسا لروسيا في أغسطس/آب القادم، كأن شيئا لم يحدث من ضم الكرملين أرض القرم الأوكرانية، ولا من تصعيد حدة التوتر بين شعبين، ولا من بزوغ إرهاصات أجواء مشحونة قديمة جديدة، بين ما باتت الأجيال التي سبقتنا تصطلح عليه بصراع المعسكرين الليبرالي والشيوعي، الذي رأينا ‘فضائله’ و’منافعه’ على ملايين من الناس. دعونا نتساءل أيضا، وليس على سبيل الحصر أبدا، ما الذي يحدو بفرنسا إلى التوقع بأن زيارة بوتين المرتقبة إلى محافظة نورماندي الفرنسية ستسهم في إزالة التوتر القائم بين الدب السوفييتي وجمهورياته السابقة، الذي لا تشكل الأزمة الأوكرانية سوى غيض من فيض مطامح عملاق عسكري وصناعي يسعى بكل الطرق إلى استعادة موقع شبيه ـ شكلا ومضمونا ـ بذاك الذي كان يحتله قبل سنوات مضت؟ جدير بنا التساؤل فعلا عن دبلوماسية ضمت فيها فرنسا من جهة صوتها إلى أصوات المنددين بالخطوة تلك التي أقدمت عليها روسيا، ولم تتوان فيها بالمقابل عن المضي بصفقاتها الحربية معها قدما، متعللة بأنها ستسلم السفن، لكن من دون كامل تجهيزاتها التقنية.. تقول فرنسا، فهذه السفن الحربية متعددة الوظائف القادرة على نقل طائرات الهلكوبتر والدبابات، ستسلم إلى السلطات الروسية، حسبما علمنا، بلا أنظمة قتالية ولا أنظمة تواصل مشفرة. طبعا، فهذه وتلك منوطة بموافقة مزدوجة، حلف أطلسية من جهة، وأمريكية من جهة أخرى.
سفينة، ولكن من دون كامل تجهيزاتها التقنية.. هذا هو ما تقترح في النهاية دبلوماسية خارجيتنا الاشتراكية، وكأن شعورا مرضيا بالحنين إلى الدب الروسي والعمر المجيد للثورة البلشفية أقعدتها عن اتباع قواعد المنطق لتنساق محلها وراء ثوابت مألوفة، في سبيل تطبيق دبلوماسية كأنّ شيئا لم يكن، دبلوماسية النعامة التي تدفن رأسها في الرمال، والتي أرى لها تبعات مباشرة ولن تفوت حتى على الطالب المبتدئ في كلية العلوم السياسية.. وها كم بعضا منها:
1ـ ان تفقد فرنسا قدرتها على الدفاع عن واحد من أكثر مبادئ السياسة الدولية فعالية، وهو مبدأ كان قد صاغه الجنرال ديغول في وقته، مبدأ ‘العظمة من أجل الاستقلال الوطني’، وبواسطته ظلت تسعى فرنسا إلى التفرد بالمواقف، بالمبادرات، باستخدام موقعها كعضو دائم في مجلس أمن منظمة الأمم المتحدة وإن كان ديغول قد شك في فعالية المنظمة إلى حد كبير.
2 ـ ان تفقد فرنسا قدرتها في عالم متعدد الأقطاب والمصالح السياسية والتوجهات الاقتصادية على ريادة زعامة دبلوماسية أوروبية تجعل منها قطب رحى اتحاد أوروبي لا ينفك يبتعد عن مثله القائمة على ضمان نمو دولها ورعاية رفاه شعوبها، وربما الأهم تحقيق السلام.
3 ـ أن تواصل الدبلوماسية الفرنسية، في المقابل، أخذ منحى أبعد ما يكون عن منحى الدبلوماسية، وأقرب ما يكون الى طباع الفرنسيين أنفسهم، وهو طبع العجز عن اتخاذ القرارات من دون مراجعتها باستمرار. إنه موقف صعب على فابيوس الدفاع عنه حقا، هذا الموقف القائم على تحويل تناقض الإدانة الممزوجة بالتعامل الاقتصادي، إلى متغير دبلوماسي فاعل لا يزال يعتقد ممكنا بناء استراتيجية واضحة.
ولعل تعليقي هنا سوف ينظر إليه بشيء من الاستفزاز، لكنني أرجو بعض الحلم، فبقدر ما طبع الفرنسيون على المماطلة والتلكؤ، بقدر ما أمكن لي الرد بقولي: ‘كلنا لوران فابيوس..’. كلنا لوران فابيوس، فمواقفه الدبلوماسية المبنية على الإمساك بالعصا من المنتصف وعلى أنصاف الحلول، إنما هي محاكاة طبق الأصل لطباعنا نحن الفرنسيين، الذين دائما نقاسي الأمرّين عندما يتعلق الأمر بحسم القرارات. ‘مقاربتنا قائمة على الحزم والحوار’ يقول الوزير.. هلا سأل الوزير فلاديمير بوتين عن مقاربته هو للموضوع، فتداول معه في ما هو مستعد للتحاور فيه مع الشعب الاوكراني ـ وإن ابدى بعض التليين اخيرا ـ ولكن ليس آخرا بكل تأكيد وكما يعلم الجميع.
وهلا نحن سألنا وزيرنا عما الذي جعل دبلوماسيته تتراجع على شاكلة إفراغ بالون منفوخ للأطفال من هوائه، لتتحول فرنسا، قبل أن يفوت الأوان، من رأس مبادرة لإنهاء ما كان لا يزال يظهر في صورة أزمة في سورية، إلى دولة تنضم إلى باقي الأمم مكتوفة الأيدي أمام سورية صارت على حد تعبير أحد وجوه الإعلام السمعي البصري العربي أرضا مستباحة؟
ثم ما الذي جعل وزيرنا ودبلوماسيته يتراجعان القهقرى عن المسلك القويم الذي كنا رأينا ارهاصاته عند المطالبة بتشديد التأطير على اتفاقية جنيف بشأن النووي الإيراني، بما يقلل أمام هذه الأخيرة فرص التلاعب الضبابي بشأن سلمية التجارب أو عسكرتها؟
من يكمن في تفاصيل الدبلوماسية الفرنسية إذن؟ كلنا نعلم الجواب عن سؤال العبارة المتداولة لغة… أما اصطلاحا وممارسة وعملا، فلسنا بعيدين عن الاعتقاد بأن الجواب لن يتغيّر.

كاتب وإعلامي فرنسي

بيار لوي ريمون

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية