الزمن‭ ‬الضائع‭ ‬

حجم الخط
0

يخطئ‭ ‬تلاميذ‭ ‬المدارس‭ ‬وطلاب‭ ‬الجامعات‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬الزمن‭ ‬النّحوي‭ ‬بدقّة،‭ ‬فهم‭ ‬يعتقدون‭ ‬أنّ‭ ‬الماضي‭ ‬الذي‭ ‬في‭ ‬الفعل‭ ‬سافر‭ ‬في‭ (‬سافر‭ ‬زيد‭) ‬يعني‭ ‬أنّه‭ ‬حدث‭ ‬وانقضى‭ ‬وبات‭ ‬في‭ ‬حكم‭ ‬الغابر‭ ‬ولذلك‭ ‬يسمّى‭ ‬ماضيا‭. ‬وحين‭ ‬تسأل‭ ‬أحدهم‭ ‬لكنّ‭ (‬قام‭) ‬في‭ ‬قول‭ ‬مقيم‭ ‬الصلاة‭ (‬قد‭ ‬قامت‭ ‬الصلاة‭) ‬و‭(‬فتح‭) ‬في‭ ‬قول‭ ‬المُؤْذن‭ ‬بفتح‭ ‬الجلسة‭ ‬في‭ ‬المحكمة‭ (‬فُتحت‭ ‬الجلسة‭) ‬هل‭ ‬يفيدان‭ ‬حدثا‭ ‬انقضى؟‭ ‬فمعلوم‭ ‬أنّ‭ ‬الصلاة‭ ‬لم‭ ‬تُقَم‭ ‬بعْدُ،‭ ‬والجلسة‭ ‬القضائيّة‭ ‬لم‭ ‬تُفتح‭ ‬بعدُ‭ ‬فإنْ‭ ‬كان‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬صيغة‭ ‬الفعل‭ ‬يعني‭ ‬غُبورَ‭ ‬الحدث‭ ‬وانقضاءَه‭ ‬فلمَ‭ ‬عبّر‭ ‬عن‭ ‬المستقبل‭ ‬بصيغة‭ ‬الماضي؟

أصل‭ ‬المشكل‭ ‬لَبْسٌ‭ ‬وقلّة‭ ‬اهتداء‭ ‬إلى‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الزمن‭ ‬الفلكي‭ ‬أو‭ ‬الطبيعي‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬والزمن‭ ‬اللغوي‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭. ‬ومن‭ ‬سوء‭ ‬حظّنا‭ ‬نحن‭ ‬ـ‭ ‬طلاّب‭ ‬اللغة‭ ‬العربيّة‭ ‬ومعلميها‭ ‬ـ‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬اللبس‭ ‬فكّ‭ ‬من‭ ‬زمان‭ ‬بعيد،‭ ‬أي‭ ‬منذ‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬اثني‭ ‬عشر‭ ‬قرنا،‭ ‬بيد‭ ‬أنّ‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬التبسيط‭ ‬المخلّ‭ ‬جعلتنا‭ ‬لا‭ ‬نرى‭ ‬هذا‭ ‬الفرق‭ ‬ونأنس‭ ‬إلى‭ ‬ترادف‭ ‬مقيت‭ ‬بين‭ ‬الزمن‭ ‬النحوي‭ ‬أو‭ ‬اللغوي،‭ ‬والزمن‭ ‬الفلكي‭ ‬الذي‭ ‬نقسمه‭ ‬إلى‭ ‬ماض‭ ‬هو‭ ‬أمْسُكَ‭ ‬وما‭ ‬شابهه،‭ ‬وحاضر‭ ‬هو‭ ‬لحظتك‭ ‬أو‭ ‬يومك‭ ‬ومستقبل‭ ‬هو‭ ‬غــــدك‭ ‬وما‭ ‬يعقبه‭.‬

‭ ‬لو‭ ‬أنّ‭ ‬اللبس‭ ‬كان‭ ‬مقتصرا‭ ‬على‭ ‬خلط‭ ‬بين‭ ‬الزمن‭ ‬الفلكي‭ ‬والزمن‭ ‬النحوي‭ ‬لهان‭ ‬الأمر‭ ‬بهوان‭ ‬إزالته،‭ ‬لكنّ‭ ‬هذا‭ ‬التصوّر‭ ‬عشّش‭ ‬في‭ ‬الأذهان‭ ‬وخلق‭ ‬لدى‭ ‬الطلاب،‭ ‬وهم‭ ‬مواطنون‭ ‬ذوو‭ ‬ثقافة‭ ‬تصوّرا‭ ‬ثقافيّا‭ ‬للزمان،‭ ‬يؤسفنا‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إنّه‭ ‬معرقل‭ ‬لأشياء‭ ‬كثيرة‭ ‬أهمّها‭ ‬الإيمان‭ ‬بالحركيّة‭ ‬والتطوّر‭.‬

من‭ ‬المعلوم‭ ‬المبسَّط‭ ‬أنّ‭ ‬الزمن‭ ‬الفلكي‭ ‬هو‭ ‬زمن‭ ‬فيزيائي،‭ ‬فبحركة‭ ‬الفلك‭ ‬يكون‭ ‬تعاقب‭ ‬الليل‭ ‬والنّهار‭ ‬والأعوام‭ ‬والقرون؛‭ ‬والترتيب‭ ‬البسيط‭ ‬يقتضي‭ ‬أن‭ ‬نقسّم‭ ‬الأزمنة‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثة‭ ‬ماض‭ ‬وحاضر‭ ‬ومستقبل‭. ‬بيد‭ ‬أنّ‭ ‬الزمان‭ ‬اللغوي‭ ‬لا‭ ‬يتحدّد‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬معلوم‭ ‬أيضا‭ ‬بحركات‭ ‬الفلك،‭ ‬بل‭ ‬له‭ ‬مقياس‭ ‬آخر‭ ‬يحدّده‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬اللغة‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬خارجها‭. ‬كان‭ ‬المقياس‭ ‬الذي‭ ‬انتبه‭ ‬إليه‭ ‬النّحاة‭ ‬العرب‭ ‬بحذق‭ ‬كبير‭ ‬وأيّده‭ ‬اللّسانيّون‭ ‬المحدثون‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ ‬الفرنسي‭ ‬إيميل‭ ‬بانفينست‭ ‬هو‭ ‬التناسب‭ ‬بين‭ ‬زمن‭ ‬التكلّم‭ ‬أو‭ ‬الإخبار‭ ‬أو‭ ‬الحديث‭ ‬وزمن‭ ‬الحدث،‭ ‬وهذا‭ ‬مقياس‭ ‬طبّق‭ ‬على‭ ‬زمن‭ ‬الفعل‭.‬

زمن‭ ‬الحديث‭ ‬أو‭ ‬الإخبار‭ (‬أو‭ ‬بعبارة‭ ‬حديثة‭ ‬زمن‭ ‬التلفّظ‭) ‬هو‭ ‬الزمن‭ ‬الذي‭ ‬تأخذ‭ ‬فيه‭ ‬في‭ ‬الكلام؛‭ ‬وهذا‭ ‬زمنه‭ ‬ثابت‭ ‬وهو‭ ‬الحاضر‭. ‬حدث‭ ‬الكلام‭ ‬الذي‭ ‬يسمّيه‭ ‬الفيلسوف‭ ‬البريطاني‭ ‬أوستين‭ ‬‮«‬عمل‭ ‬القول‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬تتلفظ‭ ‬بأصوات‭ ‬لتؤلّف‭ ‬كلاما‭ ‬منطوقا‭ (‬أو‭ ‬تكتبه‭)‬،‭ ‬هو‭ ‬حدث‭ ‬لا‭ ‬يقع‭ ‬إلاّ‭ ‬في‭ ‬حاضرٍ‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬المتكلّم‭. ‬فكلما‭ ‬تكلّم‭ ‬المتكلّم‭ ‬تجدّد‭ ‬ذلك‭ ‬الحاضر،‭ ‬إذ‭ ‬الحاضر‭ ‬يتجدّد‭ ‬بالكلام‭ ‬والكلام‭ ‬يتحدّد‭ ‬بأن‭ ‬تحقّقه‭. ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أتحدّث‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬فأنا‭ ‬أتحدّث‭ ‬وحين‭ ‬أتحدّث‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬حاضر‭ ‬نطقي‭. ‬

في‭ ‬الفعل‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬أكل‭ ‬وضرب‭ ‬وسافر‭ ‬وأحبّ‭ ‬وكره‭ ‬حدث‭ ‬مقترن‭ ‬بزمان،‭ ‬ولا‭ ‬يعقل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الفعل‭ ‬حدثا‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬اقترن‭ ‬به‭ ‬زمان‭ ‬لا‭ ‬يفارقه؛‭ ‬وهذا‭ ‬يختلف‭ ‬فيه‭ ‬الفعل‭ ‬عن‭ ‬المصدر‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬حدث‭ ‬منقطع‭ ‬عن‭ ‬الزمان‭ ‬ومطلق‭ ‬منه‭. ‬الزمان‭ ‬الذي‭ ‬يقترن‭ ‬بالفعل‭ ‬هو‭ ‬زمان‭ ‬صيغيّ‭ ‬أي‭ ‬متأصّل‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬الفعل‭ ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬إزالته‭ ‬منه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينهدم‭ ‬بناؤه‭ ‬انهداما‭ ‬تامّا‭. ‬الزّمان‭ ‬الذي‭ ‬في‭ ‬الفعل‭ ‬يتحدّد‭ ‬حسب‭ ‬النّحاة‭ ‬العرب‭ (‬ينظر‭ ‬في‭ ‬شرح‭ ‬كتاب‭ ‬سيبويه‭ ‬للسيرافي‭ ‬وشرح‭ ‬المفصّل‭ ‬لابن‭ ‬يعيش‭ ‬وفي‭ ‬شرح‭ ‬الكافية‭ ‬للأسترابادي‭) ‬وحسب‭ ‬اللسانيّين‭ ‬المحدثين‭ ( ‬ينظر‭ ‬في‭ ‬‮«‬مسائل‭ ‬في‭ ‬اللسانيّات‭ ‬العامّة‮»‬‭ ‬لإيميل‭ ‬بانفينيست‭) ‬بزمن‭ ‬الإخبار‭ ‬أو‭ ‬زمن‭ ‬التلفظ‭ ‬وهو‭ ‬الحاضر‭ ‬أبدا؛‭ ‬ويسمّى‭ ‬زمن‭ ‬الفعل‭ ‬زمن‭ ‬الحدث‭ (‬وزمن‭ ‬التلفظ‭ ‬زمن‭ ‬الحديث‭) ‬أو‭ ‬زمن‭ ‬الخبر،‭ ‬فالفعل‭ ‬نحويّا‭ ‬خبر‭ ‬عن‭ ‬مخبر‭ ‬عنه‭ (‬سافر‭ ‬زيد‭: ‬سافر‭ ‬خبر‭ ‬عن‭ ‬مخبر‭ ‬عنه‭ ‬هو‭ ‬زيد‭) ‬وهكذا‭ ‬يتحدّد‭ ‬زمن‭ ‬الفعل‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬التلفظ،‭ ‬وهو‭ ‬الحاضر‭ ‬أبدا‭ ‬فإمّا‭ ‬أن‭ ‬يقع‭ ‬قبله‭ ‬أو‭ ‬بعده‭ ‬أو‭ ‬مزامنا‭ ‬له‭. ‬بهذا‭ ‬يتحدّد‭ ‬زمن‭ ‬الفعل‭ ‬بمقياس‭ ‬لساني‭ ‬هو‭ ‬زمن‭ ‬التلفظ،‭ ‬ولا‭ ‬يتحدّد‭ ‬بمقياس‭ ‬الزمن‭ ‬الفلكي‭ ‬أو‭ ‬الطبيعي‭ ‬مثلما‭ ‬يذهب‭ ‬في‭ ‬اعتقاد‭ ‬الناس‭.‬

فسافر‭ ‬في‭ (‬سافر‭ ‬زيد‭) ‬هو‭ ‬فعل‭ ‬ماضٍ‭ ‬لا‭ ‬لأنّه‭ ‬وقع‭ ‬بالأمس‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬زمن‭ ‬ماض‭ ‬من‭ ‬الأزمنة‭ ‬التي‭ ‬تقاس‭ ‬بحركة‭ ‬الأفلاك،‭ ‬بل‭ ‬لأنّ‭ ‬المتكلم‭ ‬الذي‭ ‬نطق‭ ‬بملفوظ‭ (‬سافر‭ ‬زيد‭) ‬نطق‭ ‬به‭ ‬آن‭ ‬تلفظه‭ ‬بهذا‭ ‬القول،‭ ‬وبالنسبة‭ ‬إليه‭ ‬تحدّد‭ ‬زمن‭ ‬الفعل‭ (‬سافر‭) ‬كالتالي‭: ‬زمن‭ ‬التلفظ‭ ‬الحاضر‭/ ‬زمن‭ ‬الحدث‭ ‬وهو‭ ‬السّفر‭: ‬سابق‭ ‬له،‭ ‬لذلك‭ ‬نقول‭ ‬إنّه‭ ‬الزمن‭ ‬الماضي‭. ‬نقول‭ ‬ذلك‭ ‬لأنّ‭ ‬زمن‭ ‬السفر‭ (‬وهو‭ ‬زمن‭ ‬الحدث‭) ‬جدّ‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينطق‭ ‬المتكلم‭ ‬الذي‭ ‬حدّثنا‭ ‬بقوله‭ ( ‬سافر‭ ‬زيد‭) ‬ليصف‭ ‬لنا‭ ‬أنّ‭ ‬زيد‭ ‬مسافر‭. ‬وبناء‭ ‬عليه‭ ‬فإنّ‭ ‬متكلّما‭ ‬آخر‭ ‬لو‭ ‬قال‭ (‬سيسافر‭ ‬زيد‭) ‬فإنّه‭ ‬يصف‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬تلفظه‭ ‬حدثا‭ ‬هو‭ ‬السفر‭ ‬سيقع‭ ‬بعد‭ ‬تلفّظه؛‭ ‬لهذا‭ ‬سيكون‭ ‬زمن‭ ‬الحدث‭ ‬لاحقا‭ ‬لزمن‭ ‬التلفّظ‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬معنى‭ ‬المستقبل،‭ ‬لا‭ ‬لأنّ‭ ‬الفعل‭ ‬سيحدث‭ ‬في‭ ‬لاحق‭ ‬الأزمنة‭ ‬الفلكيّة؛‭ ‬وهذا‭ ‬معطى‭ ‬لاغٍ‭ ‬لا‭ ‬اعتبار‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬ضبط‭ ‬زمن‭ ‬الفعل‭ ‬وهو‭ ‬زمن‭ ‬لغوي‭ ‬لا‭ ‬فلكي‭. ‬وأخير‭ ‬لو‭ ‬أنّ‭ ‬قائلا‭ ‬قال‭: (‬يسافر‭ ‬زيدٌ‭ ‬الساعة‭) ‬وهو‭ ‬يصف‭ ‬حدثا‭ ‬للسفر‭ ‬يقع‭ ‬متزامنا‭ ‬مع‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬يتحدّث‭ ‬فيها‭ ‬فإنّ‭ ‬زمن‭ ‬الفعل‭ (‬يسافر‭) ‬هو‭ ‬الحاضر‭ ‬أو‭ ‬الحال‭ ‬لأنّه‭ ‬تقاطع‭ ‬مع‭ ‬زمن‭ ‬التلفظ‭. ‬

سيقول‭ ‬المتسامحون‭ ‬وما‭ ‬أكثرهم‭ ‬إنّ‭ ‬الأمر‭ ‬سيّان‭ ‬أكان‭ ‬المحدّد‭ ‬الزمن‭ ‬الفلكي،‭ ‬أم‭ ‬الزمن‭ ‬الطبيعي‭ ‬مادامت‭ ‬القسمة‭ ‬واحدة‭ ‬وهي‭ ‬متشابهة‭ ‬ومن‭ ‬سافر‭ ‬غدا‭ ‬سيسافر‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬نحوي‭ ‬مناسب‭ ‬للزمن‭ ‬الطبيعي؛‭ ‬وأنّ‭ ‬تشقيق‭ ‬المقاييس‭ ‬ضبط‭ ‬غير‭ ‬مفيد‭ ‬وأنّ‭ ‬تبسيط‭ ‬الأمور‭ ‬على‭ ‬الطلاب‭ ‬أن‭ ‬يقال‭ ‬لهم‭ ‬إنّ‭ ‬الماضي‭ ‬ماض‭ ‬سواء‭ ‬أكان‭ ‬فلكيّا‭ ‬أم‭ ‬نحويّا‭ ‬وأنّ‭ ‬الزمن‭ ‬هو‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬كلامنا‭ ‬يصف‭ ‬أكوانا‭ ‬واقعيّة‭. ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬المتسامح‭ ‬يقضي‭ ‬على‭ ‬خصوصيّات‭ ‬المقاييس‭ ‬العلمية‭ ‬التي‭ ‬تميز‭ ‬المفاهيم‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬المختلفة،‭ ‬فالزمن‭ ‬مفهوم‭ ‬متعدّد‭ ‬مختلف‭ ‬باختلاف‭ ‬العلوم‭ ‬التي‭ ‬تخوض‭ ‬فيه‭ ‬هناك،‭ ‬فمثلما‭ ‬تسلّم‭ ‬بوجود‭ ‬زمن‭ ‬جيولوجي‭ ‬وزمن‭ ‬فلكي‭ ‬وزمن‭ ‬فيزيائي‭ ‬وزمن‭ ‬نفسي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتعامل‭ ‬ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تلتبس‭ ‬متصوّراتها،‭ ‬فكذلك‭ ‬الشأن‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الزّمن‭ ‬النّحوي‭. ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬القسمة‭ ‬الثلاثيّة‭ ‬التي‭ ‬ربما‭ ‬كانت‭ ‬السّبب‭ ‬في‭ ‬التباس‭ ‬الزمن‭ ‬الفلكي‭ ‬بالنّحوي‭ ‬لا‭ ‬يقول‭ ‬بها‭ ‬بعض‭ ‬النّحاة‭ ‬المتأثّرين‭ ‬بالفلاسفة‭ ‬حين‭ ‬قالوا‭ ‬إنّ‭ ‬الآن‭ ‬ليس‭ ‬امتدادا‭ ‬زمانيّا‭ ‬كامتداد‭ ‬الماضي‭ ‬والحاضر،‭ ‬وأنّه‭ ‬ليس‭ ‬له‭ ‬دوامهما،‭ ‬ولذلك‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬نعتدّ‭ ‬بوجوده؛‭ ‬بل‭ ‬الزمن‭ ‬اللغوي‭ ‬زمنان‭ ‬الماضي‭ ‬والمستقبل‭. ‬وردّ‭ ‬عليهم‭ ‬من‭ ‬أنكر‭ ‬هذه‭ ‬القسمة‭ ‬المنطقية‭ ‬بأنّ‭ ‬‮«‬الآن‭ ‬النحويّ‮»‬‭ ‬ليس‭ ‬كالآن‭ ‬المنطقيّ‭ ‬وفي‭ ‬قوله‭ ‬إيمان‭ ‬بخصوصية‭ ‬المقاييس‭ ‬التي‭ ‬تحدّد‭ ‬الزمنين‭.‬

آخر‭ ‬القول‭ ‬إنّ‭ ‬من‭ ‬النّحاة‭ ‬من‭ ‬اعتبر‭ ‬أنّ‭ ‬الزّمان‭ ‬النحويّ‭ ‬الأصلي‭ ‬هو‭ ‬المستقبل‭ ‬لأنّه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬شيئا‭ ‬ثمّ‭ ‬أتي‭ ‬آنه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصير‭ ‬ماضيا‭. ‬ما‭ ‬أحوجنا‭ ‬إلى‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬القول‭ ‬بين‭ ‬طُلاب‭ ‬يخافون‭ ‬المستقبل‭ ‬ويرونه‭ ‬كابوسا‭ ‬ووسط‭ ‬ثقافة‭ ‬فيها‭ ‬تمجيد‭ ‬كثير‭ ‬للماضي،‭ ‬حتى‭ ‬لكأنّه‭ ‬هو‭ ‬الأصل،‭ ‬تمجيد‭ ‬يبنى‭ ‬على‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحنين‭ ‬وكثير‭ ‬من‭ ‬الراحة‭ ‬من‭ ‬أنّه‭ ‬مضى‭ ‬وانقضى‭ ‬بشرّه‭ ‬وخيره‭. ‬وما‭ ‬الكابوس‭ ‬والمجهول‭ ‬إلا‭ ‬المستقبل‭: ‬إنها‭ ‬ثقافة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الزمن‭ ‬الضائع‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬بروست‮»‬‭.‬

٭‭ ‬أستاذ‭ ‬اللسانيّات‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬التونسية

اشترك في قائمتنا البريدية