أحمد‭ ‬الصياد‭ ‬في‭ ‬روايته‭ ‬‮«‬درويش‭ ‬صنعاء‮»‬:‭ ‬شاهدٌ‭ ‬على‭ ‬حرب‭ ‬مستمرة‭ ‬منذ‭ ‬خمسين‭ ‬عاما‭ ‬

حجم الخط
0

صنعاء‭ ‬ـ‭ ‬‮«‬القدس‭ ‬العربي‮»‬من‭ ‬أحمد‭ ‬الأغبري‭:‬ مَن‭ ‬يقرأ‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬درويش‭ ‬صنعاء‮»‬‭ ‬للكاتب‭ ‬والدبلوماسي‭ ‬اليمني‭ ‬أحمد‭ ‬الصياد،‭ ‬يشعر‭ ‬بأن‭ ‬الانتكاسة‭ ‬السياسية‭ ‬اليمنية‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬النصر‭ ‬العسكري‭ ‬لملحمة‭ ‬فك‭ ‬حصار‭ ‬السبعين‭ ‬يوما‭ ‬عن‭ ‬صنعاء‭ ‬في‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬بقيت‭ ‬تنخر‭ ‬في‭ ‬جسد‭ ‬الجمهورية‭ ‬وتحُول‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬التأسيس‭ ‬لدولة‭ ‬مدنية‭ ‬حديثة‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬آلت‭ ‬إليه‭ ‬البلاد‭ ‬حاليا‭.‬

26‭ ‬سبتمبر

تُمثل‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬الصادرة‭ ‬في‭ ‬139‭ ‬صفحة‭ ‬عن‭ ‬‮«‬دار‭ ‬العلوم‭ ‬ناشرون‮»‬‭ ‬في‭ ‬بيروت،‭ ‬شهادة‭ ‬جديرة‭ ‬بالقراءة‭ ‬المتأنية‭ ‬عن‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية‭ ‬الثورية‭ ‬اليمنية،‭ ‬التي‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬فك‭ ‬حصار‭ ‬الملكيين‭ ‬والمرتزقة‭ ‬لصنعاء‭ ‬منذ‭ ‬28‭ ‬نوفمبر‭/ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭ ‬1967‭ ‬وحتى‭ ‬الثامن‭ ‬من‭ ‬فبراير‭/ ‬شباط‭ ‬1968؛‭ ‬وهي‭ ‬الحركة‭ ‬التي‭ ‬أنقذت‭ ‬الجمهورية‭ ‬الوليدة‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬من‭ ‬موت‭ ‬محقق‭ ‬حينها،‭ ‬وأعادت‭ ‬الاعتبار‭ ‬لثورة‭ ‬26‭ ‬سبتمبر‭ ‬1962،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬وشك‭ ‬الانكسار؛‭ ‬ليمثل‭ ‬فك‭ ‬حصار‭ ‬صنعاء‭ ‬انتصارا‭ ‬لتلك‭ ‬الثورة،‭ ‬وتعميدا‭ ‬شعبيا‭ ‬لها،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الشعب‭ ‬بكل‭ ‬فئاته‭ ‬وأطيافه‭ ‬ومناطقه‭ ‬شارك‭ ‬في‭ ‬صناعته،‭ ‬وبالتالي‭ ‬اكتسبت‭ ‬تلك‭ ‬الثورة‭ ‬بانتصارها‭ ‬العسكري‭ ‬صفتها‭ ‬الشعبية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬شهدته‭ ‬عقب‭ ‬انتصارها‭ ‬من‭ ‬انتكاسة‭ ‬سياسية،‭ ‬أصاب‭ ‬تلك‭ ‬الثورة‭ ‬في‭ ‬مقتل،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ارتهان‭ ‬السلطة‭ ‬للثقافة‭ ‬الطائفية‭ ‬والمناطقية‭ ‬والفئوية؛‭ ‬وهي‭ ‬الانتكاسة‭ ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬تستنزف‭ ‬عافية‭ ‬الجمهورية،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬المستعرة‭ ‬حاليا،‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬صارت‭ ‬الجمهورية‭ ‬أشبه‭ ‬بعباءة‭ ‬لنهج‭ ‬عصبوي‭ ‬بقيت‭ ‬تتوارثه‭ ‬سلطة‭ ‬عقيمة‭.‬

‭ ‬كان‭ ‬الكاتب‭ ‬دقيقا‭ ‬في‭ ‬حرصه‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬تجاوز‭ ‬الواقع،‭ ‬وفي‭ ‬تماهيه‭ ‬ـ‭ ‬تماما‭- ‬مع‭ ‬ما‭ ‬حدث،‭ ‬وكيف‭ ‬لا؟‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬صُناع‭ ‬ذلك‭ ‬الحدث،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬حينها‭ ‬واحدا‭ ‬ممن‭ ‬أسهموا‭ ‬في‭ ‬فك‭ ‬الحصار،‭ ‬ولهذا‭ ‬لم‭ ‬نستغرب‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬الانثيال‭ ‬لمشاعر‭ ‬الحماس‭ ‬والفرح‭ ‬والألم‭ ‬في‭ ‬ثنايا‭ ‬الموقف‭ ‬الثوري،‭ ‬الذي‭ ‬بقي‭ ‬يفيض‭ ‬بغزارة‭ ‬بين‭ ‬سطور‭ ‬النص‭ ‬الروائي،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الكاتب‭ ‬كان،‭ ‬وهو‭ ‬يكتب‭ ‬يعكس‭ ‬واقعا‭ ‬عاشه،‭ ‬ويكتب‭ ‬شهادته‭ ‬عنه؛‭ ‬ولهذا‭ ‬نجد‭ ‬فلسفته‭ ‬للثورة‭ ‬تحضر‭ ‬في‭ ‬الحوار‭ ‬على‭ ‬ألسنة‭ ‬معظم‭ ‬شخوصها،‭ ‬التي‭ ‬شغلت‭ ‬حواراتهم‭ ‬معظم‭ ‬مساحة‭ ‬النص‭. ‬وتظهر‭ ‬رؤية‭ ‬الكاتب‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬حديث‭ (‬أبو‭ ‬أروى‭) ‬في‭ ‬ما‭ ‬نرى‭ ‬حماسه‭ ‬وتطلعه‭ ‬في‭ ‬اندفاع‭ ‬وشجاعة‭ (‬غُمدان‭) ‬أما‭ ‬تماهيه‭ ‬القيمي‭ ‬مع‭ ‬الوعي‭ ‬الإنساني‭ ‬فجسدته‭ ‬شخصية‭ (‬برهان‭) ‬المتصوف‭. ‬

الملحمة‭ ‬والمأساة

ارتكز‭ ‬بناء‭ ‬الرواية‭ ‬وحدثها‭ ‬الدرامي‭ ‬كثيرا‭ ‬على‭ ‬شخصية‭ (‬برهان‭) ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬منه‭ ‬اسم‭ ‬الرواية؛‭ ‬فمعه،‭ ‬في‭ (‬الجامع‭ ‬الكبير‭) ‬في‭ ‬صنعاء،‭ ‬بدأ‭ ‬السرد،‭ ‬وباستشهاده‭ ‬في‭ (‬ميدان‭ ‬التحرير‭) ‬انتهت‭ ‬الرواية‭. ‬

كان‭ (‬برهان‭) ‬القادم‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬اليمن،‭ ‬شاهدا‭ ‬على‭ (‬ملحمة‭ ‬الانتصار‭) ‬و‭(‬مأساة‭ ‬الانكسار‭) ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬النصر،‭ ‬وقد‭ ‬استهلتْ‭ ‬به‭ ‬الرواية‭ ‬سردها‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬الملكيين‭ ‬داخل‭ ‬المدينة‭ ‬القديمة،‭ ‬بدءا‭ ‬بلقائه‭ ‬بالملكي‭ ‬الكهنوتي‭ (‬حنتش‭)‬،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬انتقلت‭ ‬به‭ ‬الرواية‭ ‬بواسطة‭ ‬الشاب‭ ‬المقاوم‭ (‬غُمدان‭) ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬المعسكر‭ ‬الجمهوري،‭ ‬وهناك‭ ‬في‭ (‬بيت‭ ‬الجمهورية‭) ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يلتقي‭ ‬فيه‭ ‬بعض‭ ‬قادة‭ ‬المقاومة‭ ‬الشعبية‭ ‬من‭ ‬أطياف‭ ‬اليسار‭ ‬اليمني‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭…‬عكست‭ ‬حوارات‭ (‬أبو‭ ‬أروى‭) ‬مع‭ (‬برهان‭) ‬الخطاب‭ ‬القيمي‭ ‬والفكري،‭ ‬الذي‭ ‬استند‭ ‬إليها‭ ‬ذلك‭ ‬المعسكر‭ ‬في‭ ‬ملحمته‭ ‬لفك‭ ‬الحصار‭ ‬عن‭ ‬مدينة‭. ‬تنقلت‭ ‬الرواية‭ ‬بين‭ ‬يوميات‭ ‬وليالي‭ ‬أبطالها‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬الملحمة‭ ‬وبعدها‭. ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬الخطاب‭ ‬القيمي‭ ‬الذي‭ ‬بقي‭ (‬أبو‭ ‬أروى‭) ‬وبعض‭ ‬رفاقه‭ ‬ملتزمين‭ ‬به‭ ‬عقب‭ ‬انتصارهم‭ ‬العسكري‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬متوفرا‭ ‬لدى‭ ‬بقية‭ ‬رفاق‭ ‬النصر،‭ ‬إذ‭ ‬مثل‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬اختبارا‭ ‬صعبا‭ ‬لذلك‭ ‬الانتصار؛‭ ‬وهو‭ ‬الاختبار‭ ‬الذي‭ ‬انحرف‭ ‬بمسار‭ ‬الثورة،‭ ‬لتبدأ‭ ‬بأكل‭ ‬أبناء‭ ‬وقادة‭ ‬ذلك‭ ‬النصر‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬مأساوي‭ ‬تتبعه‭ ‬الكاتب‭ ‬وهو‭ ‬يروي‭ ‬تساقط‭ ‬زملائه‭ ‬تحت‭ ‬جنازير‭ ‬انحراف‭ ‬ذلك‭ ‬التيار،‭ ‬الذي‭ ‬شكل‭ ‬ثورة‭ ‬مضادة‭ ‬كانت‭ ‬خلفيتها‭ ‬ثقافة‭ ‬مناطقية‭ ‬وطائفية،‭ ‬أهدرت‭ ‬أحلام‭ ‬الشعب،‭ ‬وتحولت‭ ‬معها‭ ‬الجمهورية‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬الغطاء‭ ‬لعمل‭ ‬عصبوي‭ ‬ظل‭ ‬ينهش‭ ‬الجسد‭ ‬اليمني،‭ ‬لدرجة‭ ‬استمر‭ ‬الانتقام‭ ‬وتواصل‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬الموت،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إخفاء‭ ‬جثث‭ ‬المعتقلين‭ ‬من‭ ‬أبطال‭ ‬ذلك‭ ‬النصر‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬محاولة‭ ‬سحل‭ ‬بعضها‭. 

‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬الرواية‭ ‬تاريخية؛‭ ‬فهي‭ ‬لم‭ ‬تكتب‭ ‬تاريخ‭ ‬مرحلة،‭ ‬بل‭ ‬حملت‭ ‬شهادة‭ ‬عنها‭ ‬بلسان‭ ‬أحد‭ ‬صناع‭ ‬الحدث،‭ ‬متضمنة‭ ‬رؤيته‭ ‬لما‭ ‬حدث‭. 

في‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الرواية‭ ‬تناول‭ ‬الكاتب‭ ‬طبيعة‭ ‬وخلفية‭ ‬تلك‭ ‬الملحمة،‭ ‬التي‭ ‬صنعت‭ ‬نصر‭ ‬فك‭ ‬الحصار‭ ‬في‭ ‬إنجاز‭ ‬لم‭ ‬يتوقعه‭ ‬العالم،‭ ‬وهو‭ ‬إنجاز‭ ‬صنعه‭ ‬توحد‭ ‬كل‭ ‬تيارات‭ ‬الجبهة‭ ‬الجمهورية،‭ ‬لكن‭ ‬تلك‭ ‬الوحدة‭ ‬الجمهورية‭ ‬التي‭ ‬صنعت‭ ‬النصر‭ ‬العسكري‭ ‬لم‭ ‬تصمد‭ ‬أمام‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬فانقسمت؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تناوله‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬الرواية،‭ ‬وكم‭ ‬كان‭ ‬سرد‭ ‬تفاصيله‭ ‬مؤلما‭ ‬على‭ ‬الكاتب،‭ ‬وهو‭ ‬يروي‭ ‬سقوط‭ ‬رفاق‭ ‬المعركة،‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬تيار‭ ‬اليسار‭ ‬واحدا‭ ‬بعد‭ ‬الآخر،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬القبض‭ ‬على‭ (‬أبو‭ ‬أروى‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬طريح‭ ‬فراش‭ ‬المرض‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬مستشفيات‭ ‬العاصمة،‭ ‬وبقي‭ ‬مصيره‭ ‬مجهولا‭ ‬كغيره‭ ‬ممن‭ ‬أخفوا‭ ‬قسريا‭ ‬وقتلوا‭ ‬في‭ ‬كواليس‭ ‬أجهزة‭ ‬الشرطة‭ ‬ودفنوا‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬مجهولا،‭ ‬أيضا،‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬فيما‭ ‬كانت‭ ‬نهاية‭ (‬غُمدان‭) ‬الذي‭ ‬فر‭ ‬إلى‭ ‬عدن‭ ‬من‭ ‬زوجته‭ (‬وردة‭) ‬أكثر‭ ‬مأساوية،‭ ‬حيث‭ ‬عكست‭ ‬مشاركتهما‭ ‬دور‭ ‬الشباب‭ ‬والمرأة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الملحمة‭. ‬

في‭ ‬عدن‭ ‬عاش‭ (‬غُمدان‭) ‬وضعا‭ ‬نفسيا‭ ‬صعبا‭ ‬جراء‭ ‬انعكاسات‭ ‬التحول‭ ‬المفاجئ‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الثوري‭ ‬في‭ ‬صنعاء؛‭ ‬وهو‭ ‬التحول‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يستوعبه؛‭ ‬فبقي‭ ‬يرزح‭ ‬تحت‭ ‬وطأته‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬اختار‭ ‬له‭ ‬الكاتب‭ ‬نهاية‭ ‬مختلفة‭ ‬مع‭ ‬زوجته‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬سواحل‭ ‬عدن،‭ ‬حيث‭ ‬شاهدهما‭ ‬الناس‭ ‬وهما‭ ‬يحلقان‭ ‬بعيدا‭.‬

ميدان‭ ‬التحرير‭ ‬

أما‭ (‬برهان‭) ‬فوقف‭ ‬به‭ ‬الكاتب‭ ‬أمام‭ ‬مشهد‭ ‬مؤلم‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬التحرير؛‭ ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬قرر‭ ‬الرحيل‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬رحل‭ ‬عنه‭ ‬أصدقاؤه،‭ ‬وخلال‭ ‬مروره‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الميدان‭ ‬فوجئ‭ ‬بجماعة‭ ‬من‭ ‬أتباع‭ ‬الثورة‭ ‬المضادة‭ ‬يتحلقون‭ ‬حول‭ ‬جثة‭ ‬بطل‭ ‬فك‭ ‬حصار‭ ‬السبعين،‭ ‬عبد‭ ‬الرقيب‭ ‬عبدالوهاب‭ ‬ويطالبون‭ ‬بسحلها‭… ‬وهو‭ ‬مشهد‭ ‬استفزه‭ ‬ليقف‭ ‬مخاطبا‭ ‬الناس،‭ ‬وكأن‭ ‬الكاتب‭ ‬أراد‭ ‬بذلك‭ ‬الخطاب‭ ‬أن‭ ‬يختزل‭ ‬رسالة‭ ‬مهمة‭ ‬من‭ ‬رسائل‭ ‬الرواية،‭ ‬قبيل‭ ‬أن‭ ‬يُقدِم‭ ‬بعض‭ ‬أولئك‭ ‬الرجـــــال‭ ‬على‭ ‬قتله؛‭ ‬فينــــظم‭ (‬برهان‭) ‬إلى‭ ‬قائــــمة‭ ‬الشهداء‭… ‬ومما‭ ‬قاله‭ (‬برهان‭) ‬مخاطبا‭ ‬ذلك‭ ‬الجمع‭ ‬من‭ ‬الناس‭: ‬‮«‬أهكـــذا‭ ‬تشهرون‭ ‬بالبطل‭ ‬الذي‭ ‬وقف‭ ‬سدا‭ ‬منيعا‭ ‬أمام‭ ‬جحافل‭ ‬الظلم‭ ‬والظــــلام؟‭ ‬يا‭ ‬قوم‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬يُدعى‭ ‬ميدان‭ ‬التحرير‭ ‬وليـــس‭ ‬ساحــــة‭ ‬المشانق‭ ‬والعــــبث‭ ‬بجثث‭ ‬الأبطال‭… ‬هذا‭ ‬ميدان‭ ‬التحرير‭ ‬والعــــدالة‭ ‬والمساواة،‭ ‬وليس‭ ‬ساحة‭ ‬للحقـــد‭ ‬والكراهية‭ ‬والبغضاء،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يُقام،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المكان،‭ ‬تمثال‭ ‬للشهيد‭ ‬البطل‭ ‬عبدالرقيب‭ ‬عبدالوهاب،‭ ‬وهناك‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يرتفــــع‭ ‬تمــــثال‭ ‬قائد‭ ‬الثورة‭ ‬وبطلها‭ ‬الشهيد‭ ‬علي‭ ‬عبد‭ ‬المغني،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الساحة‭ ‬التي‭ ‬سقط‭ ‬فيها‭ ‬الشهيد‭ ‬محمد‭ ‬مهيوب‭ ‬الوحش‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يقام‭ ‬تمثال‭ ‬له‭… ‬صنعاء‭ ‬يا‭ ‬جوهرة‭ ‬العرب‭ ‬كوني‭ ‬مدينة‭ ‬للأبطال‭ ‬والثوار،‭ ‬وليس‭ ‬مكانا‭ ‬للثأر‭ ‬والظلام‭. ‬خلدي‭ ‬من‭ ‬دافع‭ ‬عنك،‭ ‬كرمي‭ ‬واحتضني‭ ‬من‭ ‬زارك‮»‬‭.‬

كان‭ ‬الخطاب‭ ‬الروائي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬واضحا‭ ‬ورشيقا‭ ‬في‭ ‬تعامله‭ ‬مع‭ ‬الأحداث‭ ‬والقضايا،‭ ‬وأظن‭ ‬أن‭ ‬الكاتب‭ ‬لم‭ ‬يهتم‭ ‬كثيرا‭ ‬بالأحداث‭ ‬بدليل‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يورد‭ ‬أي‭ ‬تـــواريخ‭ ‬بقـــدر‭ ‬اهتمامه‭ ‬بالقضية‭. ‬خلال‭ ‬سرده‭ ‬لما‭ ‬شهدته‭ ‬صنعاء‭ ‬قبل‭ ‬فـــك‭ ‬الحصار‭ ‬وبعده‭ ‬كان‭ ‬الكاتب‭ ‬حريصا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يشرك‭ ‬القـــارئ‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬طبيعة‭ ‬الأحداث‭ ‬ويكسب‭ ‬تعاطفه‭ ‬مـــع‭ ‬تضحيات‭ ‬الثوار‭ ‬الأبطال‭ ‬وتسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬انحراف‭ ‬مسار‭ ‬العمل‭ ‬الثوري‭ ‬بعد‭ ‬الانتصار،‭ ‬وهناك‭ ‬سيفهم‭ ‬القارئ‭ ‬ماذا‭ ‬حصل‭ ‬ولماذا‭ ‬بقيت‭ ‬البلاد‭ ‬تعيش‭ ‬ما‭ ‬عاشته‭ ‬وتعيشه‭ ‬حاليا‭.‬

كان‭ ‬السرد‭ ‬جميلا،‭ ‬لاسيما‭ ‬والكاتب‭ ‬كان‭ ‬يشرك‭ ‬فيه‭ ‬الغناء‭ ‬والموسيقى‭ ‬والرقص،‭ ‬وكذلك‭ ‬الشعر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاستشهاد‭ ‬بأبيات‭ ‬من‭ ‬قصائد‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬المقالح،‭ ‬يوسف‭ ‬الشحاري،‭ ‬أحمد‭ ‬قاسم‭ ‬دماج،‭ ‬عبده‭ ‬عثمان‭ ‬وغيرهم‭. ‬

‭ ‬كان‭ ‬الكاتب‭ ‬ساردا‭ ‬مبدعا‭ ‬وشاهدا‭ ‬حصيفا‭ ‬ومنصفا،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬توقيت‭ ‬صدور‭ ‬الرواية‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬مـــا‭ ‬يعيشـــه‭ ‬البلد‭ ‬حالـــيا‭ ‬كأنــــه‭ ‬بذلك‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬البلد‭ ‬تعيـــش‭ ‬حربــا‭ ‬أخرى‭ ‬منذ‭ ‬زمن،‭ ‬لاسيما‭ ‬إذا‭ ‬نظرنا‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يقف‭ ‬وراء‭ ‬ما‭ ‬تشهده‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬راهنة؛‭ ‬فتلك‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬حضرت‭ ‬في‭ ‬كسر‭ ‬انتصار‭ ‬اليمن‭ ‬في‭ ‬الستينيات‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬تقف‭ ‬وراء‭ ‬أطراف‭ ‬الاحتراب‭ ‬اليوم‭ ‬مع‭ ‬اختلاف‭ ‬في‭ ‬التفاصيل‭. ‬يشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الكاتب‭ ‬يشغل‭ ‬مقعد‭ ‬مندوب‭ ‬اليمن‭ ‬في‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬للتربية‭ ‬والعلم‭ ‬والثقافة‭ (‬يونيسكو‭)‬،‭ ‬وله‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬والأدب‭.‬

اشترك في قائمتنا البريدية