في بداية ثمانينيات القرن الماضي، كان للملك حسين وياسر عرفات خطة لإقامة كونفيدرالية بين الأردن والضفة الغربية بعد انسحاب إسرائيل إلى خطوط العام 1967 وبدون أن تعترف أي من دول الكونفيدرالية بدولة إسرائيل. الخطة في أساسها اتخذت، لكن تم التخلي عنها بالأساس بسبب عدم التوافق على تقسيم الصلاحيات وعلى مكانة كل واحد من الكيانات التي كان من شأنهما تشكيلها. في 1988 الخطة وضعت على الرف بشكل نهائي عندما قرر الملك حسين فك الارتباط السياسي بين الأردن والضفة الغربية. ومنذ ذلك الحين تم طرحها من حين لآخر، بالأساس من قبل رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ـ لكن تم الرد عليها المرة تلو الأخرى بالرفض من جانب الملك عبد الله.
يبدو أن خطة الكونفيدرالية تحظى مرة أخرى بالأهمية، وهذه المرة ـ كما يبدو ـ بمبادرة الولايات المتحدة التي حسب أقوال محمود عباس، وضعت على طاولته اقتراحًا لإحياء فكرة مشابهة للخطة من الثمانينيات. عباس يدرك جيدًا الخطة التاريخية وظروف ولادتها. في الثمانينيات بحث عرفات عن دعامة سياسية بعد أن طردت قيادة «م.ت.ف» من لبنان، في حين أن الأردن أراد تعزيز سيطرته على الضفة الغربية. الآن الظروف مختلفة. قيادة فتح التي أقصتها مصر والسعودية ما زالت بحاجة إلى دعامة سياسية قوية لتحقيق مصالح الفلسطينيين الوطنية. ولكن الأردن ليس متسرعًا من أجل العودة إلى المستنقع الزلق هذا الذي من شأنه أن يضعضع الاستقرار. أمس أعلنت وزيرة الاتصالات الأردنية جمانة غنيمات، التي تشغل أيضًا منصب المتحدثة بلسان الحكومة، أن «فكرة الكونفيدرالية مع الأردن ليست قيد البحث. للفلسطينيين حق في إقامة دولتهم على أرضهم». هذا ببساطة.
الخطة الإسرائيلية التي تم بحثها مع مبعوثي ترامب وتم عرضها مؤخرًا على الملك عبد الله، تقترح أن تكون الضفة الغربية بدون القدس تحت الرعاية الأمنية الأردنية، التي ستدافع عن الحدود بين إسرائيل والكونفيدرالية. اتفاق كونفيدرالي سيوقع بين القيادة في الضفة والأردن بدون أن يوضح هل سيتم إنشاء برلمان مشترك ودستور مشترك، وبدون أن يحدد هل المكون الفلسطيني سيحظى بمكانة دولة. ربما ستكون إسرائيل مستعدة للاعتراف بالدولة الفلسطينية ولكن كجزء من الكونفيدرالية وبدون قطاع غزة ـ التي ستنقل لرعاية مصر الأمنية. المستوطنات ستبقى على حالها وتحت سيطرة أمنية ومدنية إسرائيلية مباشرة.
خطة كهذه لا يمكن أن تهدئ الأردن، الذي يخاف من احتمال أن تكون الكونفيدرالية غطاء لإنشاء الوطن الفلسطيني البديل على أراضيه. هيكل الكونفيدرالية من شأنه، حسب رأيه، أن يؤدي إلى أنه بين خطوط 1967 وحدوده الشرقية ستكون أغلبية فلسطينية. هذه الأغلبية الموجودة اليوم في الأردن، وهذه الأغلبية يمكن أن تطالب بحقوقها القومية في الأراضي المشتركة. ليس واضحًا أيضًا ماذا ستكون مكانة غور الأردن، الذي في كل اقتراح بحث حتى الآن، صممت إسرائيل على أن يكون تحت سيطرتها. التفسير العملي من ناحية الأردن هو أنه سيتحول إلى حام لحدود إسرائيل وسيكون مسؤولاً عن منع النشاطات الإرهابية داخل الضفة الغربية، في الوقت الذي فيه أسباب النزاع ـ لا سيما المستوطنات، ومكانة القدس والحدود ـ ستواصل تغذية المقاومة الفلسطينية.
عندما أعلن ياسر عرفات في حينه أن اتفاقًا كونفيدراليًا مع الأردن «موجود في جيبه»، قال له الملك حسين «عليك إبقاءه في جيبك إلى حين إقامة الدولة الفلسطينية. وفي حينه سنتحدث». يبدو أن هذا الموقف لم يتغير منذ ذلك الحين، والأردن ما زال يصر على أن تعترف إسرائيل أولاً بالدولة الفلسطينية، وفقط حينها سيكون بالإمكان التباحث بشأن علاقات كونفيدرالية.
ليس عبثًا أن عباس سارع إلى الإعلان بأنه مستعد للبحث في الاقتراح شريطة أن تكون إسرائيل أيضًا جزءًا من الكونفيدرالية. هو يدرك جيدًا موقف الأردن، وليس غريبًا عن الخطة الإسرائيلية. من المهم أن عباس وليس ملك الأردن أو رئيس حكومة إسرائيل، هو الذي كشف عن الفكرة الأمريكية، فهذه فرصته لطرح مبادرة من قبله تنقذه من تصنيفه كرافض، وهو يعرف أن احتمال تنفيذ اقتراحه لا يقل عن احتمال تنفيذ صفقة القرن للرئيس ترامب.
مع ذلك، حسب استطلاع أجري في الضفة قبل سنتين، فإن حوالي 42 في المئة من المستطلعين أيدوا إنشاء كونفيدرالية مع الأردن، و38 في المئة عارضوا ذلك. ولكن في حينه أيضًا مثلما هي الحال الآن، فإن مغزى وتداعيات المفهوم لم يتم توضيحها للمستطلعين. عباس يعتبر الكونفيدرالية قناة للاعتراف بالدولة الفلسطينية، ذلك أنه حسب رأيه ليس بالإمكان أن تكون هناك كونفيدرالية بين كيانين ليسا دولا. لذلك هو يصر على أن تكون إسرائيل شريكة من أجل ضمان ليس اعترافها بالدولة الفلسطينية كفكرة، وبحدودها ومكانتها. كونفيدرالية كهذه ستلزم إسرائيل بعقد اتفاقات اقتصادية جديدة، وتنسيق سياسات خارجية مع الأردن ومع الدولة الفلسطينية، وأن ترى فيهما شريكتين متساويتين في الأهمية والمكانة.
يمكننا تخيل حركة الأصابع الثلاث التي تظهرها حكومة إسرائيل للفلسطينيين إزاء هذه الصيغة. إذ إن إسرائيل من ناحيتها تفسر الكونفيدرالية كاتفاق بين الضفة الغربية ككانتون مستقل ذاتيًا، التي ستكون علاقات اقتصادية أساس علاقتها مع الأردن. في حين أن السياسة الخارجية والامن للكونفيدرالية تحدد من قبل ملك الأردن. لهذا فهي تحاول أن تشجع ثانية الخدعة القديمة لـ «الحكم الذاتي» الفلسطيني الذي مهمته إدارة الحياة اليومية للمواطنين على المستوى البلدي، بدون تمثيل مستقل في المجتمع الدولي، مع اقتصاد يعتمد على السياسة الاقتصادية للأردن والقيود الإسرائيلية، من خلال انفصاله عن غزة، رغم أنها تعتبر في كل الاتفاقات جزءًا لا يتجزأ من فلسطين.
الانفصال عن غزة ليس أمرًا هامشيًا. ليس هناك قيادة فلسطينية يمكنها التنكر لوجود مليوني فلسطيني والتنازل عن المناطق الجنوبية لدولتها. الحل الكونفيدرالي سيقتضي تقديم إجابة لغزة في الوقت الذي يزداد فيه الشرخ بين شطري فلسطين ويشتد. الجهود المصرية لعقد مصالحة بين حماس وفتح تواصل انزلاقها في المنحدر.
حلم الكونفيدرالية الثلاثية أو الثنائية، ليس مرفوضًا من أساسه، ومن شأنه أن يجلب مكاسب لكل الأطراف، شريطة أن يمنح لكل واحد من الشركاء ضمانات لاستقلاله الوطني والسيادة الخاصة به. ولكن في الظروف التي لم يتنازل فيها الفلسطينيون بعد عن تطلعهم إلى استقلال وطني، ولم يقطفوا ثمار نضالهم التاريخي، فإسرائيل تدير صراعًا شديدًا ضد فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة، والأردن كذلك يخشى من فقدان هويته القومية داخل سلطة الكونفيدرالية، لذا فإن هذا الحلم يبدو الآن مثل عنقود من فقاعات الصابون الملونة.
تسفي برئيل
هآرتس 3/9/2018