في‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬الصحوة

حجم الخط
0

نحيي‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬25‭ ‬سنة‭ ‬على‭ ‬اتفاقات‭ ‬أوسلو،‭ ‬فحكومة‭ ‬اليمين‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الوقت‭ ‬منذ‭ ‬اغتيال‭ ‬المبادر‭ ‬والمتصدر‭ ‬لهذه‭ ‬الاتفاقات،‭ ‬اسحق‭ ‬رابين،‭ ‬فعلت‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬كي‭ ‬تبثها‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬العام‭ ‬كفشل‭ ‬ذريع‭ ‬لليسار‭. ‬وهذه‭ ‬الأيام‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬جني‭ ‬الثمار‭. ‬

خطوات‭ ‬سياسية‭ ‬ذات‭ ‬مغزى‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭ ‬تحظى‭ ‬بتحليل‭ ‬تاريخي‭ ‬معقد؛‭ ‬ففي‭ ‬اليمين‭ ‬يدعون‭ ‬بتصميم‭ ‬بأن‭ ‬العمليات‭ ‬الانتحارية‭ ‬الفظيعة‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬بعد‭ ‬وقت‭ ‬قصير‭ ‬من‭ ‬التوقيع‭ ‬على‭ ‬الاتفاقات،‭ ‬هي‭ ‬الدليل‭ ‬على‭ ‬فشلها‭. ‬وشعار‭ ‬‮«‬مجرمو‭ ‬اوسلو‭ ‬إلى‭ ‬المحاكمة‮»‬‭ ‬مخطوط‭ ‬جيدًا‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الإسرائيلي‭. ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬عامة،‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬الجدال‭ ‬مع‭ ‬قرب‭ ‬مواعيد‭ ‬أحداث‭ ‬الإرهاب‭ ‬والاتفاقات‭. ‬لا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬الجمهور‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الذي‭ ‬آمن‭ ‬بالسلام،‭ ‬فقد‭ ‬ـ‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬التسعينيات‭ ‬ـ‭ ‬ثقته‭ ‬بالفلسطينيين،‭ ‬وفشل‭ ‬دخول‭ ‬المسيرة‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬جمود‭ ‬عميق‭ ‬معناه‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬السنين‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬الوضع‭ ‬الانتقالي‭: ‬عدم‭ ‬التقدم‭ ‬إلى‭ ‬حل‭ ‬دائم‭ ‬وإلى‭ ‬إقامة‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية،‭ ‬وكذلك‭ ‬عدم‭ ‬التراجع‭ ‬عن‭ ‬الاتفاقات‭ ‬التي‭ ‬تحققت‭ ‬وانعدام‭ ‬الاستعداد‭ ‬للعودة‭ ‬إلى‭ ‬احتلال‭ ‬مناطق‭ ‬أ‭ ‬و‭ ‬ب‭. ‬وبخلاف‭ ‬الوسط‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الذي‭ ‬سار‭ ‬في‭ ‬التيار‭ ‬مع‭ ‬وضع‭ ‬التجميد،‭ ‬لم‭ ‬يتجمد‭ ‬اليمين‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬حاله‭. ‬فقد‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬استخدام‭ ‬فقدان‭ ‬الوسط‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬لاهتمامه‭ ‬بالوضع‭ ‬السياسي،‭ ‬وسعى‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬عدم‭ ‬الاكتراث‭ ‬ومفهوم‭ ‬‮«‬اللاشريك‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬أجندته‭ ‬المسيحانية‭ ‬التي‭ ‬تتضمن‭ ‬إلغاء‭ ‬الاتفاقات‭. 

منذ‭ ‬بداية‭ ‬العمليات‭ ‬الانتحارية‭ ‬الإجرامية،‭ ‬نجح‭ ‬اليمين‭ ‬لأن‭ ‬يثبت‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬العامة‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬مجرمو‭ ‬أوسلو‭ ‬إلى‭ ‬المحاكمة‮»‬،‭ ‬وهكذا‭ ‬عمليًا‭ ‬يؤطرهم‭ ‬بأنهم‭ ‬النتيجة‭ ‬الحصرية‭ ‬للمصافحة‭ ‬بين‭ ‬رابين‭ ‬وبيرس‭ ‬وعرفات‭. ‬وإلى‭ ‬ذلك‭ ‬حرص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يطوي‭ ‬في‭ ‬النسيان‭ ‬أحداثًا‭ ‬تاريخية‭ ‬مهمة‭ ‬أخرى‭ ‬مسؤولة‭ ‬عن‭ ‬دفن‭ ‬اتفاقات‭ ‬أوسلو‭: ‬اغتيال‭ ‬إسحق‭ ‬رابين‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬نشيط‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬يغئال‭ ‬عمير،‭ ‬والمذبحة‭ ‬النكراء‭ ‬في‭ ‬الحرم‭ ‬الإبراهيمي‭ ‬للمخرب‭ ‬اليهودي‭ ‬باروخ‭ ‬غولدشتاين،‭ ‬التي‭ ‬رش‭ ‬فيها‭ ‬بالرصاص‭ ‬فقتل‭ ‬29‭ ‬مصليًا‭ ‬فلسطينيًا،‭ ‬والحجيج‭ ‬الاستفزازي‭ ‬لاريئيل‭ ‬شارون‭ (‬في‭ ‬حينه‭ ‬رئيس‭ ‬المعارضة‭) ‬إلى‭ ‬الحرم‭ ‬والاضطرابات‭ ‬الدموية‭ ‬التي‭ ‬نشبت‭ ‬في‭ ‬أعقابه‭. ‬وفوق‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬صعود‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬إلى‭ ‬الحكم؛‭ ‬زعيم‭ ‬أصبح‭ ‬بقاؤه‭ ‬السياسي‭ ‬هو‭ ‬الأهم‭ ‬حتى‭ ‬بثمن‭ ‬الاستسلام‭ ‬الهادئ،‭ ‬ولكن‭ ‬الثابت‭ ‬للنزوات‭ ‬الفاشية‭ ‬من‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭. 

في‭ ‬أثناء‭ ‬الـ‭ ‬25‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬الوضع‭ ‬الانتقالي،‭ ‬عمل‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬برعاية‭ ‬صمت‭ ‬الوسط‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬ونظرية‭ ‬‮«‬اللاشريك‮»‬‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إلفاء‭ ‬اتفاقات‭ ‬اوسلو‭. ‬وبخلاف‭ ‬الوسط،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يحتاج‭ ‬حقًا‭ ‬إلى‭ ‬أحداث‭ ‬الإرهاب‭ ‬كي‭ ‬يحارب‭ ‬قيام‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية،‭ ‬التي‭ ‬تتعارض‭ ‬وإيمانه‭ ‬ببلاد‭ ‬إسرائيل‭ ‬الكاملة‭. ‬ولكنه‭ ‬بلا‭ ‬ريب‭ ‬عرف‭ ‬كيف‭ ‬يستغل‭ ‬جيدًا‭ ‬المبرر‭ ‬الأمني‭ ‬بشكل‭ ‬تهكمي‭ ‬كي‭ ‬يدفع‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭ ‬بفكره‭ ‬المسيحاني‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬صراع‭ ‬عنيد،‭ ‬سواء‭ ‬استيطاني‭ ‬أم‭ ‬قضائي،‭ ‬نجده‭ ‬رويدًا‭ ‬رويدًا‭ ‬يحقق‭ ‬إنجازات‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬ويثبت‭ ‬حقائق‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬قيام‭ ‬كيان‭ ‬فلسطيني‭ ‬مستقل‭ ‬وموحد‭ ‬في‭ ‬يهودا‭ ‬والسامرة‭ ‬وغزة‭. ‬إن‭ ‬تطبيق‭ ‬أنظمة‭ ‬السوق‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬بشرعنة‭ ‬بؤرة‭ ‬استيطانية‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬فلسطينية‭ ‬خاصة،‭ ‬هو‭ ‬بلا‭ ‬شك‭ ‬خطوة‭ ‬دراماتيكية‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭. ‬ولهذا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تضاف‭ ‬محاولات‭ ‬التسوية‭ ‬مع‭ ‬حماس،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬قطع‭ ‬مشكلة‭ ‬غزة‭ ‬على‭ ‬المشكلة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وتجاهل‭ ‬أبو‭ ‬مازن‭. 

لا‭ ‬توجد‭ ‬أي‭ ‬نية‭ ‬طيبة‭ ‬هنا؛‭ ‬يدور‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬منظومة‭ ‬مزيتة‭ ‬جيدًا،‭ ‬واعية‭ ‬ومحسوبة،‭ ‬يعمل‭ ‬عليها‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬تنسجم‭ ‬أفعاله‭ ‬الجنونية‭ ‬غريبة‭ ‬الأطوار‭ ‬مع‭ ‬ألاعيب‭ ‬رئيس‭ ‬القوة‭ ‬العظمى‭ ‬الكبرى،‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭. ‬الوسط‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬سيستيقظ‭ ‬من‭ ‬سباته‭ ‬فقط‭ ‬عندما‭ ‬تعطي‭ ‬آثار‭ ‬هذه‭ ‬الجنونات‭ ‬ثمارها‭ ‬الأمنية‭ ‬والاقتصادية‭. ‬نتائج‭ ‬الانهيار‭ ‬المرتقب‭ ‬للأونروا‭ ‬وقطاع‭ ‬غزة‭ ‬كلها‭ ‬بداية‭ ‬الطريق‭ ‬للصحوة‭.‬

رويتل‭ ‬عميران

معاريف‭ ‬3‭/‬9‭/‬2018

اشترك في قائمتنا البريدية