ثيو أنجيلوبولوس في فيلمه تحديقة عوليس : استكشاف سرد النسيان والتاريخ في ضباب الأُمم

حجم الخط
0

ثيو أنجيلوبولوس في فيلمه تحديقة عوليس : استكشاف سرد النسيان والتاريخ في ضباب الأُمم

عبدالله حبيب ثيو أنجيلوبولوس في فيلمه تحديقة عوليس : استكشاف سرد النسيان والتاريخ في ضباب الأُمم الزمن تخييل (بورخيس). الدولة هي أكثر الوحوش بروداً (نيتشه).السرد، الزمن، النسيان،الأُمَّة، الدولة، السينمالعل من حسن طالع هذه المادة عن فيلم تحديقة عوليس ((1995 ان المخرج، وهو اليوناني الاستثنائي والمُقِل ثيو (اختصاراً لثيودوروس) أنجيلوبولوس يعمل علي فيلم جديد يحمل عنواناً ذا مغزي في سياقي هذا وهو غُبَار الزَّمن الذي سيبدأ تصويره في ايطاليا مع مطلع 2007، والذي سيقوم ببطولته الممثل القدير هارفي كيتيل الذي قام كذلك بدور البطولة في تحديقة عوليس . لقد استأثر سؤال الزمن بالقسط الأوفر من اهتمامات أنجيلوبولوس. والحقيقة ان المنظِّر السينمائي الفرنسي المهم أندريه بازان الذي ارتبطت كتاباته التأسيسية في مجلة دفاتر السينما بالفتوحات المذهلة لمدرسة الموجة الجديدة في السينما الفرنسية يذهب في كتابه المرجعي ما السينما؟ الي القول بأن الديانة المصرية القديمة في سعيها للقبض علي الزمن (ألم تُعَمِّر الأهرامات مثلاً؟)، ومواجهة الموت من خلال الابقاء علي الوجود الجسدي أو الفيزيقي للانسان عبر التحنيط الفرعوني، انما أرست الَّلبنات النفسية (والعاطفيَّة؟) للفنون التشكيلية والنحــت من خلال عقدة المومياء حسب الاصطلاح الشهير الذي وضعه. والحقيقة ان ذلك ينطبق علي السينما أيضاً، وبالتأكيد بصورة أكبر وأعمق، وذلك من حيث ان سؤال الزمن واشكالاته المتشابكة وغير القليلة انما تقع جميعاً في صلب الطبيعة الوجودية والأنطولوجية للسينما منذ بدايتها؛ فقلق القبض علي الزمن، واضاءته، وجَعْل مُشَاهَدَتِهِ ممكنة، وكذلك هاجس نسيانه وهَجْرِه من خلال تأسيس زمن بديل، وعلاقة الكائن بالوجود في الذاكرة وفي النسيان من خلال صنع التاريخ الذي تأتي به الصورة السينمائية، انما تشكل جميعاً أداة الكشف الثاقب الذي تقوم به السينما باعتبارها وسيلة معرفيَّة وليست فنيَّة فحسب. وفي ما يعتبر أهم كتاب في فلسفة السينما حتي اليوم بِجُزْأيهِ سينما 1: الحركة-الصورة و سينما 2: الزمن-الصورة (الذي صدرت ترجمته العربية في سلسلة الفن السابع عن المؤسسة العامة للسينما ضمن منشورات وزارة الثقافية السورية في 1999؛ ولا بد هنا من اكبار المترجم، حسن عودة، لاختياره هذا الكتاب الصعب للترجمة ومكابدته الواضحة للعمل، ولا بد كذلك من معاتبته في نفس الوقت لدي قراءة الترجمة).. في هذا الكتاب، اذاً، يتكئ الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز علي الأطروحات الثلاث لمواطِنِهِ وزميله هنري بريغسون الخاصة بالزمن وذلك في رؤية الأول للسينما بوصفها نشاطاً فلسفيَّاً من الطراز الرفيع. أما شاعر السينما الأكبر أندريه تاركوفسكي فانه يُعَرِّف السينما بأنها النحت في الزمن في كتابه المعنون بهذه العبارة الشِّعرية الرشيقة، والذي أصبح في وسع القارئ العربي الاطلاع عليه أخيراً بترجمة أمين صالح الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بالتعاون مع وزارة الثقافة في البحرين (2006). ولا يذهب بازوليني بعيداً عن ذلك حين يري بأن السينما هي خلق الواقع في الواقع . أما المؤرخ السينمائي الفرنسي الفَذُّ مارك فيرو فانه يري من خلال قراءته العميقة لتاريخ السينما السوفييتية في كتابه السينما والتاريخ ان السينما لا تعمل بوصفها مصدراً للتاريخ فحسب-فهذا مفروغ منه-ولكنها تعمل أيضاً بوصفها أداة للتاريخ، وصائغة له، ومُوَجِّهَة لحركته. ولا شك أن هذه الأطروحة الجديرة بالاهتمام انما تُلْحِقُ ارباكاً لا بأس به للمقولة الماركسيَّة التقليديَّة القائلة ان البنية الفوقيَّة (الثقافة عموماً) هي انعكاس مباشر للبنية التحتِّيَّة (الاقتصاد تحديداً)، هذا علي الرغم من ان المرء يجد في المجموعة الكاملة للمراسلات المتبادَلة بين ماركس وانجلز ما يشير في بعض المواضع الي ان العلاقة بين البُنْيَتَين يمكن في بعض الأحيان أن تكون تبادليِّة ومشترَكة؛ أي انها ذات اتجاهين وليس اتجاهاً واحداً، وبهذا فانها علاقة تأثُّرٍ وتأثير، وليست علاقة تأثير فحسب.انسان، نسيانومهما يكن من أمر، تتجاذر المفردتان العربيتان انسان و نسيان في علاقة جِنَاِسيَّة تشي بالكثير حول ما يربط الكائن بالذاكرة، وحول ما يربط السارد بالسرد، وحول ما يربط السارد بالنسيان. وهو رباط يُصَرِّح به بكفاءة بليغة، وبالغة، وجارحة، القول العربي الشهير ما سُمِّيَ الانسان الا لِنَسْيِهِ . لقد قيل هذا المأثور الحكيم في ثقافة ترفع بصورةٍ بارادوكسيَّة كلمة اقرأ (فِعْلُ أمر صريح) في مقدمة خطابها الابيستميولوجي والحضاري لأكثر من ألف وأربعمائة عام، وفي هذا ما يستدعي التوقف والتَّأمل. وفي الوجه الآخر من عُملة الانسان والنسيان هذه تطرح قصة أهل الكهف الواردة في القرآن أسئلة أُمثوليَّة ومجازيَّة ورمزيَّة صعبة علي علاقة الانسان بالزمن. أما الشاعر الأمريكي بول أوستر فقد أصَرَّ بطريقة قد تبدو نَزِقَةً بعض الشيء كعادة تصريحاته المتطرِّفة لكنها ليست بعيدة أبداً عن الوجاهة أن كل ما نستدعيه عبر الذاكرة ليس الا خيالاً . ان العلاقة بين الكينونة والنسيان هنا أكبر بكثير من مجرَّد كونها رمزيَّة فحسب. ويذهب مُنَظِّرُ علم كتابة التاريخ هيدن وايت في كتابه الأشهر ميتا-تاريخ الي القول ان هناك دوماً عنصرٌ تَخَيُّلِيٌّ حين يتعلق الأمر بما يسميِّه اعادة تركيب التاريخ . أما اللاتينية فانها تستخدم مفردة historia للاشارة الي القصة (كما في النوع الأدبي المعروف)، والي التاريخ (كما في هذا الذي جئنا منه وتورَّطنا فيه بلا خيار) معاً. وقد عملت هذه الايتيميولوجيا لاحقاً علي سَكِّ مفردتي قصة و تاريخ بتنويعات طفيفة في أغلب اللغات الهندو-أوروبية بما في ذلك اللغات الجيرمانيَّة؛ فالانكليزية، مثلاً، تستعمل كلمة story للاشارة الي الخبر (بالمعني الاعلامي والتاريخي) والي القصَّة (بالمعني الأدبي والسردي). وقد تسرب هذا الدمج الي القنوات الاخبارية العربية في السنوات الأخيرة بما في ذلك قناة الجزيرة الرائدة حقَّاً في الاجتراحات اللغويَّة الاعلاميَّة، حيث شاعت مفردة قصة للاشارة الي الخبر ، وقد صار من المألوف في تلك القنوات أن تسمع تعبير اننا نُغَطِّي هذه القصة بمعني اننا نحاول الكشف عن حيثيَّات الخبر وذلك في تعريبٍ ثقافي للتعبير الانكليزي. كما انه من المثير للاهتمام في الانكليزية أيضاً ان كلمة صورة (image) بمعني الصورة الفوتوغرافيَّة أو السينمائيَّة أو التشكيليَّة وهي شيء مادي محسوس تتعاشق مع كلمة خيال (imagination) الذي لا يصرُّ البعض علي انه تجريد .وفي 1990 صدرت بالانكليزية أنثولوجيا أكاديمية مهمة تحمل عنوان السرد والأمَّة ، وقد كتب في الأنثولوجيا تلك بعض أهم من لهم باع طويل في هذا المجال بمن في ذلك المفكِّر ما بَعْدَ الكولونيالي الهندي الأصل هومي بابا، الذي حرَّر تلك الأنثولوجيا، والذي ذهب الي القول فيها بأن المجتَمَعات والقَصص انما تفقد أصولها في أساطير الزمن ولا تحقِّقُ آفاقها الا في المخيِّلة . وفي دراسته للأنواع الأدبية الروسيَّة القديمة عمد الناقد والمفكِّر الروسي الشهير ميخائيل باختين في كتابه الخيال الحِواري الي استعارة مفهوم الكرونوتوب chronotope من نظرية النسبيَّة لآينشتاين (يعني المفهوم حرفياً: زَمَانْمَكَان ، وهذا مختلف عن فكرة الزَّمكان التي شاع تداولها لفترة في الثقافة العربية، وأظن ان الأمر قد التبس علي بعض من كتبوا عن باختين بالعربية). وقد أصبح هذا المفهوم ـ الكرونوتوب ـ يعني لدي باختين اللحظة التي يَثْخُنُ فيها الزمن كما لو أنه يكتسي لحما”ً، ويصبح بالامكان رؤيته فنيَّاً؛ وبالمِثلُ يصير المكان مشحوناً بالزمن ومستجيباً لحركته وحركة الحبكة الروائية والتاريخ . وفي كتابه أنواع الكلام وبحوث أخري أخيرة يذهب باختين في سياق حديثه عن غوته بأن في العالم الفنيُّ الهائل الذي بناه الشاعر الألماني الأشهر يصير كل شيء كرونوتوباً . ولأسباب هي أوضح من أن تُذكَر فان السينما أقدرُ بكثير من الأدب علي استيعاب مفهوم الكرونوتوب واضاءته وتطويره. وهكذا، في عَوْدٍ علي بدء، فان المشروع السينمائي الطامح للقبض علي الزمن، أو تفكيكه واعادة بنائه، أو فك اساره واطلاقه أمام الكاميرا، قد تَعَاشَقَ بصورة أصبح يستحيل فصم عراها مع مفهوم الأمَّة، ومع سيرورة وصيرورة انتاج الأمَّة من خلال انتاج سردها التاريخي والوطني، أو قصتها. ويستحيل أن تَجِدَ اليوم في برامج دكتوراه مُحْتَرَمَة للدراسات النقدية والنظرية السينمائية في الجامعات الغربية برنامجاً لا يخصص سيميناراً الزامياً يبحث علاقة علم كتابة التاريخ بالسينما، كما يستحيل أن لا يتضمن الامتحان التأهيلي التحريري الشامل سؤالاً (صعباً في الغالب) عن الموضوع. حسن جداً، ان ما أردت قوله هو أن تاريخ الأمم هو مُحَصِّلَةُ سردها؛ غير انه، في المقابل، ليس هناك من سردٍ نهائي شاملٍ جامعٍ مانعٍ ومطلَق لا يأتيه الباطل التاريخي لا من بين يديه ولا من أمامه ولا من خلفه؛ فالسرد بطبيعته انتقائي، وجدلي، ومراوغ، ونافٍ، واقصائي، وملتبس، وغير خطِّيٍّ، وغير مستقيم. وفي ما يخص تاريخ أي مجتمع بشري فان السرد-عودةً الي هيغل في فلسفة التاريخ ـ هو سرد الطرف الذي ينتصر في انتزاع الاعتراف به من الطرف الآخر في سياق ما حدث في الغابة وما حدث بعد ذلك؛ انه سرد السَّيد وليس سرد العَبْد . وبذلك فانه ينبغي النظر الي تاريخ الأمم والشعوب علي انه سرد يناور الحدث في التفافه-ضمن أشياء اخري-علي الاقتلاع، والاقصاء، والتهميش، والترحيل، والتذويب، والطحن، والنفي، والسحق، والهزيمة؛ وكل هذا لم تتأسس أي أمة في تاريخ البشرية من دونه. ليس هناك من أُمَّة لم تَقُمْ علي أنقاض هزيمةٍ ما. وهذا يعني تماماً وبالضبط وبالاصرار القول ان: ليس هناك من أُمَّةٍ لم تَقُمْ علي أنقاض نصرٍ ما.أُمَّة، نسيانوقبل أكثر من مئة سنة، وتحديداً في 11 اذار (مارس) 1882 ـ أي قُبَيل ولادة السينما ـ ألقي المؤرخ والفيلولوجي الفرنسي أرنيست رينان محاضرة جليلة في جامعة السوربون بعنوان ما الأمة؟ ، وهي محاضرة أصبح نصُّها الآن من كلاسيكيَّات دراسات السرد في الأدب والتاريخ والسينما. ومما قاله رينان (الذي لا أظن انه ينبغي لي أن أحفل في هذا السياق ببعض آرائه العنصريَّة والشوفينيَّة بوصفي عربيَّاً) في تلك المحاضرة، ببساطة واختصار، ان الأمم مبنيَّة أصلاً علي فكرة النسيان، فليس هناك من أمَّة ذات ذاكرة قوية، والا لكانت قد أخفقت في أن تكون أُمَّة، أي ان الأُمَّة لا تستطيع أن تكون أُمَّة من دون أن يكون النسيان جزءاً من تاريخها السياسي وبرنامجها الوطني . وأعتقد اننا نستطيع أن نري ذلك بوضوح شديد حتي في قصص بلداننا و تاريخها حيث ظهرت أجيال لا تعرف شيئاً عما حدث طوال عقد كامل من الزمن مثلاً. واستطراداً: عَكَفَ كثير من المستشرقين والمؤرخين الغربيين علي عَزْوِ جزء كبير من مشاكل منطقة الشرق الأوسط الي ان دولة الأُمَّة أو دولة الشعب (nation state) ظاهرة جديدة فيها؛ ولعل هذا ما يفسر انه في النسخة التي تم تداولها مؤخراً لخارطة الشرق الأوسط الجديد (من جديد!) تظهر بغداد بوصفها دولة مدينة (city state) بعد ان تم تذويب العراق باعتبارها دولة أُمَّة أو دولة شعب. لكننا لحسن الحظ، وبمعيار الثِقَل النظري الوجيه للأفكار، لم نعد نسمع الكثير عن أولئك المؤرخين والمستشرقين بعد أن حدث ما حدث في أعقاب انهيار المعسكر الاشتراكي وتتابع ظهور دُوَلِ أُمَّةٍ أو دُوَلِ شَعبٍ في ما كان يُعْرَف بالاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية، وذلك قبل أن يحدث ما حدث وما يحدث وسيحدث في العراق. ولعلنا لا نجد صعوبة في استحضار مقولة رينان تلك حول علاقة الأمة بالنسيان تلك حين نشاهد فيلماً شاعريَّاً أُشيدَ به كثيراً باستحقاق مثل قيثارة بورميَّة (نسبة الي بورما) للمخرج الياباني المتميِّز كُوْنْ ايتشيكاوا (1956)؛ حيث السرد الذي يقدمه الجندي الياباني في خضم أحداث الحرب العالمية الثانية ليس بالسرد الشنيع الذي خَبِرَتْهُ عن كثبٍ ساحق آلاف النساء الكوريَّات اللائي اغتصبهن جنود الجيش الامبراطوري جماعياً (هناك حالات اغتصاب موثَّقة في الارشيف المكتوب للحرب العالمية الثانية لخمس وعشرين مرَّة قام بها خمسة وعشرون جندياً مختلِفاً لنفس المرأة وبصورة متتالية)، ولا القري التي أحرقت عن بكرة أمها وأبيها، ولا ملايين البشر الذي سُخِّروا وجُوِّعوا وقضوا مرضاً وانهاكاً وبؤساً وجنوناً وانتحاراً في بعض الحالات؛ ولكنه، بالأحري، سرد الجندي الياباني الوسيم، الشاب، المتأمل والحالم، الذي ينفصل عن كتيبته ومهماتها الحربيَّة لينخرط في رحلة بحث عن الذات يشهد فيها مثالاً من فظائع الحرب وأهوالها في الأكداس المكدَّسة من عظام وجماجم زملائه القتلي، فيتحول من جندي مستعد للقتل في أية لحظة الي قِسٍّ بوذيٍّ زاهد متصوف يصادق الأشجار والطيور والأنهار والهواء والموسيقي، ويؤثِرُ، بعد انتهاء الحرب الطاحنة، البقاء في أرض أجنبيَّة ليحرس أرواح وعظام رفاق السلاح الذين قضوا عوضاً عن العودة الي أرض الوطن بعد طول غياب. حسن جداً، ان قيثارة بورميَّة لَفيلمٌ شاعري و انساني و رومانسي و جميل حقاً؛ لكنه أيضاً، من الناحية السياسية والتاريخية، فيلم ليس بالبراءة التي يتظاهر بها في ما يخص النسيان ، فهو وثيقة وطنيَّة بصريَّة تريد أن تقوم بدورها في كتابة تاريخ أمَّتها من خلال استخدام أهم عنصر سردي في تاريخ الأمم: أعني النسيان؛ وهو هنا نسيان واستبدال الفظاعات التي اقترفها الجيش الامبراطوري الياباني في المناطق التي وطأتها أقدام جنوده؛ أي اننا هنا بصدد تأسيس ذاكرة جديدة تليق بالسرد الوطني المُراد علي أنقاض النسيان، ذلك ان النسيان مَلَكَةٌ و موهبة كما أخبرنا نيتشه في الفلسفة من زمان. وهي قطعاً ليست صدفة ان انجاز فيلم قيثارة بورميَّة قد تزامن مع انجاز عدة أفلام (أو، فلأَقُل وهذا أفضل، وثائق وطنيَّة بصريَّة للأُمَّة) في البلدان التي كانت في المعسكر المعادي لليابان خلال تلك الحرب المروِّعة؛ وهي أفلام تقدم فيها تلك الأمم سردها لما حدث، وتقدم الجندي الياباني بصورة مختلفة تماماً عن الصورة التي يعزف عليها برومانسيَّة مفرِطة فيلم قيثارة بورميَّة . وفي المقابل فان النسيان هذا نفسه في تَجَلٍّ آخر، كما في ادارته لدفَّة السرد الكولونيالي البغيض، هو ما يؤسس في النتيجة ردَّاً عليه متمثلاً في السرد الوطني المغاير والبديل كما في الفيلم الأسطوري معركة الجزائر للايطالي جيلو بونتيكورفو (1966) الذي مَوَّلَت انتاجه جبهة التحرير الوطني الجزائرية لأنها أرادت أن تنقل للعالم ما حدث في الجزائر من وجهة نظرها؛ ذلك ان الانبثاق التاريخي للأمة المستقلة علي اثر حرب تحرير طاحنة كلَّفت أكثر من مليون شهيد انما يستند هنا الي ذاكرة نضاليَّة يريد السرد أن ينقلها للأجيال القادمة في رد علي طمسها وتشويهها ودفعها للنسيان من قِبَل السرد المعادي الذي يصوِّر الحدث الوطني التاريخي، من وجهة نظره، باعتباره حرباً حضاريَّة ضد مجرمين و لصوص و قُطَّاع طرق همجيين ، و بدائيين ، و برابرة ، و متوحشين .هذا، اذاً، ما يخطر لي وأنا بصدد كتابة هذه المادة عن فيلم المخرج اليوناني القدير ثيو أنجيلوبولوس تحديقة عوليس ؛ فالفيلم هذا يتقاطع مع تلك الأسئلة ويُمَشْكِلَها بطريقته، اذ ان هاجسه هو هاجس العلاقة الشائكة بين السينما والتاريخ، وبين النسيان والذاكرة، وبين مفهوم الأمَّة ومفهوم السرد. وبعد هذه التوطئة سأحاول، اذاً، الحوار مع الفيلم تحديقة عوليس اعتباراً من الحلقة القادمة وذلك ضمن الأقاليم النظرية والثيماتيَّة التي حاولتُ رسم حدودها في هذه الحلقة.شاعر وناقد من عُمان يقيم في امريكا0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية