بديل المفاوضات مع الكيان الصهيوني

حجم الخط
4

قد يرى بعض القائمين على السلطة الفلسطينية أنه لا يوجد بديل للمفاوضات مع العدو الصهيوني، ذلك أن السلطة اختارت نهج المفاوضات كخيار اساسي ووحيد مع إسرائيل، لتحقيق طموحات شعبنا ونيل حقوقه الوطنية. نعم ترددت أنباء عن قنوات سرية للمفاوضات بين السلطة واسرائيل، أشار إلى ذلك كل من نتنياهو وليبرمان. في هذا السياق يأتي اللقاء الذي جرى في لندن مؤخرا بين محمود عباس وتسيبي ليفني، حتى المفاوضات السرية لن تأتي بجديد، فقد انتهت فترة التسعة أشهر المحددة للمفاوضات بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني. انتهت بدون أن تُسفر عن أيّ شيء سوى المزيد من التعنت الإسرائيلي في رفض الحقوق الوطنية الفلسطينية، ومزيد من الاشتراطات على الجانب الفلسطيني. انتهت كما كان متوقعاً لها بالفشل، فإذا كانت مباحثات عشرين عاماً من التفاوض لم تؤد إلى إقناع إسرائيل بأيٍّ من الحقوق الفلسطينية، فهل ستكون فترة التسعة أشهر كافية؟ وهل ستكون المفاوضات السرية كافية؟ من قبل قال شامير رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق على هامش مؤتمر مدريد، ‘بأننا سنطيل المفاوضات مع الفلسطينيين عشرين عاماً’، وبالفعل طالت المفاوضات إلى هذا الزمن، وليس هناك من مؤشرٍّ ولو صغير بأن تنزاح دولة الكيان قيد أُنملةٍ عن تعنتها، لذا مطلوب من القيادة الفلسطينية الإجابة عن سؤال: ثم ماذا بعد؟ خاصة أنها حشرت ذاتها في استراتيجية خيار المفاوضات والمفاوضات وحدها.
ان بديل المفاوضات يتمثل في ما يلي، التوجه للانضمام الى كافة المنظمات الدولية، بما في ذلك محكمة الجنايات الدولية. إجراء المصالحة الوطنية. العودة الى قرارات الأمم المتحدة كمرجعية للحقوق الفلسطينية. إنهاء التنسيق الأمني مع العدو. الانتفاضة الثالثة. طرح الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة. اللجوء إلى حل السلطة والعودة إلى المربع الاول. العودة للمقاومة بكافة وسائلها، بما في ذلك المقاومة المسلحة. نقول ذلك لأن على السلطة استخلاص الدروس والعبر من تجربة المفاوضات منذ اتفاقية أوسلو وحتى هذه اللحظة، ولعل من أبرز دروس المرحلة الطويلة المعنية ما يلي: سقوط خيار السلطة في المفاوضات، فالاستيطان الإسرائيلي زاد خلالها أضعافاً مضاعفة عمّا كان قبلها، وتوسعت عدوانية إسرائيل، وأعاد شارون احتلال الضفة الغربية، وزاد حجم الاشتراطات الإسرائيلية على الفلسطينيين وحتى على العالم العربي، مقابل القبول بإجراء تسوية محدودة مع الطرفين. القيادة الفلسطينية مطالبة بإيجاد بديل للمفاوضات، فالشعب الفلسطيني في خِضّم مرحلة التحرر الوطني، وأسئلة شعبية كثيرة بحاجة إلى ردود من قيادة السلطة الفلسطينية. والوضع يحتم انتهاج استراتيجية جديدة وتكتيك سياسي جديد أيضاً، فلا يمكن للقيادة ترك شعبها معلقاً في حبال من الوهم عنوانها المفاوضات الفاشلة.
نخشى ما نخشاه أن تتعرض السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس شخصياً لضغوطات دولية، خاصة أمريكية، لاستئناف المفاوضات تحت وعودٍ جديدة لن تنفذ هي الأخرى كما سابقاتها التي لم تنفذ.
سقوط الرهان على الولايات المتحدة في أن تكون وسيطاً نزيهاً محايداً بين الفلسطينيين والعرب وبين إسرائيل. كانت الولايات المتحدة في كل مواقفها حليفاً عضوياً للكيان الصهيوني، تدعمه في مختلف المجالات، العسكرية والاقتصادية والسياسية والعلمية والتكنولوجية والمالية، لذا مخطئ من يراهن من القيادة الفلسطينية على أن تكون أمريكا حكماً عادلاً بين العرب وإسرائيل.
لقد وعد الرئيس أوباما في بداية رئاسته الأولى، بوقف الاستيطان الإسرائيلي، وبإقامة دولة فلسطينية خلال عامين لكنه لم يفِ بأيٍّ من الوعدين، بل تراجع عنهما، وأضحى يطالب الفلسطينيين بالتفاوض مع إسرائيل بدون أن يرى في الاستيطان عائقاً أمام المفاوضات. أمريكا شريكة لإسرائيل في كل خطواتها وما أن أعلنت السلطة الفلسطينية عن بدء توجهها بالتسجيل في الهيئات والمنظمات التابعة للأمم المتحدة، وما أن أعلنت حركتا فتح وحماس عن اتفاق المصالحة، حتى انزعجت الإدارة الأمريكية وتحرك الكونغرس لتفعيل ‘قانون مكافحة الإرهاب الفلسطيني’، الذي صدر من قبل، وينص على: حظر المساعدات الأمريكية لأية حكومة فلسطينية ناتجة عن مصالحة مع حماس. جون كيري وزير الخارجية الأمريكي نفى ما تردد على لسانه من أن إسرائيل ستكون دولة أبارتهايد إذا فشل حل الدولتين. هذا غيض من فيض المواقف الأمريكية، فهل من شك لدى أحد من القيادة الفلسطينية في أن الولايات المتحدة تقف حتماً في صف الكيان الصهيوني؟
إن الإنجازات الوطنية الفلسطينية ومعرفة العالم بقضية الشعب الفلسطيني العادلة، ووقوف غالبية دول العالم معها، وتحقيق الهوية الفلسطينية، والاعتراف بالشعب الفلسطيني وتأييد قضاياه، وحتى اعتراف الكيان الصهيوني بوجود الشعب الفلسطيني، وقد حاولت إسرائيل إنكاره، هذه وغيرها لم تكن لتتحقق لولا النضال الفلسطيني والكفاح بالمقاومة بكل أشكالها ووسائلها، وعلى رأسها الكفاح المسلح، الذي أثبت جدّيته وفعله وتأثيره الإيجابي. بالمقابل فإن الانحدار وتراجع المشروع الوطني الفلسطيني والاستهانة بالحقوق الوطنية الفلسطينية فإنها في أحد أسبابها الرئيسية تعود إلى وقف المقاومة من قبل السلطة، واعتبارها ‘عنفاً’ غير مبرر وصولاً إلى اعتبارها ‘إرهاباً’، هذه الحقائق لا يجوز إهمالها والتهرب والتنصل منها تحت أي مبرر من المبررات. أثبت الكفاح جدواه في كل تجارب حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
أهمية ترتيب البيت الفلسطيني من داخله.. لقد ثبت بالملموس أن الانقسام تماماً، كما افتقاد الوحدة الوطنية الفلسطينية وإهمال منظمة التحرير الفلسطينية، عوامل تؤدي إلى تراجع القضية الفلسطينية والمشروع الوطني عموماً، والعكس بالعكس هو الصحيح، فالوحدة الوطنية الفلسطينية، وتجاوز الانقسام وإعادة إحياء منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات هي أوراق قوة تضاف لكل من فتح وحماس وكل فصيل فلسطيني من فصائل النضال الوطني والإسلامي على الساحة الفلسطينية. ولا يجوز أن يبقى الانقسام ولا بأي شكل من الأشكال، وليجرِ تنفيذ اتفاق المصالحة، ولتعد الوحدة الوطنية الفلسطينية إلى سابق عهدها.
أهمية العمق الاستراتيجي العربي والدولي الصديق للقضية الفلسطينية، بدون التلاحم العضوي مع الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج وبدون معسكر الأصدقاء فإن النضال الفلسطيني يظل ناقصاً. الاستقواء بالعاملين قضية ذات أهمية قصوى. في البداية من الضروري بلورة المشروع الوطني الفلسطيني والاستراتيجية الجديدة التي يتم وضعها. من الممكن بعدها تجميع العالم العربي من حول هذا المشروع وهذه الاستراتيجية.
إن كافة هذه المهمات والأسئلة بحاجة إلى إجابات شافية وافية من القيادات الفلسطينية. إن بدائل المفاوضات كثيرة وهي واضحة تماما لكل من يريد البحث عن هذه البدائل.

كاتب فلسطيني

د. فايز رشيد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية