محمد بن سلمان خلال زيارته لمقر شركة غوغل في وادي السيليكون بكاليفورنيا
لندن – “القدس العربي”: تساءلت رولا خلف من صحيفة “فايننشال تايمز” عن سر الغرام السعودي بـ”وادي السيليكون” (سيليكون فالي). وقالت إن قيام دولة خليجية برش المليارات من الدولارات في استثمارات خارجية هي قصة عادية. وتشير إلى دبي قبل أن يدفعها النفوذ لحالة الانهيار المالي، وكيف انتشرت الاستثمارات في قطر خلال العقد الماضي وكيف تحول الصندوق السيادي القطري لأهم صندوق يبحث عنه المستثمرون الدوليون. إلإ أن الدول – المدن في الخليج هدأت في السنوات الأخيرة إلا أن الأخ الأكبر في المنطقة تدخل. فالسعودية، أكبر مصدر للنفط التي كانت كسولة ومفرطة في التعقل تندفع الآن لملاحقة جيرانها بطرق عدة. فأهداف استثماراتها الخارجية ليست تلك التي تفضلها دول الخليج: بنايات مهمة وخدمات مالية أو نواد كرة قدم، رغم حديث تقارير عن تفكيرها بشراء ناد من نوادي الدرجة الممتازة في بريطانيا. وبدلاً من هذا فالملكية المطلقة تراهن على التكنولوجيا. فمن 45 مليار دولار استثمار في صندوق رؤية التابع لـ”سوفت بانك” إلى ملياري دولار في شركة “تيسلا” و 3.5 مليارات في شركة “اوبر” يقوم السعوديون بملاحقة العوائد ويأملون بأن تؤدي شراكتهم مع “وادي السيليكون” لزرع بذور اقتصاد تكنولوجي سعودي. وهذا منطق جذاب ولكن من غير المحتمل تحقيقه.
فالمستثمرون في التكنولوجيا العالمية يوافقون مع الصورة الجذابة التي يرغب ولي العهد الشاب محمد بن سلمان والحاكم الفعلي بعكسها، ففي العادة ما تؤدي لعناوين في الصحف وحفلات استقبال في “سيلكون فالي”. كما أن ضخ أموال في التكنولوجيا ذات جاذبية شعبية خاصة أن غالبية سكان السعودية شباب ويعتبرون من أكثر المستهلكين للخدمات الرقمية. ونقلت عن أحد المستشارين قوله إن السعوديين يحملون فيديوهات من يوتيوب ضعف ما يقوم به المستخدم الأمريكي العادي للتكنولوجيا الجديدة.
السعوديون يحملون فيديوهات من يوتيوب ضعف ما يقوم به المستخدم الأمريكي العادي للتكنولوجيا الجديدة
وفي بلد لا توجد فيه حرية تعبير يمارس السعوديون حريتهم من خلال “تويتر”. وسواء نقلت الإستثمارات في التكنولوجيا السعودية إلى اقتصاد المستقبل يظل أمراً مختلفاً و”يمكنني تخيل أن تتحول زاوية نخبة في السعودية إلى خلية نحل تكنولوجية بالطريقة نفسها التي بنت فيها دبي مركزاً مالياً دولياً ولكنني أشك في تدفق الأجانب إلى المملكة للاختراع”، مشيرة إلى أن السعودية تحتاج لجيل على الأقل كي تشهد ولادة نوع من الاقتصاد الجديد. فرغم حديثها ومنذ عقود عن ضرورة تنويع الاقتصاد إلا أن اقتصاد السعودية يعتمد حتى الآن في معظمه على النفط، أما نظامها التعليمي فلا يزال عالقاً في الماضي وتحتاج قوانينها إلى تغيير كامل ولا يزال قطاعها الخاص تحت رحمة الدولة.
وفي هذا الجو فالدولة لا تريد ولا نية لها للتنحي خاصة أنها تنظر لنفسها كقائد أعلى للإبداع والإختراع. فالهيئة العامة للإستثمار، العربة التي تعمل كصندوق سيادي تعمل ضمناً على تجميع السلطات الاقتصادية في يد الدولة. فهذه الهيئة تسيطر على الكثير من أرصدة الدولة المحلية. وفي العام الماضي قامت الحكومة وباسم مكافحة الفساد باعتقال أمراء وتجار ولم تفرج عنهم إلا بعد تخليهم عن أرصدة لصالح الدولة. وأكثر من هذا فالسعودية هي ليست الإمارات العربية المتحدة، الفدرالية التي تضم أبو ظبي ودبي، وليست قطر، فلديها أكبر اقتصاد في منطقة الخليج وأكثر كثافة من ناحية السكان وأفقر من جاراتها، فهناك أكثر من 20 مليون سعودي مقارنة مع 1.4 مليون في الإمارات و300 ألف في قطر. ويظل متوسط دخل الفرد نصف ما يحصل عليه الإماراتي وأقل حتى من متوسط دخل الفرد في البحرين التي تعد واحدة من أفقر دولتين في الخليج. ويحتاج الشبان السعوديون للوظيفة الآن وفي المستقبل.
في العام الماضي قامت الحكومة وباسم مكافحة الفساد باعتقال أمراء وتجار ولم تفرج عنهم إلا بعد تخليهم عن أرصدة لصالح الدولة
وبحسب الأرقام الحكومية التي نشرتها في يوليو/تموز فقد صلت نسبة البطالة في السعودية إلى 12.9 في المئة في يوليو. وتزيد النسبة بين الشبان حيث يصل معدل البطالة إلى 30% وبدأت المرأة السعودية تخرج من الظل. وسمح لهم في يونيو/ حزيران بقيادة السيارات. وتختم الكاتبة مقالها بالقول إنه من الجيد أن تكون طموحاً حيث ظل السعوديون يراقبون دبي وأبو ظبي وهما تبنيان اقتصاداً حديثاً فيما ظل بلدهم ساكناً، لكن الإستثمار في التكنولوجيا لا يكفي. ويمكن لبعض الشركات تصدير المعرفة والخبرات للمملكة لكنها ليست صيغة سحرية لتهيئة المتخرجين أصحاب المهارات لسوق العمل. ولا يوجد حل تكنولوجي لمناخ الإستثمار الذي لا يمكن التكهن به أو للقرار الاقتصادي القائم على الهوى الملكي.