جامع‭ ‬القمل‭… ‬العجيب‭ ‬والغريب‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬المهن

لا‭ ‬يأتي‭ ‬مكمن‭ ‬الطرافة‭ ‬والغنى‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الكتب‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬تتطرق‭ ‬لحكايا‭ ‬القرون‭ ‬الوسطى‭ ‬الأوروبية‭ ‬أو‭ ‬المدن‭ ‬الإسلامية،‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬تكشف‭ ‬لنا‭ ‬عن‭ ‬جانب‭ ‬‮«‬اليومي‮»‬‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الناس،‭ ‬وكيف‭ ‬عاشوا،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬قصص‭ ‬العجيب‭ ‬والغريب‭ ‬عما‭ ‬هو‭ ‬غير‭ ‬مألوف،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬مستهجن‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬اليوم،‭ ‬بل‭ ‬لكونها‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تكشف‭ ‬لنا‭ ‬عن‭ ‬تاريخ‭ ‬اجتماعي‭ ‬آخر،‭ ‬وعن‭ ‬ضروب‭ ‬من‭ ‬الكتابة‭ ‬التاريخية‭ ‬الجديدة،‭ ‬وأعني‭ ‬بالأخص‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تعنى‭ ‬بدارسة‭ ‬تاريخ‭ ‬المهمشين‭ ‬وحياتهم‭ ‬وطقوسهم‭ ‬ومهنهم‭.‬

وكنا‭ ‬في‭ ‬الأسبوع‭ ‬السابق،‭ ‬قد‭ ‬تطرقنا‭ ‬لكتاب‭ ‬الباحثة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬بوسطن‭ ‬‮«‬حلاق‭ ‬دمشق‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬حاولت‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬إماطة‭ ‬اللثام‭ ‬عن‭ ‬ظاهرة‭ ‬محدثي‭ ‬الكتابة‭ ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬وكيف‭ ‬نظر‭ ‬حلاق‭ (‬من‭ ‬العامة‭)  ‬للأحداث‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬في‭ ‬المدينة‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬سنحاول‭ ‬إكمال‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬الدرب‭ ‬ذاته‭ ‬عبر‭ ‬التطرق‭ ‬لكتاب‭ ‬ربما‭ ‬يُعدُّ‭ ‬مختلفاً‭ ‬في‭ ‬موضوعه‭ ‬عما‭ ‬تُرجم‭ ‬أو‭ ‬نُشر‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية‭. ‬وكي‭ ‬لا‭ ‬أطيل،‭ ‬فإن‭ ‬المقصود‭ ‬بالحديث‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬أسوأ‭ ‬المهن‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭: ‬سرد‭ ‬لقصة‭ ‬ألفي‭ ‬عام‭ ‬من‭ ‬العمالة‭ ‬البائسة‮»‬،‭ ‬ترجمة‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬جرادات،‭ ‬فالكتاب‭ ‬هو‭ ‬تاريخ‭ ‬اجتماعي‭ ‬آخر‭ ‬للعامة‭ ‬في‭ ‬بريطانيا،‭ ‬تاريخ‭ ‬حول‭ ‬مهن‭ ‬المهمشين‭ ‬والمهاجرين‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬خلال‭ ‬مدى‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬الزمن‭.‬

من‭ ‬خارج‭ ‬أسوار‭ ‬الأكاديميين‭:‬

أول‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬الاهتمام‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب،‭ ‬مؤلفه‭ ‬الممثل‭ ‬توني‭ ‬روبنسون،‭ ‬فهو‭ ‬ليس‭ ‬مؤرخاً‭ ‬بالمعنى‭ ‬الحرفي‭ ‬لهذه‭ ‬المهنة،‭ ‬وإنما‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬ممثلا‭ ‬ًكوميديًا‭ ‬ومؤلفاً‭ ‬ومذيعاً‭. ‬بيد‭ ‬أنه‭ ‬مولٌع‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬بالتاريخ‭ ‬وعلم‭ ‬الآثار،‭ ‬ما‭ ‬قاده‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬برامج‭ ‬حول‭ ‬تاريخ‭ ‬بريطانيا‭. ‬وكما‭ ‬يشير‭ ‬العنوان،‭ ‬فالكتاب‭ ‬يروم‭ ‬إلى‭ ‬تعريفنا‭ ‬بتاريخ‭ ‬أسوأ‭ ‬المهن‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬بريطانيا،‭ ‬ولعل‭ ‬الجميل‭ ‬في‭ ‬اختياره‭ ‬لترجمته‭ ‬للعربية،‭ ‬أنه‭ ‬ربما‭ ‬يدفعنا‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬إحياء‭ ‬تاريخ‭ ‬مواز‭ ‬للمهن‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬العربية‭/‬وهو‭ ‬تاريخ‭ ‬يبدو‭ ‬أنه‭ ‬حظي‭ ‬بالاهتمام‭ ‬في‭ ‬بدايات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭. ‬وأشير‭ ‬هنا‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر،‭ ‬إلى‭ ‬الكتاب‭ ‬الأثنوغرافي‭ ‬حول‭ ‬سوق‭ ‬دمشق‭ ‬‮«‬قاموس‭ ‬الصناعات‭ ‬الشامية‮»‬‭ ‬للشيخ‭ ‬محمد‭ ‬القاسمي‭ ‬وولده‭ ‬جمال‭ ‬الدين‭ ‬القاسمي،‭ ‬اللذين‭ ‬جمعا‭ ‬فيه،‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬وبداية‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬ما‭ ‬قيل‭ ‬حول‭ ‬437‭ ‬صناعة،‭ ‬بعضها‭ ‬كان‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬قائماً،‭ ‬وبعضها‭ ‬الآخر‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬انقرض‭. ‬كما‭ ‬نعثر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬بعض‭ ‬الحاجيات‭ ‬وبيان‭ ‬أجور‭ ‬بعض‭ ‬المهن‭ ‬كذلك‭. ‬ففي‭ ‬سياق‭ ‬تصنيفه‭ ‬للمهن،‭ ‬يرى‭ ‬الشيخ‭ ‬القاسمي‭ ‬الأب‭ ‬أن‭ ‬الصناعة‭  ‬في‭ ‬النوع‭ ‬الإنساني‭ ‬كثيرة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ضروري‭ ‬وشريف‭ ‬كالتجارة،‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬فيه‭ ‬نوع‭ ‬شرف‭ ‬كالعطار،‭ ‬ومنها‭ ‬ليس‭ ‬بشريف‭ ‬كالحجام‭ ‬والإسكافي،‭ ‬ومنها‭ ‬هو‭ ‬دني‭ ‬كالقيميمي‭ (‬يجمع‭ ‬الزبالة‭ ‬ليوقد‭ ‬نار‭ ‬الحمام‭).‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬المهن‭ ‬التي‭ ‬يذكرها‭ ‬المؤلفان،‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬مهنة‭ ‬أبوكات‭ (‬المحامي‭)‬،‭ ‬ومهنة‭ ‬أجزاجي‭ (‬بائع‭ ‬العقاقير‭ ‬الواردة‭ ‬من‭ ‬أوروبا‭) ‬وهي‭ ‬حرفة‭ ‬من‭ ‬أربح‭ ‬الحرف‭ ‬وأعظمها‭ ‬كسباً،‭ ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬القاسمي‭ ‬الأب،‭ ‬فالعقاقير‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬كانت‭ ‬تؤخذ‭ ‬من‭ ‬العطار‭ ‬وبسعر‭ ‬زهيد‭ ‬لكنها‭ ‬غدت‭ ‬بفضل‭ ‬الصناعة‭ ‬الأوروبية‭ ‬مضاعفة‭ ‬الثمن‭. ‬كما‭ ‬نعثر‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬دمشق‭ ‬على‭ ‬مهنة‭ ‬أراكيلي،‭ ‬وكان‭ ‬أصحابها‭  ‬يتواجدون‭ ‬في‭ ‬محلة‭ ‬الدرويشية‭ ‬وأمام‭ ‬باب‭ ‬القلعة،‭ ‬ونجد‭ ‬كذلك‭ ‬مهنة‭ ‬‮«‬أسطة‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬امرأة‭ ‬تغسل‭ ‬رأس‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬الحمام‭ ‬بأجرة‭ ‬مخصوصة‭. ‬

البندقجي‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬يصلح‭ ‬البنادق،‭ ‬وهي‭ ‬صنعة‭ ‬من‭ ‬الصنائع‭ ‬الشريفة‭ ‬التي‭ ‬حلت‭ ‬محل‭ ‬صانعي‭ ‬السيوف

أما‭ ‬الإسكافي‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬يصلح‭ ‬النعال‭ ‬القديمة،‭ ‬ولأن‭ ‬متعاطيها‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬يزيل‭ ‬النجاسة‭ ‬من‭ ‬أسفل‭ ‬النعال‭ ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬هذه‭ ‬الحرفة‭ ‬محتقرة،‭ ‬وإن‭ ‬أثرى‭ ‬صانعها‭. ‬ويذكر‭ ‬القاسمي‭ ‬الأب‭ ‬أنه‭ ‬حضر‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬المرات‭ ‬تركة‭ ‬إسكافي‭ ‬فاخرجوا‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬المتروكات‭ ‬مئة‭ ‬وخمسين‭ ‬ليرة‭ ‬إنكليزية‭ ‬ونحوا‭ ‬من‭ ‬خمس‭ ‬وعشرين‭ ‬ليرة‭ ‬عثمانية،‭ ‬فتعجب‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬غاية‭ ‬العجب،‭ ‬فقيل‭ ‬له‭ ‬لا‭ ‬تعجب‭! ‬أما‭ ‬البندقجي‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬يصلح‭ ‬البنادق،‭ ‬وهي‭ ‬صنعة‭ ‬من‭ ‬الصنائع‭ ‬الشريفة‭ ‬التي‭ ‬حلت‭ ‬محل‭ ‬صانعي‭ ‬السيوف‭.‬

في‭ ‬مقابل‭ ‬هذه‭ ‬الصنائع،‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬مهن‭ ‬لا‭ ‬تحظى‭ ‬بالسمعة‭ ‬الطيبة،‭ ‬مثل‭ ‬الجعيدي‭ (‬من‭ ‬يراقص‭ ‬القرود‭)‬،‭ ‬والخرقي‭ (‬من‭ ‬يحترف‭ ‬لقط‭ ‬الخرق‭ ‬من‭ ‬المزابل‭)‬،‭ ‬وكان‭ ‬يهود‭ ‬دمشق‭ ‬الفقراء،‭ ‬وفقاً‭ ‬للمؤلفيَن،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬يمتهنها‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬المهن‭ ‬السيئة،‭ ‬ورغم‭ ‬تحفظه‭ ‬على‭ ‬‮«‬هذه‭ ‬الحرفة‭ ‬الملعونة،‭ ‬لكن‭ ‬إتماماً‭ ‬للمشروع‮»‬،‭ ‬يأتي‭ ‬القاسمي‭ ‬الابن‭ ‬على‭ ‬ذكر‭ ‬مهنة‭ ‬القواد‭ (‬الذي‭ ‬يُعرف‭ ‬بالعرصة‭).‬

أما‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬أسوأ‭ ‬المهن‭ ‬في‭ ‬التاريخ‮»‬‭ ‬عن‭ ‬مخطط‭ ‬قاموس‭ ‬الصناعات‭ ‬الشامية‭ ‬الفريد،‭ ‬أنه‭ ‬شمل‭ ‬مراحل‭ ‬مختلفة،‭ ‬كانت‭ ‬تترافق‭ ‬مع‭ ‬ظهور‭ ‬مهن‭ ‬جديدة‭ ‬وغياب‭ ‬أخرى‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬فترة‭ ‬القاسمي‭ ‬بقيت‭ ‬فترة‭ ‬محدودة،‭ ‬فقد‭ ‬قيل‭ ‬إن‭ ‬القاسمي‭ ‬الأب‭ ‬كان‭ ‬يركب‭ ‬دابته‭ ‬ويتنقل‭ ‬بين‭ ‬أسواق‭ ‬المدينة،‭ ‬ليسجل‭ ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬أو‭ ‬يسمعه‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬حول‭ ‬بعض‭ ‬المهن‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬أجندة‭ ‬الأب‭ ‬والابن‭ ‬كانت‭ ‬تقوم،‭ ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬المؤرخ‭ ‬الأمريكي‭ ‬ديفيد‭ ‬كومنز،‭ ‬على‭ ‬عودتهما‭ ‬إلى‭ ‬مصادر‭ ‬الحياة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للمدينة،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬نهضة‭ ‬اقتصادية‭ ‬موازية‭ ‬لمسألة‭ ‬العودة‭ ‬للشريعة،‭ ‬وإحداث‭ ‬نهضة‭ ‬أخلاقية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ترى‭ ‬دانا‭ ‬السجدي‭ ‬أن‭ ‬الحرف‭ ‬الدمشقية‭ ‬الشهيرة‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬للزوال،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬العالمين‭ ‬إلى‭ ‬توثيقها‭ ‬وتوثيق‭ ‬من‭ ‬مارسها‭ ‬كإرث‭ ‬شعبي‭. ‬وبصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬السبب،‭ ‬فإن‭ ‬تركيزهما‭ ‬على‭ ‬فترة‭ ‬معينة،‭ ‬يعني‭ ‬غياب‭ ‬أي‭ ‬ذكر‭ ‬أو‭ ‬إمكانية‭ ‬للعثور‭ ‬على‭ ‬مهن‭ ‬غريبة‭ ‬وعجيبة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬مدينة‭ ‬دمشق‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬ربما‭ ‬بعضها‭ ‬شبيه‭ ‬بتلك‭ ‬المهن‭ ‬التي‭ ‬نعثر‭ ‬عليها‭ ‬بكثرة‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬الممثل‭ ‬البريطاني‭.‬

جامع‭ ‬القيء‭ ‬والجلاد‭:‬

بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬كتاب‭ ‬أسوأ‭ ‬المهن،‭ ‬يؤكد‭ ‬المؤلف‭ ‬أن‭ ‬معايشة‭ ‬التاريخ‭ ‬البريطاني‭ ‬تبدو‭ ‬تجربة‭ ‬فريدة‭ ‬جداً،‭ ‬فخلف‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الرجال‭ ‬والنساء‭ ‬الذين‭ ‬سرقوا‭ ‬الأضواء‭ ‬كان‭ ‬ثمة‭ ‬جيش‭ ‬لا‭ ‬يؤبه‭ ‬به،‭ ‬يقع‭ ‬على‭ ‬عاتقه‭ ‬القيام‭ ‬بجميع‭ ‬الأعمال‭ ‬الصعبة‭ ‬والخطيرة‭ ‬والمنغصة‭. ‬أما‭ ‬أولى‭ ‬المهن‭ ‬التي‭ ‬يأتي‭ ‬على‭ ‬ذكرها‭ ‬فتعود‭ ‬للحقبة‭ ‬الرومانية،‭ ‬وهي‭ ‬مهنة‭ ‬‮«‬جامعي‭ ‬القيء‮»‬‭ ‬في‭ ‬الولائم‭ ‬الرومانية‭. ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬عادات‭ ‬الرومان‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬التقيؤ‭ ‬خلال‭ ‬الولائم‭ ‬ليتمكنوا‭ ‬من‭ ‬تناول‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الطعام،‭ ‬ولذلك،‭ ‬وأمام‭ ‬غياب‭ ‬أي‭ ‬مكان‭ ‬خاص‭ ‬لهذا‭ ‬الفعل‭ ‬داخل‭ ‬منازلهم،‭ ‬كانوا‭ ‬يتقيأون‭ ‬على‭ ‬أرضية‭ ‬الغرف،‭ ‬وهنا‭ ‬كان‭ ‬يأتي‭ ‬دور‭ ‬جامع‭ ‬القيء‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يزحف‭ ‬تحت‭ ‬الكنبات‭ ‬لجمعه‭.‬

وبالانتقال‭ ‬إلى‭ ‬تاريخ‭ ‬بداية‭ ‬القرون‭ ‬الوسطى،‭ ‬نلاحظ‭ ‬ظهور‭ ‬مهن‭ ‬سيئة‭ ‬لتتلائم‭ ‬مع‭ ‬الطابع‭ ‬العام‭ ‬لهذه‭ ‬الفترة،‭ ‬إذ‭ ‬تميزت‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬بالصورة‭ ‬المثالية‭ ‬للفارس‭ ‬في‭ ‬درعه‭ ‬اللامع‭. ‬وكانت‭ ‬المعارك‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬المعالم‭ ‬الرئيسية‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى‭. ‬فهناك‭ ‬الحملات‭ ‬الصليبية،‭ ‬وهناك‭ ‬المواجهة‭ ‬بين‭ ‬الإنكليز‭ ‬والاسكوتلنديين‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬جسر‭ ‬ستيرلنغ‭ ‬وبانوكبيرون،‭ ‬ومعارك‭ ‬للإنكليز‭ ‬ضد‭ ‬الفرنسيين‭ ‬في‭ ‬غريسبي‭ ‬واجنكورت‭.‬

كانت‭ ‬المعارك‭ ‬كبيرة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬صورة‭ ‬الفارس‭ ‬اللطيف‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬مجملها‭ ‬محض‭ ‬خيال‭. ‬فالدرة‭ ‬اللامعة‭ ‬التي‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يظهر‭ ‬فيها‭ ‬هذا‭ ‬الفارس‭ ‬في‭ ‬الأفلام‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬للفارس‭ ‬دور‭ ‬فيها،‭ ‬فهو‭ ‬لم‭ ‬يستخدم‭ ‬قطعة‭ ‬قماش‭ ‬بالية،‭ ‬وعلبة‭ ‬تلميع‭ ‬لتنظيف‭ ‬درعه،‭ ‬وإنما‭ ‬يعود‭ ‬هذا‭ ‬الفضل‭ ‬لمهنة‭ ‬حامل‭ ‬الدروع‭/‬حافد‭ ‬الفارس،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬خدمة‭ ‬الفرسان‭ ‬خلال‭ ‬المعارك‭. ‬فالمعارك،‭ ‬وخلافاً‭ ‬للأفلام،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تدوم‭ ‬بضع‭ ‬دقائق،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬تستمر‭ ‬لساعات‭ ‬تكون‭ ‬فيها‭ ‬فترات‭ ‬من‭ ‬الاستراحة‭ ‬قبل‭ ‬معاودة‭ ‬القتال‭. ‬الأهم‭ ‬أن‭ ‬البزة‭ ‬التي‭ ‬يرتديها‭ ‬الفارس‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬فيها‭ ‬أزرار‭ ‬سهلة‭ ‬للفك،‭ ‬فإذا‭ ‬ما‭ ‬أراد‭ ‬الفارس‭ ‬أن‭ ‬يقضي‭ ‬حاجاته،‭ ‬فعليه‭ ‬التعايش‭ ‬مع‭ ‬هـــذا‭ ‬الأمر،‭ ‬حتـى‭ ‬ينتــهي‭ ‬القتال‭. ‬ولذلك‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬مهام‭ ‬حامل‭ ‬الدروع‭ ‬إزالة‭ ‬وتنظيف‭ ‬هذه‭ ‬البزة‭ ‬من‭ ‬البراز،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬تنظيفها‭ ‬وإلباس‭ ‬الفارس‭ ‬لباسه‭ ‬العسكري،‭ ‬المتكون‭ ‬من‭ ‬أربع‭ ‬وعشرين‭ ‬قطعة‭.‬

من‭ ‬بين‭ ‬المهن‭ ‬السيئة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬نعثر‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬مهنة‭ ‬الجلاد،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬عمله‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬عملية‭ ‬تنفيذ‭ ‬الإعدام،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬غلي‭ ‬رؤوس‭ ‬المشنوقين‭ ‬في‭ ‬قدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬بذور‭ ‬الكمون‭ ‬والملح،‭ ‬لمنع‭ ‬الجوارح‭ ‬المتلهفة‭ ‬التي‭ ‬عيل‭ ‬صبرها‭ ‬من‭ ‬الانقضاض‭ ‬على‭ ‬الرؤوس‭ ‬المعلقة‭.‬

وكان‭ ‬المجرمون‭ ‬الذين‭ ‬صدر‭ ‬بحقهم‭ ‬حكم‭ ‬شرعي‭ ‬أصحابَ‭ ‬هذه‭ ‬المهنة‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الأحيان،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬عليهم‭ ‬القيام‭ ‬بهذا‭ ‬العمل‭ ‬لإنقاذ‭ ‬أنفسهم‭ ‬من‭ ‬الإعدام‭. ‬ويتألف‭ ‬زي‭ ‬عملهم‭ ‬من‭ ‬صدرية‭ ‬جلدية‭ ‬عملية‭ ‬بلا‭ ‬أكمام‭ ‬وبنطال‭ ‬قصير‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬دون‭ ‬الركبتين‭ ‬وغطاء‭ ‬يوضع‭ ‬على‭ ‬الرأس‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬تنكرياً،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬رسالة‭ ‬دالة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الجلاد‭ ‬ممثل‭ ‬لا‭ ‬وجه‭ ‬له‭ ‬لعدالة‭ ‬التاج‭ ‬البريطاني‭.‬

ظهرت، في القرن التاسع عشر، مهنتان سيئتان، تمثلت الأولى في حفار السكك الحديدية، والمهنة الثانية تمثلت في صائد الجرذان

مهنة‭ ‬‮«‬ملتقط‭ ‬القمل‮»‬

برزت،‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬عشر،‭ ‬مهن‭ ‬يراها‭ ‬الكاتب‭ ‬‮«‬رذيلة‮»‬‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬مهنة‭ ‬موظف‭ ‬ملح‭ ‬البارود،‭ ‬الذي‭ ‬يُستخدم‭ ‬للبنادق‭ ‬وللمتفجرات‭. ‬

ومن‭ ‬الأمور‭ ‬الطريفة‭ ‬التي‭ ‬نعثر‭ ‬عليها‭: ‬مهنة‭ ‬ملتقط‭ ‬بيض‭ ‬القمل،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬لكل‭ ‬شخص‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬القرنين‭ ‬السابع‭ ‬عشر‭ ‬والثامن‭ ‬عشر،‭ ‬وبغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬مرتبته،‭ ‬علاقة‭ ‬مع‭ ‬بيوض‭ ‬القمل‭. ‬إذ‭ ‬كانت‭ ‬باروكات‭ ‬الرجال‭ ‬والنساء‭ ‬الفارهة‭ ‬رمزاً‭ ‬لذلك‭ ‬العصر،‭ ‬ولأنها‭ ‬مصنوعة‭ ‬من‭ ‬شعر‭ ‬الإنسان‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬معرضة‭ ‬للطفيليات‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬تسكن‭ ‬الشعر‭ ‬أو‭ ‬الجلد،‭ ‬ولهذا‭ ‬كان‭ ‬ملتقطو‭ ‬البيوض،‭ ‬ومعظمهم‭ ‬من‭ ‬النساء،‭ ‬ينتقلون‭ ‬بشكل‭ ‬دوري‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬لعرض‭ ‬خدماتهم،‭ ‬أو‭ ‬يُستدعون‭ ‬لتنظيف‭ ‬الباروكات‭. ‬وظهرت،‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬مهنتان‭ ‬سيئتان،‭ ‬تمثلت‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬حفار‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية،‭ ‬إذ‭ ‬أقام‭ ‬العاملون‭ ‬فيها‭ ‬في‭ ‬أكواخ‭ ‬بُنيت‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬الخطوط‭ ‬التي‭ ‬كانوا‭ ‬يمدونها‭. ‬وبدا‭ ‬أصحاب‭ ‬هذه‭ ‬المهن‭ ‬كجيش‭ ‬غاز‭ ‬حظي‭ ‬بكراهية‭ ‬السكان‭ ‬المحليين،‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يخافونهم‭ ‬أيضاً‭. ‬كانوا‭ ‬يرتدون‭ ‬بناطيل‭ ‬مصنوعة‭ ‬من‭ ‬جلد‭ ‬الخلد،‭ ‬وقمصان‭ ‬الهيش‭ ‬ذات‭ ‬الطبقتين‭.‬

المهنة‭ ‬الثانية‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬صائد‭ ‬الجرذان‭. ‬إذ‭ ‬شكلت‭ ‬الجرذان‭ ‬مشكلة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬والمجاري‭ ‬القذرة‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭. ‬ولذلك‭ ‬كان‭ ‬يُستدعى‭ ‬صائد‭ ‬الجرذان‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬المشكلة‭ ‬عندما‭ ‬تتأزم‭ ‬الأمور‭ ‬وتخرج‭ ‬عن‭ ‬نطاق‭ ‬السيطرة‭. ‬

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية