لا يأتي مكمن الطرافة والغنى في بعض الكتب الحديثة التي تتطرق لحكايا القرون الوسطى الأوروبية أو المدن الإسلامية، من كونها تكشف لنا عن جانب «اليومي» في حياة الناس، وكيف عاشوا، وغيرها من قصص العجيب والغريب عما هو غير مألوف، أو حتى مستهجن في حياتنا اليوم، بل لكونها غالباً ما تكشف لنا عن تاريخ اجتماعي آخر، وعن ضروب من الكتابة التاريخية الجديدة، وأعني بالأخص تلك التي تعنى بدارسة تاريخ المهمشين وحياتهم وطقوسهم ومهنهم.
وكنا في الأسبوع السابق، قد تطرقنا لكتاب الباحثة الفلسطينية في جامعة بوسطن «حلاق دمشق»، الذي حاولت من خلاله إماطة اللثام عن ظاهرة محدثي الكتابة في دمشق القرن الثامن عشر، وكيف نظر حلاق (من العامة) للأحداث الاجتماعية والاقتصادية في المدينة.
من هنا سنحاول إكمال السير في الدرب ذاته عبر التطرق لكتاب ربما يُعدُّ مختلفاً في موضوعه عما تُرجم أو نُشر في عالمنا العربي خلال السنوات القليلة الماضية. وكي لا أطيل، فإن المقصود بالحديث هنا هو كتاب «أسوأ المهن في التاريخ: سرد لقصة ألفي عام من العمالة البائسة»، ترجمة عبد الله جرادات، فالكتاب هو تاريخ اجتماعي آخر للعامة في بريطانيا، تاريخ حول مهن المهمشين والمهاجرين في لندن خلال مدى طويل من الزمن.
من خارج أسوار الأكاديميين:
أول ما يثير الاهتمام في هذا الكتاب، مؤلفه الممثل توني روبنسون، فهو ليس مؤرخاً بالمعنى الحرفي لهذه المهنة، وإنما يعمل في الأساس ممثلا ًكوميديًا ومؤلفاً ومذيعاً. بيد أنه مولٌع في المقابل بالتاريخ وعلم الآثار، ما قاده إلى تقديم برامج حول تاريخ بريطانيا. وكما يشير العنوان، فالكتاب يروم إلى تعريفنا بتاريخ أسوأ المهن التي عرفتها بريطانيا، ولعل الجميل في اختياره لترجمته للعربية، أنه ربما يدفعنا إلى إعادة إحياء تاريخ مواز للمهن في المدينة العربية/وهو تاريخ يبدو أنه حظي بالاهتمام في بدايات القرن العشرين. وأشير هنا على سبيل المثال لا الحصر، إلى الكتاب الأثنوغرافي حول سوق دمشق «قاموس الصناعات الشامية» للشيخ محمد القاسمي وولده جمال الدين القاسمي، اللذين جمعا فيه، في فترة نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ما قيل حول 437 صناعة، بعضها كان ما يزال قائماً، وبعضها الآخر كان قد انقرض. كما نعثر في هذا الكتاب على أسعار بعض الحاجيات وبيان أجور بعض المهن كذلك. ففي سياق تصنيفه للمهن، يرى الشيخ القاسمي الأب أن الصناعة في النوع الإنساني كثيرة، إلا أن منها ما هو ضروري وشريف كالتجارة، ومنها ما فيه نوع شرف كالعطار، ومنها ليس بشريف كالحجام والإسكافي، ومنها هو دني كالقيميمي (يجمع الزبالة ليوقد نار الحمام).
ومن بين المهن التي يذكرها المؤلفان، نشير إلى مهنة أبوكات (المحامي)، ومهنة أجزاجي (بائع العقاقير الواردة من أوروبا) وهي حرفة من أربح الحرف وأعظمها كسباً، كما يرى القاسمي الأب، فالعقاقير في السابق كانت تؤخذ من العطار وبسعر زهيد لكنها غدت بفضل الصناعة الأوروبية مضاعفة الثمن. كما نعثر في مدينة دمشق على مهنة أراكيلي، وكان أصحابها يتواجدون في محلة الدرويشية وأمام باب القلعة، ونجد كذلك مهنة «أسطة» وهي امرأة تغسل رأس النساء في الحمام بأجرة مخصوصة.
البندقجي فهو من يصلح البنادق، وهي صنعة من الصنائع الشريفة التي حلت محل صانعي السيوف
أما الإسكافي فهو من يصلح النعال القديمة، ولأن متعاطيها كثيراً ما يزيل النجاسة من أسفل النعال فقد أصبحت هذه الحرفة محتقرة، وإن أثرى صانعها. ويذكر القاسمي الأب أنه حضر في إحدى المرات تركة إسكافي فاخرجوا من بين المتروكات مئة وخمسين ليرة إنكليزية ونحوا من خمس وعشرين ليرة عثمانية، فتعجب من ذلك غاية العجب، فقيل له لا تعجب! أما البندقجي فهو من يصلح البنادق، وهي صنعة من الصنائع الشريفة التي حلت محل صانعي السيوف.
في مقابل هذه الصنائع، كانت هناك مهن لا تحظى بالسمعة الطيبة، مثل الجعيدي (من يراقص القرود)، والخرقي (من يحترف لقط الخرق من المزابل)، وكان يهود دمشق الفقراء، وفقاً للمؤلفيَن، أكثر من يمتهنها. ومن بين المهن السيئة، ورغم تحفظه على «هذه الحرفة الملعونة، لكن إتماماً للمشروع»، يأتي القاسمي الابن على ذكر مهنة القواد (الذي يُعرف بالعرصة).
أما أهم ما يميز كتاب «أسوأ المهن في التاريخ» عن مخطط قاموس الصناعات الشامية الفريد، أنه شمل مراحل مختلفة، كانت تترافق مع ظهور مهن جديدة وغياب أخرى. في حين نجد أن فترة القاسمي بقيت فترة محدودة، فقد قيل إن القاسمي الأب كان يركب دابته ويتنقل بين أسواق المدينة، ليسجل ما يراه أو يسمعه من الناس حول بعض المهن. كما أن أجندة الأب والابن كانت تقوم، كما يرى المؤرخ الأمريكي ديفيد كومنز، على عودتهما إلى مصادر الحياة الاقتصادية للمدينة، في سياق البحث عن نهضة اقتصادية موازية لمسألة العودة للشريعة، وإحداث نهضة أخلاقية، في حين ترى دانا السجدي أن الحرف الدمشقية الشهيرة كانت في طريقها للزوال، وهو ما دفع العالمين إلى توثيقها وتوثيق من مارسها كإرث شعبي. وبصرف النظر عن السبب، فإن تركيزهما على فترة معينة، يعني غياب أي ذكر أو إمكانية للعثور على مهن غريبة وعجيبة في تاريخ مدينة دمشق على المدى الطويل، ربما بعضها شبيه بتلك المهن التي نعثر عليها بكثرة في كتاب الممثل البريطاني.
جامع القيء والجلاد:
بالعودة إلى كتاب أسوأ المهن، يؤكد المؤلف أن معايشة التاريخ البريطاني تبدو تجربة فريدة جداً، فخلف كثير من الرجال والنساء الذين سرقوا الأضواء كان ثمة جيش لا يؤبه به، يقع على عاتقه القيام بجميع الأعمال الصعبة والخطيرة والمنغصة. أما أولى المهن التي يأتي على ذكرها فتعود للحقبة الرومانية، وهي مهنة «جامعي القيء» في الولائم الرومانية. إذ كان من عادات الرومان اللجوء إلى التقيؤ خلال الولائم ليتمكنوا من تناول المزيد من الطعام، ولذلك، وأمام غياب أي مكان خاص لهذا الفعل داخل منازلهم، كانوا يتقيأون على أرضية الغرف، وهنا كان يأتي دور جامع القيء الذي كان يزحف تحت الكنبات لجمعه.
وبالانتقال إلى تاريخ بداية القرون الوسطى، نلاحظ ظهور مهن سيئة لتتلائم مع الطابع العام لهذه الفترة، إذ تميزت هذه المرحلة بالصورة المثالية للفارس في درعه اللامع. وكانت المعارك من أبرز المعالم الرئيسية على امتداد العصور الوسطى. فهناك الحملات الصليبية، وهناك المواجهة بين الإنكليز والاسكوتلنديين في معركة جسر ستيرلنغ وبانوكبيرون، ومعارك للإنكليز ضد الفرنسيين في غريسبي واجنكورت.
كانت المعارك كبيرة، غير أن صورة الفارس اللطيف كانت في مجملها محض خيال. فالدرة اللامعة التي غالباً ما يظهر فيها هذا الفارس في الأفلام لم يكن للفارس دور فيها، فهو لم يستخدم قطعة قماش بالية، وعلبة تلميع لتنظيف درعه، وإنما يعود هذا الفضل لمهنة حامل الدروع/حافد الفارس، التي كانت تقوم على خدمة الفرسان خلال المعارك. فالمعارك، وخلافاً للأفلام، لم تكن تدوم بضع دقائق، بل كانت تستمر لساعات تكون فيها فترات من الاستراحة قبل معاودة القتال. الأهم أن البزة التي يرتديها الفارس لم تكن فيها أزرار سهلة للفك، فإذا ما أراد الفارس أن يقضي حاجاته، فعليه التعايش مع هـــذا الأمر، حتـى ينتــهي القتال. ولذلك كان من مهام حامل الدروع إزالة وتنظيف هذه البزة من البراز، بالإضافة إلى تنظيفها وإلباس الفارس لباسه العسكري، المتكون من أربع وعشرين قطعة.
من بين المهن السيئة في هذه الفترة نعثر أيضاً على مهنة الجلاد، ولم يكن عمله يقتصر على عملية تنفيذ الإعدام، بل كان عليه بعد ذلك غلي رؤوس المشنوقين في قدر كبير من بذور الكمون والملح، لمنع الجوارح المتلهفة التي عيل صبرها من الانقضاض على الرؤوس المعلقة.
وكان المجرمون الذين صدر بحقهم حكم شرعي أصحابَ هذه المهنة في معظم الأحيان، إذ كان عليهم القيام بهذا العمل لإنقاذ أنفسهم من الإعدام. ويتألف زي عملهم من صدرية جلدية عملية بلا أكمام وبنطال قصير يصل إلى ما دون الركبتين وغطاء يوضع على الرأس لم يكن تنكرياً، بل كان في حد ذاته رسالة دالة على أن الجلاد ممثل لا وجه له لعدالة التاج البريطاني.
ظهرت، في القرن التاسع عشر، مهنتان سيئتان، تمثلت الأولى في حفار السكك الحديدية، والمهنة الثانية تمثلت في صائد الجرذان
مهنة «ملتقط القمل»
برزت، في القرن السابع عشر، مهن يراها الكاتب «رذيلة» ومن بينها مهنة موظف ملح البارود، الذي يُستخدم للبنادق وللمتفجرات.
ومن الأمور الطريفة التي نعثر عليها: مهنة ملتقط بيض القمل، فقد كان لكل شخص في فترة القرنين السابع عشر والثامن عشر، وبغض النظر عن مرتبته، علاقة مع بيوض القمل. إذ كانت باروكات الرجال والنساء الفارهة رمزاً لذلك العصر، ولأنها مصنوعة من شعر الإنسان فقد كانت معرضة للطفيليات ذاتها التي تسكن الشعر أو الجلد، ولهذا كان ملتقطو البيوض، ومعظمهم من النساء، ينتقلون بشكل دوري من بيت إلى آخر لعرض خدماتهم، أو يُستدعون لتنظيف الباروكات. وظهرت، في القرن التاسع عشر، مهنتان سيئتان، تمثلت الأولى في حفار السكك الحديدية، إذ أقام العاملون فيها في أكواخ بُنيت بالقرب من الخطوط التي كانوا يمدونها. وبدا أصحاب هذه المهن كجيش غاز حظي بكراهية السكان المحليين، الذين كانوا يخافونهم أيضاً. كانوا يرتدون بناطيل مصنوعة من جلد الخلد، وقمصان الهيش ذات الطبقتين.
المهنة الثانية تمثلت في صائد الجرذان. إذ شكلت الجرذان مشكلة كبيرة في الشوارع والمجاري القذرة في بريطانيا القرن التاسع عشر. ولذلك كان يُستدعى صائد الجرذان للتعامل مع هذه المشكلة عندما تتأزم الأمور وتخرج عن نطاق السيطرة.