الأليغوريا‭ ‬الجِنسية‭ ‬وآليات‭ ‬التمثِيل‭ ‬الرمزي‭ ‬في‭ ‬‮«‬‭ ‬موسم‭ ‬الهجرة‭ ‬إلى‭ ‬الشمال‭ ‬

الرواية‭ ‬ككــل‭ ‬أنماط‭ ‬التعبير‭ ‬الرمزي‭ ‬ليست‭ ‬تعبيرا‭ ‬مباشرا‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬وقضاياه،‭ ‬وإنما‭ ‬تبني‭ ‬الرواية‭ ‬مضامينها‭ ‬في‭ ‬انفصال‭ ‬تام‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬المكونات‭ ‬المباشرة‭ ‬والمألوفة،‭ ‬لأن‭ ‬‮«‬التعيين‭ ‬التقريري‭ ‬المباشر‭ ‬للأشياء‭ ‬لا‭ ‬يشكل‭ ‬سِوى‭ ‬حالات‭ ‬استثنائية‭ ‬تحيل‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬المناطق‭ ‬فقرا‭ ‬في‭ ‬الوجود‭ ‬الإنساني،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يوحي‭ ‬بأن‭ ‬المعرفة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬تقوله‭ ‬الأشكال‭ ‬الظاهرة‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬قِيل‭ ‬بِشكل‭ ‬مباشر،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يقل‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬تغطيه‭ ‬الرموز‭ ‬وتخفيه‮»‬‭ (‬سعيد‭ ‬بنكراد،‭ ‬‮«‬سيرورات‭ ‬التأويل‭ ‬من‭ ‬الهرموسية‭ ‬إلى‭ ‬السيميائيات‮»‬‭ ‬منشورات‭ ‬الاختلاف‭ ‬2012‭) ‬وهذا‭ ‬دال‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬اللغة‭ ‬على‭ ‬استِنباتِ‭ ‬مرجعيات‭ ‬دلالية‭ ‬غير‭ ‬مطروقة‭ ‬وامتلاكها‭ ‬أبعادا‭ ‬أخرى‭ ‬جعلتها‭ ‬تنتقل‭ ‬بين‭ ‬آفاق‭ ‬دلالية‭ ‬متنوعة‭.‬

نقوم‭ ‬مِن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬المبدأ‭ ‬الأليغوري‭ ‬بِقراءة‭ ‬الدلالة‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬موسم‭ ‬الهجرة‭ ‬إلى‭ ‬الشمال‮»‬‭ ‬للطيب‭ ‬صالح‭ ‬وبِبِنائها‭ ‬وتنظيمها‭ ‬وِفق‭ ‬سياق‭ ‬اقتضته‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬المبدأ‭ ‬بوابة‭ ‬لتحيين‭ ‬الموارب‭ ‬والمسكوت‭ ‬عنه،‭ ‬وتلعب‭ ‬الوسائط‭ ‬الرمزية‭ ‬التي‭ ‬يطل‭ ‬منها‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬الأليغوري‭ ‬دورا‭ ‬حاسما‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬الدلالة،‭ ‬استنادا‭ ‬لِما‭ ‬توفره‭ ‬اللغة‭ ‬من‭ ‬قدرات‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬معانٍ‭ ‬مضافة‭ ‬ومضاعفة،‭ ‬وإن‭ ‬كنا‭ ‬لا‭ ‬نزعم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬بنية‭ ‬جاهزة‭ ‬يلجأ‭ ‬إليها‭ ‬المبدع‭ ‬في‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬التعمد‭ ‬والقصدية،‭ ‬فإننا‭ ‬لا‭ ‬ننكر‭ ‬أن‭ ‬المعنى‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينشأ‭ ‬في‭ ‬فلك‭ ‬‮«‬حمولة‭ ‬ثقافية‮»‬‭ ‬وحضارية‭ ‬تدعمه‭ ‬وتشد‭ ‬مِن‭ ‬أزره‭.‬

نهتم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقام‭ ‬بِرصد‭ ‬رمزية‭ ‬الجنس‭ ‬وأشكال‭ ‬حضوره‭ ‬في‭ ‬الرواية،‭ ‬لأن‭ ‬الجِنس‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المِضمار‭ ‬ليس‭ ‬تجربة‭ ‬خرساء،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬عصب‭ ‬الرواية،‭ ‬هو‭ ‬أمِير‭ ‬الدوال‭ ‬بِوصفِ‭ ‬مجتلب‭ ‬من‭ ‬رولان‭ ‬بارت،‭ ‬لأن‭ ‬الرواية‭ ‬تغتني‭ ‬باستمرار‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬الجنسية‭ ‬المتكررة،‭ ‬انخرط‭ ‬الجنس‭ ‬بِحكم‭ ‬موقعه‭ ‬المتميز‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬وبِحكم‭ ‬المساحات‭ ‬التي‭ ‬يشغلها‭ ‬فيها‭ ‬في‭ ‬إدراج‭ ‬المعنى‭ ‬ضمن‭ ‬هذه‭ ‬الصور‭ ‬الجنسية‭ ‬المتواترة،‭ ‬أي‭ ‬النهل‭ ‬مِن‭ ‬مستودع‭ ‬إيروسي‭ ‬جعل‭ ‬الدلالة‭ ‬حبِيسة‭ ‬جِنسية‭ ‬مثخنة‭ ‬وعميقة،‭ ‬ومِن‭ ‬أيقنةِ‭ ‬الجنس‭ ‬في‭ ‬دلالات‭ ‬مخصوصة،‭ ‬خلقت‭ ‬الرواية‭ ‬لِنفسها‭ ‬إحالة‭ ‬أخرى‭ ‬ثاوية‭ ‬داخل‭ ‬النسيج‭ ‬السردي‭ ‬لا‭ ‬تختزل‭ ‬التجارب‭ ‬الجنسية‭ ‬التي‭ ‬خاضها‭ ‬البطل‭ ‬‮«‬مصطفى‭ ‬سعيد‮»‬‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬رغبوية‭ ‬محمومة،‭ ‬بل‭ ‬تجعل‭ ‬فيه‭ ‬متسعا‭ ‬لا‭ ‬تحكمه‭ ‬الشهوات‭ ‬والغرائز‭ ‬فالجنس‭ ‬في‭ ‬سِياق‭ ‬الرواية‭ ‬وفي‭ ‬سياق‭ ‬‮«‬حمولتها‭ ‬الثقافية‮»‬‭ ‬والحضارية‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬طقوس‭ ‬الرغبة‭ ‬وفي‭ ‬تأجج‭ ‬المشاعر‭ ‬واشتداد‭ ‬أوارِها،‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬المد‭ ‬والهزات‭ ‬والرجات‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬حيث‭ ‬الإحساس‭ ‬بِنشوة‭ ‬النصر‭ ‬لا‭ ‬نشوة‭ ‬الأجساد‭ ‬الفوارة‭ ‬المشدودة‭ ‬الضاجة‭ ‬بالنشاط‭ ‬الحار،‭ ‬إن‭ ‬الجنس‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬هذا،‭ ‬إنه‭ ‬في‭ ‬تكثفه‭ ‬إحالة‭ ‬رمزية‭ ‬ووِعاء‭ ‬لقضية‭ ‬حضارية،‭ ‬حيث‭ ‬يتحرر‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬ممارسة‭ ‬حميمية‭ ‬ليصبح‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬ألوان‭ ‬الصراع‭ ‬واستِثارة‭ ‬لنزعات‭ ‬عدوانية‭ ‬انتقامية‭ ‬بين‭ ‬الأنا‭ ‬والآخر،‭ ‬وكل‭ ‬حالات‭ ‬السرد‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬شاهدة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬على‭ ‬تنوعها‭ ‬مع‭: ‬‮«‬آن‭ ‬هنمند،‭ ‬إيزابيلا‭ ‬سيمور،‭ ‬شِيلا‭ ‬غرين‭ ‬وود،‭ ‬جِين‭ ‬مورس‮»‬‭ ‬تقبع‭ ‬خارج‭ ‬حرارة‭ ‬العلاقة‭ ‬وخارج‭ ‬منطقها‭ ‬وقوانينها‭. ‬

الرواية‭ ‬حاملة‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬لعلامات‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬الحضاري‭ ‬الذي‭ ‬نهض‭ ‬الجنس‭ ‬بالتعبير‭ ‬عنه‭ ‬،‭ ‬لأنه‭ ‬يندرج‭ ‬ضمن‭ ‬‬الواقع‭ ‬الثقافي‭ ‬المتأرجح‭ ‬بين‭ ‬الاستعمار‭ ‬والاستعمار‭ ‬المبطن

وِفق‭ ‬هذه‭ ‬المحددات‭ ‬نقرأ‭ ‬الجنس‭ ‬باعتباره‭ ‬معركة‭ ‬وانتقاما‭ ‬حضاريا،‭ ‬والرواية‭ ‬حاملة‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬لعلامات‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬الحضاري‭ ‬الذي‭ ‬نهض‭ ‬الجنس‭ ‬بالتعبير‭ ‬عنه‭ ‬أحسن‭ ‬تعبير‭ ‬وأبرعه،‭ ‬لأنه‭ ‬يندرج‭ ‬ضمن‭ ‬ما‭ ‬أفرزه‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬الثقافي‭ ‬المتأرجح‭ ‬بين‭ ‬الاستعمار‭ ‬والاستعمار‭ ‬المبطن،‭ ‬بين‭ ‬التبعية‭ ‬والاستقلالية‭ ‬بين‭ ‬ثقافتين‭ ‬يكون‭ ‬بينهما‭ ‬الجنس‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬علاقة،‭ ‬إنه‭ ‬تلبية‭ ‬لحاجيات‭ ‬أخرى‭ ‬إذ‭ ‬تتخلص‭ ‬العلاقة‭ ‬الجنسية‭ ‬حِين‭ ‬تحتدِم‭ ‬من‭ ‬شكلها‭ ‬الرغبوي‭ ‬لتتحول‭ ‬إلى‭ ‬سلوك‭ ‬انتقامي‭ ‬يعلن‭ ‬فيه‭ ‬البطل‭ ‬نهاية‭ ‬الغزاة‭ ‬الفاتحين‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬الرهز‭ ‬والطعن‭ ‬والاستيعاب‭ ‬صونا‭ ‬للهوية‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬غزو‭ ‬جديد،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬عبر‭ ‬عنه‭ ‬مصطفى‭ ‬سعيد‭ ‬بهذه‭ ‬العبارة‭ ‬الموحية‭: ‬‮«‬نعم‭ ‬يا‭ ‬سادتي‭ ‬إنني‭ ‬جِئتكم‭ ‬غازيا‭ ‬في‭ ‬عقر‭ ‬داركم‭ ‬قطرة‭ ‬من‭ ‬السم‭ ‬الذي‭ ‬حقنتم‭ ‬به‭ ‬شريان‭ ‬التاريخ‭ … ‬سأحرر‭ ‬إفريقيا‭ ‬ب‭…‬ي‮»‬،‭ ‬انتصب‭ ‬أمامهم‭ ‬وفي‭ ‬عقر‭ ‬دارهم‭ ‬كأنه‭ ‬عضو‭ ‬مستثار‭ ‬غازيا‭ ‬بسيفه‭ ‬البتار‭ ‬الذي‭ ‬سيستأصِل‭ ‬به‭ ‬استعمارا‭ ‬تشعبت‭ ‬جذوره‭ ‬وتوطدت‭ ‬دعائمه،‭ ‬سيف‭ ‬بتار‭ ‬ينزعه‭ ‬وينزع‭ ‬حضارته‭ ‬من‭ ‬براثن‭ ‬مستعمر‭ ‬دمر‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬يقاوم‭ ‬به‭ ‬هذا‭ ‬الوجه‭ ‬الحضاري‭ ‬المناوئ‭ ‬وينتقم‭ ‬من‭ ‬صروفه،‭ ‬هو‭ ‬انتقام‭ ‬أيضا‭ ‬لهذا‭ ‬الشرق‭ ‬الضائع‭ ‬المبدد‭ ‬المنهوب‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬جعل‭ ‬تِكرار‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬يشكل‭ ‬منعا‭ ‬لخيبات‭ ‬كثيرة،‭ ‬وانتقاما‭ ‬لأخرى‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬النصر‭ ‬يبلورها‭ ‬الجنس‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬كل‭ ‬علاقة‭ ‬تنتهي‭ ‬بالانتحار‭ ‬أو‭ ‬بالقتل،‭ ‬حيث‭ ‬تستحيل‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬بِمقتضى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬موقف‭ ‬عدمي‭ ‬ينتهي‭ ‬إلى‭ ‬رفض‭ ‬الآخر‭ ‬وإنكاره‭ ‬واغتياله‭ ‬في‭ ‬متاهة‭ ‬الرغائب‭ ‬الجنونية‭ ‬يقول‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭: ‬‮«‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬سِرناه‭ ‬معا‭ ‬إلى‭ ‬غرفة‭ ‬النوم‭ ‬كان‭ ‬بالنسبة‭ ‬لها‭ ‬طريقا‭ ‬مضِيئا‭ ‬بِعبير‭ ‬التسامح‭ ‬والمحبة،‭ ‬وكان‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬الخطوة‭ ‬الأخيرة‭ ‬قبل‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬قمة‭ ‬الأنانية‮»‬‭.‬

بدأ‭ ‬هذا‭ ‬المثير‭ ‬الجنسي‭ ‬عندما‭ ‬احتضنته‭ ‬مِسز‭ ‬ربنسون‭ ‬بِذراعيها‭ ‬أثناء‭ ‬استقبالِه‭ ‬قادما‭ ‬من‭ ‬الخرطوم‭ ‬إلى‭ ‬القاهرة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬وجد‭ ‬الخرطوم‭ ‬‮«‬لا‭ ‬تتسع‭ ‬لذهنه‭ ‬وليس‭ ‬عند‭ ‬المعلمين‭ ‬شيء‭ ‬يفيدونه‭ ‬به‭ ‬بعد‭ ‬الآن‮»‬‭. ‬مع‭ ‬ذهابه‭ ‬إلى‭ ‬إنكلترا‭ ‬أخذ‭ ‬هذا‭ ‬المثير‭ ‬يتعاظم‭ ‬ويعمق‭ ‬يوما‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭ ‬يحوله‭ ‬إلى»دنجوانٍ‮»‬‭ ‬آسِرٍ‭ ‬يجذب‭ ‬نِساء‭ ‬إنكلترا،‭ ‬فرغم‭ ‬نباهته‭ ‬ورجاحتِه‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬ميعة‭ ‬الصبا،‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬يبصِر‭ ‬في‭ ‬المرأة‭ ‬إلا‭ ‬الناحية‭ ‬الغرائزية،‭ ‬يلمحها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬طقس‭ ‬يمارس‭ ‬فيه‭ ‬بطولته‭ ‬ينظر‭ ‬إليها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬خيول‭ ‬جامحة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يعتليها‭ ‬ويروضها،‭ ‬وكان‭ ‬الجنس‭ ‬أولى‭ ‬مطايا‭ ‬هذا‭ ‬الترويض‭. ‬كانت‭ ‬أول‭ ‬تجاربه‭ ‬مع‭ ‬‮«‬آن‭ ‬هنمند‮»‬‭ ‬طالبة‭ ‬مهتمة‭ ‬بالدراسات‭ ‬الشرقية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬أكسفورد‭ ‬أخذت‭ ‬بِلبهِ‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ألقت‭ ‬بقلبها‭ ‬في‭ ‬حب‭ ‬عميقٍ‭ ‬لا‭ ‬حد‭ ‬لِقراره،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬لِتعلم‭ ‬أن‭ ‬خلق‭ ‬هذا‭ ‬الرجل‭ ‬الشرقي‭ ‬خلق‭ ‬الخِيانة‭ ‬والانتقام‭ ‬والكذب،‭ ‬وغير‭ ‬هذا‭ ‬مِن‭ ‬مركبات‭ ‬حضارية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنحط‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الدرك‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أفقدها‭ ‬عذريتها‭ ‬وهي‭ ‬لم‭ ‬تبلغ‭ ‬العشرين‭ ‬من‭ ‬العمر،‭ ‬وقد‭ ‬ساعده‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬أن‭ ‬عرى‭ ‬العلاقة‭ ‬بينه‭ ‬وبينها‭ ‬وبين‭ ‬نِساء‭ ‬إنكلترا‭ ‬عموما‭ ‬وثقتها‭ ‬يد‭ ‬خفية‭ ‬تستعيد‭ ‬الأحداث‭ ‬والأجواء،‭ ‬‮«‬بِرك‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬نِساء‭ ‬لندن‭ ‬عرف‭ ‬كيف‭ ‬يحركها‮»‬‭ ‬ويتجلى‭ ‬هذا‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬هذه‭ ‬العوالم‭ ‬الشرقية‭ ‬المبهرة‭ ‬أسلوبا‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬وجدان‭ ‬فتيات‭ ‬إنكلترا‭ ‬والاستيلاء‭ ‬عليهن‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬يتضوع‭ ‬منه‭ ‬أريج‭ ‬شرقي‭ ‬معطر،‭ ‬وتعد‭ ‬هذه‭ ‬العوالم‭ ‬قوة‭ ‬خارقة‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬الاستِمالة‭ ‬الجنسي،‭ ‬حيث‭ ‬يخلِق‭ ‬‮«‬حالة‭ ‬جذب‭ ‬قصوى‮»‬‭ ‬حالة‭ ‬انصياعية‭ ‬تفتح‭ ‬باب‭ ‬العلاقة‭ ‬الجنسية‭ ‬على‭ ‬مِصراعيه،‭ ‬وكل‭ ‬تجاربه‭ ‬التي‭ ‬خاضها‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النطاق‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬العوالم‭ ‬التي‭ ‬حولها‭ ‬‮«‬إلى‭ ‬رغبة‭ ‬يعزف‭ ‬على‭ ‬أوتارها‭ ‬المشدودة‭ ‬كما‭ ‬يحلو‭ ‬له‮»‬‭. ‬مع‭ ‬أول‭ ‬تجربة‭ ‬جنسية‭ ‬تثوي‭ ‬حالات‭ ‬الانتقام‭ ‬وما‭ ‬يؤكد‭ ‬ذلك‭ ‬المصير‭ ‬الذي‭ ‬آلت‭ ‬إليه‭ ‬‮«‬آن‭ ‬هنمند‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬الانتحار،‭ ‬تتكرر‭ ‬تجاربه‭ ‬مع‮»‬‭ ‬إيزبيلا‭ ‬سيمور»و»شِيلا‭ ‬غرين‭ ‬وود‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬تجارب‭ ‬لا‭ ‬تقِل‭ ‬انتقامية‭ ‬عن‭ ‬التجربة‭ ‬الأولى‭ ‬لكن‭ ‬فيها‭ ‬أضعاف‭ ‬اندفاعها‭ ‬ولهِيبِها،‭ ‬وكل‭ ‬علاقة‭ ‬أقامها‭ ‬مع‭ ‬إحداهن‭ ‬مهما‭ ‬عمقت‭ ‬انتهت‭ ‬إلى‭ ‬الفجور‭ ‬والتهتك‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬الانتحار‭ ‬أخيرا،‭ ‬الجنس‭ ‬مع‭ ‬‮«‬جِين‭ ‬مورس‮»‬‭ ‬أيضا‭ ‬عمل‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬العدوانية‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أعرضت‭ ‬عنه‭ ‬واحتقرته‭ ‬وتركته‭ ‬ممعنا‭ ‬في‭ ‬رغبته‭ ‬مغرقا‭ ‬في‭ ‬هواه،‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬شبقه‭ ‬يتصورها‭ ‬تئن‭ ‬وتتأوه‭ ‬تحته‭ ‬ويتحول‭ ‬هذا‭ ‬الأنين‭ ‬والتأوه‭ ‬إلى‭ ‬قصة‭ ‬من‭ ‬قصص‭ ‬البطولة‭ ‬ورد‭ ‬الاعتبار،‭ ‬إلى‭ ‬مرهم‭ ‬لِجروحات‭ ‬مصدرها‭ ‬انتهاك‭ ‬استعماري‭ ‬واضح‭ ‬فينتهي‭ ‬به‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬قتلها‭ ‬في‭ ‬‮«‬طقوس‭ ‬صلواته‭ ‬العربيدة‭ ‬المهِيجة‮»‬‭. ‬

استمرت‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬تصيبه‭ ‬من‭ ‬تكرارها‭ ‬نشوة‭ ‬الغزاة‭ ‬الفاتحين‭ ‬واضطرابهم‭ ‬اللذيذ‭ ‬ولم‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬لندن‭ ‬إلا‭ ‬وقد‭ ‬عب‭ ‬من‭ ‬لذائذها‭ ‬ومتعها‭ ‬حد‭ ‬الثمالة‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬نستشف‭ ‬أن‭ ‬الجنس‭ ‬هو‭ ‬المخرج‭ ‬الوحيد‭ ‬لمشاعر‭ ‬الانتقام‭ ‬وان‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬رد‭ ‬الاعتبار‭ ‬وأنه‭ ‬بهذه‭ ‬التجارب‭ ‬أمكنه‭ ‬أن‭ ‬يحطم‭ ‬قيد‭ ‬الفقد‭ ‬والإحساس‭ ‬بالنقص‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‭ ‬الصاخب‭ ‬الماجِن‭.‬

إن‭ ‬الانطلاق‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المكون‭ ‬الأليغوري‭ ‬الجنسي‭ ‬ومكوناته‭ ‬المباشرة‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬مكننا‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬عناصر‭ ‬الدلالة‭ ‬بناء‭ ‬جديدا،‭ ‬استنادا‭ ‬إلى‭ ‬إدراك‭ ‬عمل‭ ‬هذا‭ ‬التمثيل‭ ‬الرمزي‭ ‬وطرق‭ ‬تأويله‭ ‬الذي‭ ‬طالعنا‭ ‬بتعبيرات‭ ‬دلالية‭ ‬عميقة‭ ‬وثرية‭ ‬‮«‬أدرجت‭ ‬الرواية‭ ‬ومعانيها‭ ‬ضمن‭ ‬فيض‭ ‬معنوي‭ ‬أغنى‭ ‬عن‭ ‬معانيها‭ ‬المباشرة‮»‬‭ (‬بنكراد‭: ‬سيرورات‭ ‬التأويل‭). ‬

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية